عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


أثار العدوان على غزة أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 من جديد موضوع تعارض أو تناقض "الشرعية الدولية" مع قواعد القانون الدولي أحيانا، لاسيما فيما يتعلق باختصاصات وسلوك مجلس الأمن الدولي.

"
للأسف تم تسييس أو توظيف المحكمة الجنائية الدولية باسم الشرعية الدولية لتخدم القوى المتنفذة، بتفليت مرتكبين من أن تنالهم يد العدالة، كما هي حالة غزة، حين ظل المرتكبون الإسرائيليون بعيدا عن الإدانة وتوجيه الاتهام، ناهيكم عن مقاضاتهم
"
فماذا لو خرج مجلس الأمن الدولي على قواعد القانون الدولي؟ ومن هي الجهة الدولية (صاحبة الاختصاص) التي ستحدد ذلك؟ وهل هناك دور للعلماء والأكاديميين القانونيين، أو لمرجعية دولية لفضّ مثل هذا الاشتباك لو حصل؟ وفي مراقبة مدى انطباق مبادئ الشرعية الدولية مع قواعد القانون الدولي؟

ولعل نكوص مجلس الأمن الدولي عن إدانة العدوان على غزة وحماية السلم والأمن الدوليين ومنع انتهاك قواعد القانون الدولي، كان وراء سؤال كبير بحاجة إلى تدقيق جديد عن علاقة "الشرعية الدولية" بالقانون الدولي.

الشرعية الدولية، كمصطلح ما زال غير محدد، فهل تعني توافق أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين أو إرادة ما يسمى المجتمع الدولي؟ أم توافق إجراءات مجلس الأمن الدولي مع قواعد القانون الدولي؟ وماذا لو حصل الافتراق؟

الأمر الذي هو بحاجة إلى معالجة جدية هو ابتعاد ما نطلق عليه "الشرعية الدولية" أحيانا، عن مبادئ العدالة وقواعد القانون الدولي، لاسيما وظيفة حماية السلم والأمن الدوليين التي هي هدف سام للمنتظم الدولي، فكيف يمكن التصرف والحالة هذه عندما تتعارض الشرعية الدولية مع قواعد العدالة القانونية الدولية أو قواعد القانون الدولي الإنساني أو المعاصر، لاسيما المعتمدة منها؟

إذا كان مبدأ السيادة هو أحد أهم مبادئ ميثاق الأمم المتحدة الأساسية، فإن الإخلال بها، من جانب القوى المتنفذة، وبخاصة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، يعتبر المؤشر الأول لسوء استخدام ما يسمى الشرعية الدولية لأغراض قد تتعارض مع أهداف ومبادئ المنظمة الدولية.

ولعل بعض القوى الدولية تضع نفسها خارج نطاق القانون الدولي، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمصالحها، وهو ما تحاول أن تضغط فيه على مجلس الأمن، لكي يستجيب "لطموحاتها" لاسيما تهديدها باستخدام حقها في الفيتو.

ولعل هذا ما يفسر وقوف بعض قرارات مجلس الأمن في مخالفة صريحة للقانون الدولي، حتى وإن حملت اسم "الشرعية الدولية"، وهو أمر يثير القلق لدى الدول الصغيرة، التي لا تشعر بالمساواة والاطمئنان إزاء سلوك الدول المتسيّدة في العلاقات الدولية، بحكم هيمنة الأخيرة على القرار الدولي، وثانياً بحكم الصلاحيات الممنوحة لها بموجب ميثاق الأمم المتحدة.

إن التعارض الفعلي الحاصل بين القانون الدولي والشرعية الدولية لم يحظ أحياناً باهتمام فقهي ونظري، ولذلك ترى البعض لا يفرق بين الشرعية الدولية، التي هي قرارات وتوافقات صدرت عن مجلس الأمن في ظل توازنات سياسية للقوى الدولية محكومة بزمانها وبناء على اعتبارات ومصالح خاصة، وبين قواعد القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة التي هي مبادئ تعاقدية وعرفية استقر عليها المجتمع الدولي، باعتبارها قواعد ملزمة.

وإذا كانت وظيفة مجلس الأمن هي حفظ السلم والأمن الدوليين مثلما أناط به الميثاق، وكانت سبباً في اختيار خمس دول كبرى لاحتلال عضويته الدائمة، فإن المصدر الأساسي لشرعية قرارات المجلس هو توافقها مع مبادئ القانون الدولي وليس مخالفتها، لاسيما في حالة العدوان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها.

لقد تطور القانون الدولي الإنساني كثيرا، خصوصا بإلزام المتحاربين بقواعد وضوابط للحد من مآسي الحروب، وقد لعبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ تأسيسها العام 1864 دوراً مهماً في تقديم المساعدات الإنسانية للضحايا، لاسيما بتطور الموقف من شن الحرب أو شرعيتها أو استخدام أنواع الأسلحة فيها أو سلوك المتحاربين وقواعد القتال أو غير ذلك.

وشهد هذا التطور تعزيز القواعد القانونية المنظمة لعلاقات الدول بالدرجة الأساسية، وقت السلم ووقت الحرب فيما يتعلق بالأسرى والجرحى والغرقى والمفقودين والمدنيين وغير ذلك.

لقد كان القانون الدولي التقليدي يجيز باسم "الشرعية الدولية" السائدة آنذاك الحق للدول في شن الحرب، أو الحق في الفتح، طبقاً لمصالحها القومية أو مآربها السياسية، وهو ما كان أقرب لدعاوى الحرب الاستباقية أو الوقائية، أو ما سمي "المجالات الحيوية" لاحقاً.

لكن القانون الدولي المعاصر تطور كثيرا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى فلم يعد اللجوء إلى الحرب مشروعاً ومباحاً بعد أن تم تقييده، لاسيما في عهد عصبة الأمم، بل إن المجتمع الدولي حرم الحرب العدوانية في ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس العام 1928).

وكان ميثاق الأمم المتحدة الأكثر جذرية حين حرّم استخدام القوة أو اللجوء إليها في العلاقات الدولية، باستثناء الدفاع عن النفس طبقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة أو لأغراض التحرر الوطني وحق تقرير المصير باستعادة السيادة والاستقلال، مؤكداً على الحل السلمي للمنازعات الدولية.

ولم يجز الميثاق الحصول على مكاسب سياسية جراء الحرب أو الاحتفاظ بالأراضي داعيا إلى وحدة الأراضي والحفاظ على الاستقلال السياسي في إطار حق تقرير المصير واحترام السيادة والمساواة في الحقوق وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، فضلاً عن هدف حماية السلم والأمن الدوليين.

وبإضافة احترام حقوق الإنسان الذي أصبح قاعدة آمرة ملزمة في القانون الدولي منذ مؤتمر هلسنكي للأمن والتعاون الأوروبي عام 1975، فإن هذه القواعد تعتبر أساسا في قانونية وشرعية أي إجراء يتخذه مجلس الأمن الدولي أو أية هيئة من هيئات الأمم المتحدة.

بمعنى أن قرارات مجلس الأمن إن انسجمت وتوافقت مع هذه القواعد، يمكن أن نطلق عليها اسم "الشرعية الدولية"، أما إذا تعارضت أو لم تتوافق فإنها ستكون بعيدة عن الشرعية الدولية "القانونية" حتى وإن صدرت بتوافق القوى الكبرى في مجلس الأمن، أي أن اكتساب الشرعية لا يتم من خلال التوافق، إلا بقدر توافقه مع القواعد الشرعية القانونية الدولية، باعتبارها قواعد آمرة واجبة الأداء في الحال وفي المستقبل، أي أنها قواعد ملزمة Jus Cogens.

ولعل الفظائع التي ارتكبت خلال الحربين العالميتين هي التي دفعت لتطوير نظام الأمن الجماعي الدولي، القائم على تحريم القوة، ووقفت خلف هدف إقامة محاكم دولية خاصة لمحاكمة المرتكبين مثل نورنمبرغ وطوكيو، وظل هاجس البشرية في البحث عن العدالة لتأكيد انسجام القانون الدولي الانساني معها لانتاج ما نسمّيه "الشرعية الدولية" التي تستند إلى أساسين هما: قواعد القانون الدولي من جهة، وقواعد العدالة من جهة أخرى.

ولعل هذا هو الذي دفع إلى إنشاء محاكم خاصة أخرى في يوغسلافيا ورواندا وسيراليون، لكن الأهم هو إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في روما عام 1998 ودخولها حيز التنفيذ عام 2002، ووضع نظامها ليلعب فيه مجلس الأمن بحكم وظيفته دوراً مهماً في توجيه التهمة إلى المرتكبين والسعي لتطبيق مبادئ العدالة الدولية.

ولكن للأسف تم تسييس أو توظيف هذه المسألة باسم "الشرعية الدولية" لتخدم القوى المتنفذة، بتفليت مرتكبين من أن تنالهم يد العدالة، كما هي حالة غزة، حين ظل المرتكبون الإسرائيليون بعيداً عن الإدانة وتوجيه الاتهام، ناهيكم عن مقاضاتهم.

وإذا كان مجلس الأمن لديه صلاحيات استخدام القوة لإعادة الحق إلى نصابه أو اتخاذ إجراءات وتدابير رادعة، فإنه من الطبيعي أن يكون له الحق في إنفاذ العدالة وردع من يقوم بالإخلال بالسلم والأمن الدوليين، طبقاً للقانون الدولي الذي ينبغي أن تكون الشرعية الدولية فيه منسجمة مع قواعده لا في تعارض معها.

وسنتوقف هنا عند قضيتين في إطار مقاربة فكرة الشرعية الدولية والقانون الدولي بإطلالة على قضية الجدار الديموغرافي لمناقشتها من خلال اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية، والقضية الثانية هي الأبارتيد والممارسات الصهيونية.

"
القيمة الاستثنائية لمدينة القدس، لاسيما القديمة منها، يتطلب من المجتمع الدولي، وبخاصة منظمة اليونسكو العمل على حمايتها ووضعها على لائحة المدن التراثية العالمية والحفاظ عليها، سواء منها الأماكن الدينية أو الأثرية
"
القضية الأولى: الجدار الديموغرافي
هل سندخل مرحلة الجدار الديموغرافي بعد مرحلة الجدار الكونكريتي (جدار الفصل العنصري) الذي بنته إسرائيل لتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية المحتلة؟

وهل أن تسمية القدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009 جاء عملاً روتينياً باعتبارها إحدى المدن العربية المقدسة وعاصمة دولة فلسطين منذ أن أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمرها بالجزائر عام 1988 قرار استقلال دولة فلسطين وعاصمتها القدس؟ أم أنها تحمل هذه الصفة الاستثنائية الرمزية، والإشكال القانوني الراهن، خصوصاً وأن إسرائيل كانت قد اتخذت قراراً من الكنيست عام 1980 بضمّها.

وأكدت كذلك اعتبارها عاصمة أبدية موحدة لها، وهو ما جرت الإشارة إليه عند الحديث عن خيار الدولتين، وما كان قد خطط له نتنياهو عندما كان رئيساً لبلدية القدس، حين تم التخطيط لتفريغها من سكانها العرب واعتبارها مدينة يهودية خالصة بحلول عام 2020.

إن الاستثنائية التاريخية والرمزية للقدس تجعل إسرائيل تتشبث بجميع الوسائل والإمكانات لقضمها عبر بناء جدار ديموغرافي بعد إجلاء سكانها العرب، ولذلك فإن قرار اختيارها عاصمة للثقافة العربية، رغم شح إمكانات تطبيقه يستهدف على الأقل وضع حماية القدس على جدول العمل، حيث أقدمت إسرائيل على طائفة من الإجراءات لمنع الاحتفال بالقدس، حتى من جانب سكان فلسطين والأراضي المحتلة.

وهذا الأمر الذي يعتبر مؤشراً على دخول موضوع يهودية الدولة موضع التطبيق، بدءا بمخططات هدم المنازل في الأحياء العربية وتهجير سكانها ضمن خطوات تهدف إلى تحويلها إلى مدينة يهودية خالصة، لاسيما بعد تغيير تركيبها الديموغرافي لصالح أغلبية يهودية وقضم سكان المدينة تدريجياً، بشقيها الإسلامي والمسيحي وهو جدار ديموغرافي آخر مواز للجدار الكونكريتي الذي بنته إسرائيل.

لقد أُخرج الكثير من المشاريع من خزانة الحفظ تم وضعها على طاولات التنفيذ، من حيث الإنذارات بهدم الأحياء والترخيص بتسجيل الأملاك والعقارات التي استولى عليها المستوطنون في البلدة القديمة من أجل تثبيت ملكيتها لجهات يهودية واستيطانية.

كما أقدمت السلطات الإسرائيلية قبل عامين على هدم بناية المجلس الإسلامي الأعلى بالجرافات، وهو المبنى المعماري الذي تم بناؤه عام 1929 وهو أحد روائع الفن المعماري والحضاري الإسلامي في القدس، رغم أن الأمم المتحدة ما تزال حتى الآن لا تعترف بشرعية ضم القدس، وكانت في العام 1980 قد اعتبرت إجراءات الضم باطلة ولاغية، خصوصاً وأن القدس الشرقية تم احتلالها عام 1967 من جانب إسرائيل، وهي تقع ضمن قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947.

ولذلك فإنها تقع في حدود الإقليم العربي، في حين أقدمت إسرائيل كجزء من محاولات الحصول على المكاسب السياسية جراء العدوان والحرب على ضمّها بما يخالف القانون الدولي.

إن القيمة الاستثنائية لمدينة القدس، لاسيما القديمة منها، يتطلب من المجتمع الدولي، وبخاصة منظمة اليونسكو العمل على حمايتها ووضعها على لائحة المدن التراثية العالمية والحفاظ عليها، سواءً الأماكن الدينية أو الأثرية.

ولهذا فإن حملة التهويد لجعل القدس أحادية التكوين تعتبر باطلة ولا شرعية، لأن القدس رغم كل شيء ظلت مدينة تعددية ثقافياً ودينياً وعرقياً، وأن أي إقصاء أو تهميش للوجود الفلسطيني وبخاصة الإسلامي والمسيحي، إنما سيؤدي إلى القضاء على طابع المدينة، ويبني بالتالي جدارا ديموغرافياً، هدفه التخلص من سكانها العرب المسيحيين والمسلمين والإبقاء على العنصر اليهودي وحده.

وسيكون ذلك غير بعيد عن الممارسات المعهودة للاستعمار العنصري الاستيطاني، الإجلائي ضد سكان البلاد الأصليين لإجبارهم على الرحيل، بعد انتهاك وهدر كامل منظومة حقوق الإنسان، الجماعية والفردية، لاسيما حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه.

ولهذا فإن الاحتفال بالقدس يعني تمكين السكان الأصليين من الصمود ومقاومة عملية الجدار الديموغرافي، ضد مشروع الإجلاء والتهويد، ولعل هذا الأمر قد يعيد إلى الأذهان طرح مسألة "التقدم بطلب رأي استشاري" إزاء محاولات إسرائيل "بناء" جدار ديموغرافي ضد عرب القدس، بطردهم من أراضيهم.

وهذا الطلب يمكن أن يدرج، طبقاً للمادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة، حيث يمكن للجمعية العامة، استناداً إلى اختصاصاتها التوجه إلى محكمة العدل الدولية للحصول على رأي استشاري، بخصوص العواقب والتبعات القانونية المترتبة على محاولات تغيير الطابع الديموغرافي لمدينة القدس، مثلما أعطت المحكمة مثل هذا الرأي ضد جدار الفصل العنصري عام 2002 حين اعتبرته باطلاً ولا شرعياً، وطلبت عدم استكماله وتهديمه، وكانت قد أعطت مثل هذا الرأي بشأن قضية لوكربي لصالح ليبيا.

وبما أن القدس تحت الاحتلال فلا بد من تطبيق اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وبخاصة إزاء الممتلكات الثقافية طبقا للاتفاقيات الدولية لعام 1954 ولعام 1972 وقرارات مجلس الأمن بشأن القدس وقرارات الجمعية العامة ذات العلاقة ومنظمات اليونسكو ومنظمات دولية وحقوقية أخرى.

الاحتفال بالقدس يستهدف وضعها تحت دائرة الضوء وتبديد دائرة النسيان، لكي تبقى هذه القضية متقدة، إذ لم يعد من المقبول سكوت المجتمع الدولي إلى ما لا نهاية، فالصمت أقرب إلى التواطؤ، الأمر الذي يحتاج إلى جهد عربي مكثف على هذا الصعيد.

ويمكن لمناسبة اعتبار القدس عاصمة للثقافة أن يعطي التحرك نكهة جديدة ومعنى جديدا وأسلوب عمل جديدا على الصعيد الدبلوماسي والثقافي والإعلامي والسياسي، يمكن لجامعة الدول العربية أن تُسهم فيه بشكل كبير.

القضية الثانية: الأبارتيد
كان صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1975، ومن ثم إلغاؤه في شهر ديسمبر/ كانون الأول عام 1991، مثاراً لجدل واسع قانوني وفكري وسياسي، بدأ ولم ينقطع، حيث اعتبر القرار المذكور "الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري".

لكن المجتمع الدولي بفعل اختلال موازين القوى وانشقاق الصف العربي وانحلال الكتلة الاشتراكية، عاد ونكص عن هذا القرار وقام بإلغائه، ومع ذلك فقد وجدت أكثر من ثلاثة آلاف منظمة مجتمع مدني، طريقها لإحياء هذا القرار أو مقاربة فكرته عندما دمغت في ديربان (جنوب أفريقيا)، معقل العنصرية السابق، الممارسات الإسرائيلية بالعنصرية. وكانت تلك إحدى مفاجآت ومفارقات الوضع الدولي.

الأبارتيد لغة تعني "الفصل أو التمييز" وتعود أصولها إلى "لغة الأفريكانز" وهي لغة المستعمرين الهولنديين، الذين استوطنوا جنوب أفريقيا.

وقد سنّ العنصريون قوانين استكملها البريطانيون، لاسيما بتأسيس دولة أفريقيا الجنوبية عام 1910 لعزل سكان البلاد الأصليين في معازل غير متصلة وفي مساحة تقل عن 13% من أرض جنوب أفريقيا التاريخية.

"
نظام الأبارتيد الإسرائيلي لا يتوقف عند الضفة الغربية وقطاع غزة طبقاً لبناء الجدار والمستوطنات بانتهاك الحق في التنقل وعموم حقوق الإنسان، لكنه يمتد إلى الداخل الإسرائيلي ضد عرب فلسطين المحتلة منذ عام 1948
"
وبناء عليه رضت الفئة البيضاء الحاكمة على جميع السكان، حمل بطاقة هوية أو "تصريح" استخدمتها السلطات العنصرية لتحديد المناطق المسموح بها للسكن والدخول والخروج، ولم يكن الأمر سوى اعتقال جماعي للأفارقة ومطاردة ومعاقبة كل من يقوم بخرق التعليمات، وبخاصة من خلال التفتيش عن الهويات.

ولعل ذلك يمثل أكبر هدر لحقوق الإنسان، وقد قاوم شعب جنوب أفريقيا هذه الإجراءات التعسفية وعمليات التطهير العرقي، وكانت الذاكرة الجمعية العالمية قد احتفظت بما حصل في مجزرة سويتو عام 1976، كما عرف العالم رمزاً لمقاومة التمييز العنصري وفيما بعد رمزاً للتسامح تمثل في شخصية نيلسون مانديلا.

وكانت مجزرة سوتيو وخزة للضمير العالمي الذي تحرك بالتوقيع على اتفاقية دولية لمنع جريمة الأبارتيد والمعاقبة عليها، ولعل هذه الجريمة أصبحت جزءا من القانون الدولي الإنساني، حيث أنها لا تقتصر على جنوب أفريقيا، بل هي جريمة يمكن أن ترتكبها أية دولة.

وسيكون من مسؤولية المجتمع الدولي اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع ارتكابها على الصعيد القانوني والسياسي والاقتصادي الذي تجسّد باتخاذ عقوبات ومقاطعة اقتصادية ومطالبات بمحاكمة المرتكبين.

واعتبرت الاتفاقية في مادتها الثانية "جريمة الفصل العنصري" تشمل الأفعال غير الإنسانية المرتكبة بهدف إقامة أو إدامة هيمنة فئة عنصرية ما من البشر على أية فئة أخرى منهم، واضطهادها إياها على نحو منهجي، وهذا يتجسّد في حرمان عضو أو أعضاء في فئة أو فئات عنصرية (عرقية/ أثنية) من الحق في الحياة والحرية الشخصية، وارتكاب جريمة القتل للأسباب أعلاه، أو إلحاق أذى خطير بدني أو عقلي بهم أو الاعتداء على حريتهم أو كرامتهم أو إخضاعهم للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من الكرامة، أو بسجنهم بطريقة تعسفية أو غير قانونية أو إجبارهم على العيش بطريقة تفضي إلى هلاكهم كلياً أو جزئياً، أو اتخاذ تدابير تشريعية أو غير تشريعية بقصد منعهم من المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو حرمانهم من حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

كما اعتبرت الاتفاقية أية تدابير تهدف إلى تقسيم السكان وفق معايير عنصرية بخلق "محتجزات" ومعازل مفصولة أو منع الزواج أو نزع ملكيات العقارات المملوكة لفئة أو فئات أو لأفراد منها، عملاً عنصرياً يتسم بالتمييز.

وقد شكلت تلك الاتفاقية إطاراً فكرياً ومرجعياً لعدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وأبرزها ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، الذي تم التوقيع عليه عام 1998 ودخل حيّز التنفيذ عام 2002.

ومن المفارقات أن إسرائيل كانت قد حاولت الضغط لمنع التوقيع عليه وبعدها تعطيل التصديق، وذلك بدعم من الولايات المتحدة، التي اعترضت هي الأخرى على نظام محكمة روما رغم أنها مثل إسرائيل انضمت إليه في الساعات الأخيرة، وكانت إسرائيل تحتج على اعتبار الاستيطان وإجلاء السكان عملاً عنصرياً. وقد انسحبت مثلما انسحبت الولايات المتحدة من الميثاق بعد دخوله حيز التنفيذ.

إن جريمة الأبارتيد تعتبر مساوية لجريمتي الإبادة الجماعية والعبودية المحظورتين دولياً. وإذا ما أخذنا تعريف الاتفاقية بنظر الاعتبار، فسيعتبر بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية وعزل قطاع غزة كلياً وبناء الجدار الديموغرافي، عملاً عنصرياً بكل معنى الكلمة يستحق الملاحقة، واتخاذ التدابير القانونية والسياسية والاقتصادية من جانب المجتمع الدولي لمنعه، علماً بأن قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي كان قد ذهب إلى ذلك عام 2002 عندما أفتى في رأي استشاري، ببطلان بناء الجدار، الأمر يقتضي هدمه ومنع استكماله ناهيكم عن تعويض المتضررين والإبقاء على عناصر هذه الجريمة قائمة.

ولعل نظام الأبارتيد الإسرائيلي لا يتوقف عند الضفة الغربية وقطاع غزة طبقاً لبناء الجدار والمستوطنات بانتهاك الحق في التنقل وعموم حقوق الإنسان، لكنه يمتد إلى الداخل الإسرائيلي ضد عرب فلسطين المحتلة منذ عام 1948، لاسيما عندما تقرر الاتجاهات الأكثر تطرفاً ويمينية، وبخاصة بعد مجيء نتنياهو إلى دست الحكم، يهودية الدولة الإسرائيلية "كدولة أحادية" في حين أن 20% من سكانها هم من العرب.

إن إجراءات إسرائيل العنصرية تشمل جميع القوانين والسياسات والممارسات الإسرائيلية الخاصة بالشعب العربي الفلسطيني بأسره في الداخل والشتات، وهي تتعلق بثلاثة جوانب، أحدها أيديولوجي له علاقة بالعقيدة الصهيونية الاستعلائية بادعاء أن اليهود شعب الله المختار، وأن الشعب الذي يسكن على أرض فلسطين هو شعب مميز، ومن حقه بل وواجبه إنشاء دولة يهودية خالصة.

الثاني لا إنساني يتعلق بالتنكر للشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وحقه في العودة إلى دياره طبقاً لموافقة إسرائيل على قرار التقسيم باشتراط الأمم المتحدة احترامها لميثاقها، وكذلك الإقرار بالقرار 194 لعام 1948 الخاص بحق العودة.

أما الجانب الثالث، فهو العملي، أي مجمل الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية العنصرية ابتداء من مصادرة الأراضي والإجلاء والتهجير، وصولا إلى التمييز اليومي لسكان الأرض المحتلة في مجالات التعليم والصحة والخدمات وتقييد الحريات السياسية والمدنية والحقوق الثقافية والدينية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك