علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


- اللجنة التحضيرية وعصا المارشالية

- اتجاهات اللجنة المركزية
- اتجاه الصابرين
- حيثيات عقد المؤتمر ببيت لحم
- الاحتمالات المتوقعة

في الوقت الذي ما زالت فيه أمور البيت الفتحاوي تشهد مزيدا من التعقيدات الداخلية، وقبيل التئام أعمال المؤتمر العام السادس لحركة فتح المقرر عقده يوم 4 أغسطس/آب القادم في بيت لحم، أطلق عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وأمين سر لجنتها المركزية فاروق القدومي (أبو اللطف)، قنبلته المدوية التي كشف فيها ما أسماه وثيقة هي عبارة عن محضر اجتماع عقد قبيل رحيل الرئيس ياسر عرفات بتسعة أشهر وتسعة أيام.

وقد ضم ذلك الاجتماع كلاً من الرئيس الحالي محمود عباس ومحمد دحلان وأرييل شارون ووليام بيرنز، وذكر القدومي أن محضره وصله من الرئيس الراحل ياسر عرفات وأودعه لديه كأمانة تاريخية أولا، وثانيا كوثيقة تؤشر على ما كان يحاك ضد عرفات ومواقفه التي تلت قمة كامب ديفد الثانية في يوليو/تموز 2000 وصولاً إلى محاصرته في مقر إقامته وقيادته في المقاطعة وسط مدينة رام الله.

هذا وإن جاء كشف فاروق القدومي عن الوثيقة متأخرا قليلاً كما يشير صف واسع من الكوادر الفتحاوية، وبغض النظر عن مدى دقتها ودقة ما تقدمه من معلومات، فإنها ستترك آثارها على أعمال المؤتمر السادس لحركة فتح في بيت لحم، ولن تقف تفاعلاتها عند حدود ضيقة بل قد تتسبب في اشتعال كبير للنار داخل البيت الفتحاوي.

فما هي المقدمات التي أوصلت إلى الحالة الراهنة في البيت الفتحاوي لجهة عقد المؤتمر؟ وما هي التقديرات المتوقعة قبيل أقل من ثلاثة أسابيع من انعقاد مؤتمر فتح السادس مع إطلاق القدومي لقنبلته الإعلامية الأخيرة؟

"
إذا كان كشف فاروق القدومي عن الوثيقة متأخرا قليلاً كما يشير صف واسع من الكوادر الفتحاوية، وبغض النظر عن مدى دقتها، فإنها ستترك آثارها على أعمال المؤتمر السادس لحركة فتح، ولن تقف تفاعلاتها عند حدود ضيقة
"
اللجنة التحضيرية وعصا المارشالية
من المعلوم والمعروف لدى المتابعين من داخل البيت الفلسطيني أن الحراك الذي رافق أعمال اللجنة التحضيرية المكلفة إعداد أعمال مؤتمر فتح السادس كان قاسيا، ورافقته صراعات طالت كل العناوين الخلافية داخل حركة فتح، وهي خلافات سياسية وتنظيمية وحتى شخصية بين أقطاب القرار الفتحاوي.

ووصلت تلك الخلافات في لحظات معينة إلى التراشق السياسي عبر المنابر الإعلامية، كما وصلت إلى التراشق الشخصي وتبادل الاتهامات والشتائم، وحتى استخدام الأيدي والعصي كما حصل حين ضرب الفريق نصر يوسف داخل قاعة اجتماعات اللجنة التحضيرية في عمان قبل شهرين من الزمن، أحد أعضاء اللجنة التحضيرية بعصا المارشالية التي يحملها باستمرار، في تعبير واضح عكس مدى الهوة الواسعة بين فرقاء حركة فتح، والحالة الصعبة التي مرت أثناء أعمال اللجنة التحضيرية.

وعلى هذا الأساس باتت المحاضر الرسمية لأعمال اللجنة التحضيرية طوال الفترات الماضية بين أيدي وسائل الإعلام والناس نتيجة التسريبات المتعمدة من قبل عدد من أعضائها، في دلالة واضحة على عمق التباين الذي ضرب أعمال اللجنة في اجتماعاتها التي تواصلت على امتداد السنوات الأربع الأخيرة وتكثفت خلال الأشهر الماضية.

ومن نافلة القول إن التباين الذي سيطر لفترات طويلة على أعمال اللجنة التحضيرية للمؤتمر لم يكن وليد لحظات معينة، بل كان تباينا تراكميا نتج بعد عقدين ونيف من انعقاد مؤتمر فتح الخامس في العاصمة التونسية عام 1989، وزاد من منسوبه ما تعرضت له الحركة من تحديات جسام مع رحيل قائدها ومؤسسها وجامع تياراتها الراحل ياسر عرفات.

اتجاهات اللجنة المركزية
وفي قراءة لمسيرة أعمال اللجنة التحضيرية التي تواترت في اجتماعاتها بالعاصمة الأردنية عمان، برزت ثلاثة اتجاهات:

اتجاه أول كان وما زال يريد عقد مؤتمر حقيقي ومتكامل لحركة فتح خارج فلسطين، يجمع كل مقومات وشروط النجاح بالنسبة لمؤتمر حركة أو حزب سياسي، ويعيد تقييم المرحلة الماضية بروح نقدية بناءة وشجاعة قادرة على استخلاص الدروس والعبر والبناء عليها، ومن ثم إعادة انتخاب الهيئات القيادية الأولى لفتح، وتحديداً اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

ويقف على رأس الاتجاه المذكور عدد من أعضاء اللجنة المركزية وهم فاروق القدومي واللواء محمد جهاد العامودي وهاني الحسن وزكريا الآغا ونسبياً سليم الزعنون (أبو الأديب) والفريق نصر يوسف، وفي فترات سابقة مفوض التعبئة والتنظيم محمد راتب غنيم (أبو ماهر) وحمدان عاشور (يحيى) أمين سر المجلس الثوري ونائبه عدنان سمارة واللواء خالد مسمار واللواء عثمان أبو غربية والعميد محمود العالول وعزام الأحمد ونبيل رملاوي وأسامة العلي، وجميعهم من أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر، إضافة إلى بعض أعضاء المجلس الثوري ومعهم مئات الكوادر من الضباط المحالين على التقاعد والموجودين بشكل رئيسي في الشتات في لبنان والأردن وسوريا.

واتجاه ثان يريد عقد المؤتمر في الداخل الفلسطيني (سلقه أو حتى تحويله "كونفرنس" مصغر بديل كما يقول المعارضون) وكيفما كان باعتباره واجباً واستحقاقاً تنظيمياً لا أكثر ولا أقل، وإعادة انتخاب لجنة مركزية جديدة ومجلس ثوري جديد ضمن رؤية تضمن إعادة تركيب هيئات فتح القيادية وفق مقاسات لها علاقة بالعملية السياسية الجارية ومناخ تسوية أوسلو واشتقاقاتها.

ومن أبرز رموز هذا الاتجاه مجموعة الرئاسة في السلطة الفلسطينية ومعها مجموعة محمد دحلان، إضافة إلى بعض أعضاء اللجنة المركزية مثل الحكم بلعاوي وعبد الله الإفرنجي والآخرين من المترددين والمعومين في قيادة فتح واللجنة المركزية ومعهم غالبية الإطارات العسكرية والأمنية في قيادة أجهزة السلطة.

"
قرار عقد المؤتمر العام السادس في بيت لحم جاء نتيجة اقتراح تقدم به وفرضه الرئيس محمود عباس الذي يقوم مقام قائد الحركة
"
اتجاه الصابرين
أما الاتجاه الثالث وهو ما يطلق عليه البعض اسم "اتجاه الصابرين من أبناء حركة فتح" فإنه كان وما زال يدعو إلى مؤتمر عام يعقد خارج فلسطين بشروطه التامة والكاملة، بعد إزالة كل جذور الإشكالات والتباين السياسي، وخصوصاً بالنسبة لمسيرة التسوية المنهارة، وبشكل يعيد لحركة فتح بريقها وألقها الكفاحي، ويمنع أي تصدعات أو انشقاقات قد تليه.

ويفضل أصحاب هذا الاتجاه عدم عقد المؤتمر إن كان سيسبب انقساماً بالحركة، وعدم عقده في الداخل إن كان لا مندوحة من عقده في الداخل، حتى لا يتم شطب حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال من وثائق الحركة.

ويضم الاتجاه الثالث خيرة مناضلي فتح في الشتات والداخل الفلسطيني، وجميعهم تقريباً من الكوادر الوسطى وبعض أعضاء المجلس الثوري وعلى رأسهم (الفتحاوي المشاغب) حسام خضر ابن مخيم عسكر قرب نابلس.

ونقلت بعض المصادر الفتحاوية الداخلية أن مروان البرغوثي من أنصار هذا الاتجاه رغم الاتصالات اليومية التي تجرى معه في المعتقل بهدف دفعه لمباركة عقد المؤتمر القادم في بيت لحم.

كما يقال إن الدكتور نبيل شعث من أنصار الاتجاه الثالث رغم حرصه على الابتعاد عن التمحورات والتكتلات الظاهرة في حركة فتح، وهو المعروف أيضاً بتأييده لمسار المفاوضات مع الدولة العبرية الصهيونية.

حيثيات عقد المؤتمر ببيت لحم
في المحصلة، فإن قرار عقد المؤتمر العام السادس في بيت لحم جاء نتيجة اقتراح تقدم به وفرضه الرئيس محمود عباس الذي يقوم مقام قائد الحركة "الذي لم يجد بلداً عربياً يوافق على انعقاده فوق أراضيه" وفق ما قاله عباس أكثر من مرة، ومن موقع أن المؤتمر يجب أن يعقد فوق الأرض الفلسطينية ما دام الأمر ممكناً، رغم معارضة كتل كبيرة من الجسم القيادي والقاعدي في حركة فتح وتحفظاته على مكان الانعقاد.

غير أن سطوة قرار عباس جعلت القرار نافذا، على ضوء التحضيرات النهائية الجارية الآن على قدم وساق لعقد المؤتمر، بما في ذلك الحصول على موافقات دولة الاحتلال لدخول أعضاء المؤتمر من مختلف الساحات.

فالمعارضون لعقده في الداخل الذين يطالبون بعقده في دولة عربية من دول الشتات الفلسطيني، يرون أن حركة فتح ما دامت حركة تحرر وطني لا يجوز أن تعقد مؤتمرها في حضن الاحتلال الإسرائيلي فتفقد طبيعتها التحررية والاستقلالية والصفة الشمولية بتمثيل الشعب الفلسطيني، كما أنها صاحبة المشروع الوطني الذي يسعى الشعب الفلسطيني بنضاله اليومي لتحقيقه، فكيف تنحصر في ظل سيطرة الاحتلال وتسلطه، وتناقش قضاياها السياسية وأمورها التحررية تحت سمع الاحتلال وبصره؟

كما طرحوا عدة تساؤلات تتعلق بعدم وجود ضمانة أصلاً لسلامة المؤتمرين، حيث يلفتون إلى أن هناك أعضاء كثرا في المؤتمر لا يستطيعون دخول الأراضي الفلسطينية في ظل الاحتلال، ويوردون بعض الأسماء مثل محمد داود عودة (أبو داود) رئيس لجنة الرقابة الحركية وعضو المجلس الثوري والمقيم في سوريا، واللواء فتحي سلبت (المعروف باسم فتحي البحرية) الذي كان المرافق الشخصي للرئيس الراحل ياسر عرفات طوال ربع قرن من الزمن ويقيم الآن في مخيم اليرموك، كذلك اللواء منير مقدح وهو من المطلوبين للأجهزة الأمنية الإسرائيلية.. إلخ.

فمعارضي الرئيس محمود عباس يخلصون من ذلك إلى وجوب نقل مكان انعقاد المؤتمر خارج فلسطين، في حين أن عباس الذي يؤكد علنا وجود ضمانات إسرائيلية بعدم التعرض لأحد من أعضاء المؤتمر، يقول وراء الأبواب المغلقة -حسب مصادر من فتح- بوجوب استبدال الأعضاء الذين يمكن أن تختطفهم إسرائيل بآخرين غير مطلوبين لدى إسرائيل، أي بمعنى تغيير تركيبة المؤتمر لصالح مناخ سياسي معين.

"
هناك احتمال لاندلاع اضطرابات في الداخل بين الأجنحة العسكرية لفتح وأجهزة أمن السلطة، حيث لوح عدد من أعضاء اللجنة التأسيسية لكتائب شهداء الأقصى بإمكانية الانشقاق عن قيادة محمود عباس
"
الاحتمالات المتوقعة
إلى ذلك، فإن خيار عقد مؤتمر حركة فتح في بيت لحم وفقاً لقرار الرئيس عباس سيضع مصير الحركة أمام احتمالات عدة، منها أن اللجنة المركزية في الخارج وتحديدا فاروق القدومي ومن معه سينظرون إلى المؤتمر على أنه عقد بحضور "أهل أوسلو" كما قال أبو اللطف في تصريحات أخيرة له، مضيفاً أن الذين سيشاركون في أعمال المؤتمر ببيت لحم سيعزلون في نهاية الأمر ويسقطون.

وهناك احتمالات قوية لعودة انفجار الأوضاع الداخلية وبشكل غير معتاد هذه المرة، وتحديدا بعدما أطلق القدومي الوثيقة الأخيرة المشار إليها في متن المادة.

ومنها احتمال خلق ازدواجية في الهيئات القيادية بين هيئات سيعاد انتخابها وبين هيئات مقاطعة موجودة في الخارج والداخل على حد سواء.

ومنها احتمال اندلاع اضطرابات في الداخل بين الأجنحة العسكرية لفتح وأجهزة أمن السلطة، حيث لوح عدد من أعضاء اللجنة التأسيسية لكتائب شهداء الأقصى بإمكانية الانشقاق عن قيادة محمود عباس لحركة فتح، وتشكيل لجنة مركزية ومجلس ثوري وأطر حركية كاملة عائدة لتنظيمهم، في حال عقد مؤتمر فتح في بيت لحم المحتلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك