ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


مفارقات القوة والضعف
مرتكزات الإستراتيجية
اختفاء الحرب النظامية
بين درسي العراق ولبنان

تبين معطيات المناورة العسكرية الإسرائيلية الكبرى، التي جرت مؤخرا (31/5) أن إسرائيل تستشعر التغيرات الجوهرية في البيئة الأمنية السياسية المحيطة بها، محليا وإقليميا. وبحسب متان فلنائي نائب وزير الدفاع الإسرائيلي فإن "سيناريوهات هذه المناورة ليست متخيّلة وليست معزولة عن الواقع.. وهي تتمثل بتعرض إسرائيل لهجمات صاروخية من عدة اتجاهات ويرافقها عمليات تفجيرية وانتحارية في جميع أنحاء إسرائيل".

وتشتمل هذه المناورة (بحسب موقع يديعوت أحرونوت الإلكتروني) على "سيناريو تجدد القتال بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، وتتسع لتشمل إطلاق حزب الله وسوريا صواريخ باتجاه إسرائيل، وتنفيذ عمليات تفجيرية في جميع أنحاء إسرائيل وذلك إلى جانب انتفاضة داخل إسرائيل تبادر إليها الأقلية العربية".

وتم خلال المناورة التدرب على التعاون بين الوحدات والأذرع المختلفة للجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن، بالإضافة على تدريب الإسرائيليين على الدخول إلى الملاجئ والغرف الآمنة للاحتماء من الهجمات الصاروخية "الوهمية".

مفارقات القوة والضعف
تلك حال إسرائيل إذن، فهي على رغم قوتها الطاغية واحتكارها التسلح النووي وتمتعها بضمانة الدول الكبرى لأمنها وتفوقها في حرب دائمة، لكأنها تعيش بين حرب وأخرى، ومن مناورة عسكرية إلى غيرها، ومن إستراتيجية أمنية معينة إلى إستراتيجية بديلة.

وفي ذلك تتبدى مفارقات كبيرة في وضع إسرائيل، فهي دولة قوية من الناحية العسكرية، إلا أن الهاجس الأمني يأخذ بها. وهي دولة مستقرة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنها تشكو من عقدة الخوف وحتى الغياب الوجودي المستقبلي. وهي دولة استطاعت هزيمة عدة دول عربية، إلا أنها لم تنجح في وأد المقاومة الشعبية لاحتلالاتها ووجودها غير الطبيعي في هذه المنطقة.

ويستنتج من ذلك أن إسرائيل، رغم تفوقها وقوتها، تعاني من قلق وجودي، ومن خوف من المستقبل، وهي في كل ذلك تحرص على عوامل الردع لديها، وعلى تحديث وتقوية جيشها، كما أنها تحرص باستمرار على دراسة البيئتين الأمنية والسياسية، المحلية والدولية المحيطتين بها.

وما يهمنا من كل ذلك ملاحظة أن إسرائيل لا تتعاطى مع عقيدتها العسكرية التقليدية باعتبارها معطى مطلقا أو جامدا، إذ أنها تعمل باستمرار على إدخال تغييرات على هذه الإستراتيجية، بحسب التحولات السياسية والأمنية، والتطورات في مجال العلوم العسكرية، وتكنولوجيا التسلح.

"
مفارقات كبيرة تتبدى في وضع إسرائيل فهي دولة قوية من الناحية العسكرية إلا أن الهاجس الأمني يأخذ بها، وهي دولة مستقرة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا أنها تشكو من عقدة الخوف وحتى الغياب الوجودي المستقبلي
"
وبديهي أنه في دولة حديثة تتمتع بحراك سياسي دائم مثل إسرائيل، فإن العقيدة العسكرية، وضمنها تركيبة الجيش ونوعية تسلحه ومصادر تهديده، تخضع في كل مرحلة إلى عملية مراجعة يشارك فيها مختصون من المستويين السياسي والعسكري، لاستنتاج الدروس اللازمة.

وكانت إسرائيل اضطرت لمراجعة هذه الإستراتيجية السنوات القليلة الماضية مرتين. الأولى كانت بعيد حرب احتلال العراق (2003)على خلفية انهيار الجبهة الشرقية، بخروج العراق من معادلات الصراع العربي الإسرائيلي، وتحسّن مركز إسرائيل الأمني في الشرق الأوسط، مع تراجع خطر الحرب النظامية.

والثانية بعد الحرب الإسرائيلية ضد لبنان (2006) بسبب إخفاقها في هذه الحرب، لعدم قدرتها على هزيمة المقاومة، وبواقع التهديدات الإستراتيجية الجديدة التي باتت تواجهها، نتيجة تزايد دور قوى المقاومة اللادولتية  الإسلامية (في لبنان وفلسطين) وبروز خطر الجماعات الإرهابية المتطرفة في المنطقة، وتصاعد نفوذ إيران في الشرق الأوسط، واحتمال امتلاكها القدرة على إنتاج السلاح النووي.

مرتكزات الإستراتيجية
وكانت الإستراتيجية العسكرية التقليدية التي اعتمدتها إسرائيل، منذ قيامها، تستند إلى عدة ركائز، أهمها:
1- بناء جيش صغير ومتحرك وقوي، معمّد بأحدث ما في الترسانة العسكرية الأميركية من أسلحة.

2- تأمين قدرة الجيش على السيطرة في مجالي القوة الجوية وقوة النيران في الميدان، بالاعتماد على سلاح الجو والمدفعية والدبابات، توخّيا لتجنّب أو تقليل الخسائر في العنصر البشري.

3- استخدام أحدث مبتكرات تكنولوجيا الإدارة والاتصالات والتوجيه.

4- اعتماد عناصر الردع والمفاجأة، ونقل المعركة إلى خارج إسرائيل بعيدا عن مناطق سكن الإسرائيليين (سياسة الذراع الطويلة).

5- تأمين عنصر التفوق على الجيوش العربية المحيطة أو المفترضة، من النواحي التقنية واللوجستية، للتعويض عن النقص في الحشد البشري والعمق الجغرافي؛ 6) حسم المعركة بأسرع وقت ممكن عبر الاستخدام المكثف للقوى، وعبر الفتك بالطرف الآخر.

وإضافة إلى كل ماتقدم، فقد تمتعت إسرائيل بعوامل قوة مضافة، على غاية الأهمية في معادلات الصراع وموازين القوى، في المنطقة، يمكن تمثلها في:

أولا- احتكارها التسلح النووي لضمان تأمين عنصر الردع الإستراتيجي.

ثانيا- ضمان الولايات المتحدة لتفوقها العسكري ولأمنها واستقرارها.

ثالثا- حرص الدول الغربية على بقائها، لاعتبارات عديدة، فعلى الرغم من مناهضة بعد الدول لسياساتها واحتلالاتها واعتداءاتها، إلا أنها لا تسمح بالقضاء عليها أو تهديدها.

رابعا- واقع التشتت والضعف وارتهان الإرادة في النظام العربي، الذي يفاقم منه تهميش وتقييد المجتمعات العربية عموما، وإضعاف دورها في مقاومة التحدي الإسرائيلي خصوصا.

خامسا- ضعف إمكانات الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، بحكم تشتته في مناطق اللجوء، وبحكم قيود السيطرة الإسرائيلية عليه، في الأراضي المحتلة.

"
من مرتكزات الإستراتيجية العسكرية التقليدية لإسرائيل بناء جيش صغير ومتحرك وقوي، وتأمين قدرة الجيش على السيطرة في مجالي القوة الجوية وقوة النيران في الميدان، واستخدام أحدث مبتكرات التكنولوجيا, واعتماد عناصر الردع والمفاجأة 
"
والجدير ذكره في هذا الإطار أن الجيش الإسرائيلي من وجهة نظر الإسرائيليين، على خلافاتهم واختلافاتهم، يعتبر بمثابة قدس الأقداس، ونقطة إجماع لا يمكن المساس بها، لا من اليمين ولا من اليسار ولا من المتدينين ولا من العلمانيين، فهو من أهم ركائز الكيان الإسرائيلي، ووجوده كان سابقا على قيام هذا الكيان، ويعود إليه الفضل الكبير في قيام إسرائيل واستمرارها وتطورها.

وعدا كل ذلك فقد اضطلع الجيش الإسرائيلي بدور كبير في صناعة أسطورة "الصهر" أي في تشكيل الإسرائيليين كمجتمع، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، وصوغ هويتهم وتنمية مشاعر الانتماء للوطن لديهم، إلى جانب الكيبوتزات والهستدروت ومؤسسات التعليم وقطاع الدولة الاقتصادي.

ولذلك فثمة إجماع في إسرائيل على تدعيم هذا الجيش وتأمين الموازنات الكبيرة له (حوالي 12 مليار دولار سنويا) ورفده بأحدث الأسلحة، فضلا عن وجود امتيازات وتأمينات عالية لمنتسبي الجيش.

اختفاء الحرب النظامية
واضح أن تلك الإستراتيجية العسكرية كانت انبنت (حينها) على خلفية التهديدات النابعة من إمكان اندلاع حرب نظامية بين إسرائيل وبعض دول المنطقة، وهو ما حصل في حرب 1948 (عقب قيام إسرائيل) وفي الحروب التالية 1956 و1967 و1973.

وكانت حرب 1982 (حرب اجتياح لبنان) فقط، خارج نطاق هذه المعادلة، كون إسرائيل شنتها ضد قوى غير نظامية (فلسطينية) على أرض لبنانية.

فيما بعد، حصلت تطورات نوعية عديدة تمثلت أساسا في الجوانب التالية:

أولا- اندلاع الانتفاضتين الأولى (1987-1993) والثانية (أواخر العام 2000) وفي حين أن الانتفاضة الأولى اتسمت بطابعها الشعبي، فإن الثانية اتسمت بطابع العمليات المسلحة.

وقد أدت هاتين الانتفاضتين (ولاسيما الأولى) إلى إرباك الجيش الإسرائيلي، بحرمانه من التحرك كجيش نظامي، وإشغاله بالتحرك في شوارع المدن والتمركز على حواجز الطرقات، وملاحقة المتظاهرين.

ثانيا- واجه الجيش الإسرائيلي المقاومة المسلحة في لبنان بقيادة حزب الله (1982-2000) وهي التي شكلت إحراجا كبيرا بصمودها وبعملياتها ضد هذا الجيش، مما دفع إسرائيل إلى الانسحاب من جنوبي لبنان (2000).

ثالثا- الاحتلال الأميركي للعراق، الذي أخرج دولة كبيرة من معادلات الصراع ضد إسرائيل، وأدى بمعنى ما إلى اختفاء مفهوم "الجبهة الشرقية" بخاصة في ظل وجود مباشر لقوات الولايات المتحدة في هذه المنطقة.

"
الجيش الإسرائيلي يستطيع أن يقتل ويدمر ولكنه لا يستطيع أن يفرض الاستسلام على الآخرين فضلا عن محدودية قدرته على استثمار قدراته العسكرية لإنجازات ملموسة في المجال السياسي
"
رابعا- نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006، وهي بينت حدود القوة الإسرائيلية، وهو ما تكرر في الحرب مؤخرا على غزة (2008 -2009) حيث أن الجيش الإسرائيلي يستطيع أن يقتل ويدمر ولكنه لا يستطيع أن يفرض الاستسلام على الآخرين، فضلا عن محدودية قدرته على استثمار قدراته العسكرية لإنجازات ملموسة في المجال السياسي.

ومن كل ذلك يبدو أن المفكرين الإستراتيجيين الإسرائيليين باتوا يلحظون بأن إسرائيل، مع مطلع القرن الحادي والعشرين، باتت غير قادرة على الاستمرار بالإستراتيجية القديمة، في مواجهة مصادر تهديد ومخاطر جديدة ومتعددة ومختلفة، ضمنها:

1- إمكان حصول دول عربية أو إسلامية على أسلحة نووية أو أسلحة دمار شامل (لاسيما إيران).

2 - اختفاء مخاطر الحرب النظامية مقابل تزايد نفوذ منظمات المقاومة اللادولتية من فلسطين إلى لبنان والعراق.

3 - ازدياد ميل الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة لانتهاج خط المقاومة المسلحة، وضمنها العمليات التفجيرية أو الاستشهادية.

4 - تزايد مناخات الاضطراب في العراق وفي عموم المنطقة، بنتيجة الاحتلال الأميركي للعراق، وضمن ذلك دخول إيران بقوة على خط الصراع ضد إسرائيل.

بين درسي العراق ولبنان
الآن بالنسبة لدروس الحرب الأميركية لاحتلال العراق 2003، فقد تلخصت الاستنتاجات الناجمة عن هذه المراجعة، في الحثّ على تقليص حجم الجيش الإسرائيلي، لاسيما حجم سلاح المشاة والمدرعات وعدد أيام الخدمة الاحتياطية، وذلك على خلفية التطور في مجال التسلح وتكنولوجيا السلاح والاتصالات، واختفاء التهديد العراقي وانتهاء خطر الجبهة الشرقية.

وعلى أساس ذلك فقد برزت مقترحات تدعو للتركيز على تعزيز القدرات القتالية والردعية لهذا الجيش، في مجال سلاحي الطيران والصواريخ، وفي مجال تطوير محطات الإنذار المبكر والاتصالات والاستخبارات ومجمل البني اللوجستية.

وقد برزت هذه التوصيات عقب مداولات لجنة متخصصة، شكّلها شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي (آنذاك) برئاسة دان مريدور، تركزت مهمتها على إجراء فحص جذري شامل للسياسة الأمنية والإستراتيجية للجيش، وتقديم توصيات حول التغييرات المطلوبة في هذا المجال، بما يتلاءم مع تطورات العصر والتحديات المستجدة.

وكانت وقائع حرب احتلال العراق، لجهة ضآلة عدد القوات الأميركية التي خاضتها، والتكنولوجيات التي كشفت عنها، وقوة النيران التي استخدمتها، شجّعت إسرائيل على التوجه نحو إدخال تغييرات نوعية جديدة على إستراتيجيتها العسكرية، لاسيما أن هذه الحرب تمخّضت عن إخراج بلد بحجم العراق من معادلات الصراع العربي الإسرائيلي، واضمحلال الجبهة الشرقية، ووجود الولايات المتحدة في هذه المنطقة؛ وهي حليف إسرائيل وضامنة أمنها وتفوقها.

لكن وقائع حرب لبنان 2006 ونتائجها وإخفاقاتها، اضطرت إسرائيل لمعاودة مراجعة عقيدتها العسكرية، وخصوصا لجهة التراجع عن المقترحات المستخلصة من وقائع حرب العراق.

"
وقائع حرب لبنان 2006 ونتائجها وإخفاقاتها اضطرت إسرائيل لمعاودة مراجعة عقيدتها العسكرية وخصوصا لجهة التراجع عن العبر المستخلصة من وقائع حرب العراق
"
وكانت حرب لبنان سجّلت بكونها أطول الحروب التي خاضتها إسرائيل، وأعقدها وأصعبها، وأكثرها كلفة اقتصادية، وربما الأكثر تكلفة من الناحية المعنوية، لا سيما أن إسرائيل فوجئت في تلك الحرب، بأنها في مواجهة معطيات من مثل ضعف قدرة جيشها النظامي الثقيل على مواجهة حرب عصابية، ذات قوة متحركة وتفتقد لقواعد ثابتة، وأنها غير قادرة على السيطرة على ميدان المعركة في الزمان والمكان ونوعية التسلح، وأن سلاح الطيران لديها لم يكن بذات فعاليته في الحروب السابقة.

وما زاد الطين بلة أن إسرائيل كانت بمثابة جيش قوى، يواجه قوة غير نظامية وغير متكافئة معها البتة من حيث القوة العسكرية، وفي بلد صغير بحجم لبنان.

النتيجة أن الدروس التي استنتجتها إسرائيل من حرب لبنان أدت إلى نقض الإستراتيجية السابقة، حيث تم التأكيد على ضرورة زيادة عديد الجيش الإسرائيلي، بدل تقليصه، والابتعاد عن نظرية الاعتماد على سلاحي الطيران والصواريخ وتقليل أيام الاحتياط، لصالح تعزيز سلاحي المشاة والمدرعات، والاعتماد على قوات الاحتياط، وبناء منظومة دفاعية فعالة لاعتراض الصواريخ من الأنواع كافة.

وكما هو معلوم فقد عملت إسرائيل على تطبيق هذه العقيدة في الحرب التي شنتها على قطاع غزة مؤخرا، حيث لم تعتمد فقط على سلاح الجو، وإنما عمدت إلى إدخال سلاحي الدبابات والمشاة في اقتحام القطاع، كما مارست في القطاع "عقيدة الضاحية" أي عقيدة قتل وتدمير وإفناء الطرف الأخر، لتجنب الخسائر والإخفاقات التي تكبدتها في حرب لبنان 2006.

هكذا تواصل إسرائيل نقد ذاتها وفحص أوجه القصور فيها، وتعيين حاجات تطوير إمكانياتها وتحسين أدائها، في كل مرحلة وعند كل منعطف، في كل المجالات عسكرية وسياسية واقتصادية، في حين أن الوضع عندنا مختلف، فنحن مجرد نتفرج على إسرائيل وما تفعله ومالا تفعله، معولين على أوجه العطب عندها، في حين لا نلتفت لحل مشكلاتنا وتأمين متطلباتنا، ولا لنفض التكلس والعطب من أوضاعنا!
فإلى متى نبقى متفرجين على إسرائيل ومناوراتها العسكرية والسياسية أيضا؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك