مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


نحو القطيعة الداخلية
رهانات حماس
رهانات فتح
مصير الرعاية المصرية

فتحت الوقائع الدامية التي دارت رحاها على أرض الضفة الغربية مؤخرا، وسالت فيها الدماء الفلسطينية بأيد فلسطينية، الخيارات الفلسطينية الداخلية على مصاريعها نحو مزيد من الفرقة وتعميق الانقسام، واحتضان الآليات الموصلة إلى تكريس الأمر الواقع وإعادة إنتاج إشكالياته المؤلمة من جديد.

ولا تبدو جهود القاهرة التي تنافح لاستنقاذ الحوار الفلسطيني، وإطفاء شرارة الفتنة الفلسطينية الداخلية، مرشحة لاقتناص بشارة النجاح من أفواه الفرقاء المتخاصمين في ظل المعطيات الراهنة، وبات سيناريو فشل أو عجز الحوار، أيا كان اللفظ، وفي ظل صعوبة الاعتراف رسميا بذلك أمام وسائل الإعلام، أقرب إلى الحقيقة والواقع، رغم المحاولات الجادة غير المسبوقة التي تتولاها مصر لإبرام اتفاق، حتى لو كان جزئيا، ينهي حال الانقسام السياسي والجغرافي بين الفلسطينيين.

نحو القطيعة الداخلية
يمكن القول إن الدماء التي سالت على أرض قلقيلية مؤخرا شكلت نقطة مفصلية حاسمة في مسار العلاقة بين حركتي فتح وحماس، وكانت أشبه ما تكون بالصدمة التي أعادت تذكير الجميع بحقائق الواقع السياسي القاتم التي يبدو معها الحوار محض كلمات وشعارات بلا معنى أو مضمون.

تكمن المشكلة الأساس في نزوع الطرفين إلى برنامجين متناقضين، فلا يمكن –بحال- إرساء نقاط توافق والتقاء بين برنامج يتولى التنظير للمقاومة والدعوة إليها، وبرنامج يعمد إلى محاربة المقاومة، ولا يتوانى في تفكيك بناها العسكرية، وشرعنة التنسيق الأمني الذي يكيد لها ويتربص بأبنائها صباح مساء.

"
فشل فتح في فرض أجندتها السياسية والأمنية على حماس إبان جولات الحوار، يشكل التفسير الأهم لتصاعد حال الاستئصال الراهن الذي يتم تنفيذه بحق عناصر حماس والقسام في الضفة
"
ومع انطلاق الحوار كان مأمولا لدى الكثيرين أن تدخل سياسة محاربة المقاومة طور التجميد، وأن تتوقف أو على الأقل تنحسر كافة الإجراءات والسلوكيات الأمنية المرتبطة بها، ابتغاء تظليل الحوار بأجواء إيجابية، إلا أن السياسات الأمنية بقيت على حالها دون أي تغيير، وأضحى توارد الأنباء عن زيادة وتيرة الاعتقالات شيئا مألوفا، إلى أن بلغت هذه السياسات ذروتها التي استبيح فيها سفك الدماء وإزهاق الأرواح.

إن فشل فتح في فرض أجندتها السياسية والأمنية على حماس إبان جولات الحوار، يشكل التفسير الأهم لتصاعد حال الاستئصال الراهن الذي يتم تنفيذه بحق عناصر حماس في الضفة، والمجاهرة المكشوفة بأهداف الحملة الأمنية ضد عناصر القسام التي تبدّت أوضح ما تكون في تصريحات حسين الشيخ أحد قادة فتح، الذي أكد أن هذه التصفيات تتم على خلفية تهديد أصحابها للاتفاقيات المعقودة مع الاحتلال الإسرائيلي.

تأسيسا على ذلك، يمكن توقع مزيد من التصفيات وسيل الدماء في إطار تشديد القبضة الأمنية خلال المرحلة المقبلة، يوازيها انهيار متعاظم للجبهة الداخلية في ظل تفاقم الأزمة بين الطرفين وسلوكها سبيل القطيعة والتصعيد.

رهانات حماس
ليس سهلا أن تبتلع حماس الضربات الأمنية التي تكال لها في الضفة تباعا، وأن تنهج الصمت عنوانا لها في ظل المرونة الواضحة التي أبدتها خلال حوارات القاهرة، والاستعداد الواسع لتقديم كل ما من شأنه إعادة اللحمة لشطري الوطن الجريح، باستثناء الاعتراف بإسرائيل والإقرار بشرعية احتلالها.

وبكل تأكيد فإن السلوك السياسي لحماس على المستوى الداخلي لم يعد ذات السلوك الذي أعقب أحداث قلقيلية الدامية، وخطابها السياسي والإعلامي بات أكثر دقة وتشددا من ذي قبل، مما يؤشر إلى طبيعة المنعطف الحاد الذي ولجت إليه العلاقات الفلسطينية الداخلية، وتضاؤل الآمال إزاء انفراج قريب في الأزمة الداخلية.

وتبدو ملامح هذا التطور في النقاط التالية:
- تصدير تصريحات وبيانات تعلن نية الحركة دراسة تعليق الحوار بعد أحداث قلقيلية، مما أحدث إرباكا صريحا لدى القيادة المصرية والسلطة الفلسطينية في رام الله، واضطر مصر لإعادة تحشيد جهودها الدبلوماسية لإنقاذ الحوار من أنياب الضياع، ومحاولة منع الساحة الفلسطينية من الانزلاق إلى مهاوي الاقتتال من جديد.

- ربط أي حديث عن تقدم حقيقي حيال الحوار بوقف سياسة محاربة المقاومة وملاحقة عناصرها في الضفة الغربية، مما يضع حركة فتح أمام موقف حرج، كما يضع الراعي المصري أمام مسؤوليات صعبة.

- العمل المتدرج على سحب واسترداد كافة "التنازلات" التي قدمتها الحركة في إطار سعيها لإنجاح الحوار، وإعادة الأمور إلى نقطة البداية تقريبا، وإجبار حركة فتح على التفكير جديا في تقديم "تنازلات" جدية لتحقيق الوفاق.

- تصعيد الخطاب السياسي والإعلامي ضد الممارسات التي تصر عليها سلطة رام الله، ونعتها بنعوت غير وطنية، وتكثيف هجومها ضد سياسة التنسيق الأمني مع الاحتلال.

وفي إطار هذه المستجدات تعتمد حماس في إدارة علاقاتها الداخلية خلال المرحلة المقبلة على الرهانات التالية:

أولا: تخفيف الحصار

"
حماس تراهن على الملامح المنتظرة في الموقف الأميركي الجديد الذي تحمله إدارة أوباما للضغط على إسرائيل لفتح المعابر التجارية، واتخاذ موقف سياسي أقل تشددا تجاه الحركة
"
فالحركة تراهن على الملامح المنتظرة في الموقف الأميركي الجديد الذي تحمله إدارة أوباما للضغط على إسرائيل لفتح المعابر التجارية، واتخاذ موقف سياسي أقل تشددا تجاه الحركة، مما يعني –عمليا- رفع جانب من الحصار المضروب، ومحاولة استعادة جزء من العافية الاقتصادية التي تضررت بشكل خطير جراء الحصار، وتقليص الضغط السياسي الذي لم ينفك يتصاعد في وجه الحركة طيلة المرحلة الماضية.

وقد تجلت أولى بوادر هذا الرهان في الطلبات الأميركية الواضحة لإسرائيل حول فتح المعابر للتخفيف من معاناة أهالي القطاع، والتي تشير المعطيات والتوقعات إلى شكل من أشكال الاستجابة الإسرائيلية لها.

ثانيا: الجهد الأوروبي
لا تنحصر آمال حماس في الحدّ من سطوة تشدد الموقف الأميركي فحسب، بل تعوّل أيضا على الحراك الذي تقوده بوضوح بعض دول الاتحاد الأوروبي في اتجاه فتح حوار مع الحركة، في امتداد للحراك الذي سبق الحرب على غزة.

ويمكن تلمّس طبيعة الجهد الأوروبي في زيارات الوفود الأوروبية المتكررة التي لا تزال تحط رحالها في غزة ودمشق، والدعوات الرسمية التي تلقاها بعض قادة ونواب الحركة لزيارة بعض الدول الأوروبية خلال الفترة المقبلة، مما يكشف بجلاء عن اتجاه فاعل لدى جانب من الدول الأوروبية لدفع مسار الانفتاح على حماس في إطار تدجينها سياسيا.

ومع ذلك تدرك حماس أن تغييرا حقيقيا في الموقف الأميركي الأوروبي لا يزال بعيد المنال، وأن الرهان الحالي ينحصر في العمل على إدماجها سياسيا في إطار المنظومة القائمة من خلال دفعها لتبني مقاربات سياسية تنسجم مع شروط "الرباعية" أو تقترب منها.

إزاء ذلك، فإن سياسة الحركة تنزع نحو شراء الوقت، وإبداء التعاطي الحذر مع الجهود السياسية والدبلوماسية الدولية، وتقترب من بلورة خطاب سياسي جديد، يعتمد –أساسا- على اجتراح المناورات اللفظية والكلامية في إطار تكتيك سياسي جديد دون أي إخلال بالثوابت المعروفة، بهدف التخفيف قدر المستطاع من شدة المعاناة وقسوة الحصار، واكتساب وقت إضافي لترتيب أوراقها الفلسطينية الداخلية، ومحاولة اللعب على المسرح السياسي الإقليمي والدولي.

ثالثا: النقمة الشعبية ضد السلطة
تدرك حماس أن استمرار سلطة رام الله في ممارساتها ضد عناصرها ومؤسساتها كفيل بتشويه صورتها فلسطينيا، وتآكل رصيدها الشعبي، ومفاقمة مشاعر الغضب والنقمة في نفوس الجماهير، وخاصة على مستوى الضفة التي يخشى الكثيرون من اضطراب الأوضاع الداخلية فيها قياسا بالأوضاع التي سادت غزة في مرحلة ما قبل "الحسم العسكري".

وبالفعل، فقد أسهمت أحداث قلقيلية التي تم فيها تجاوز المحرمات الوطنية في إثارة استياء شعبي غير مسبوق تجاه الممارسات الأمنية للسلطة، وهو ما أقدمت حماس على استثماره سياسيا وتوظيفه إعلاميا في إطار تكتيكاتها ذات الصلة بالحوار الداخلي.

من هنا، لا تبدو حماس في عجلة من أمرها لحسم ملف الأزمة الداخلية على قاعدة الانكفاء والتقهقر أمام فتح، والرضوخ لبعض مطالبها واشتراطاتها، وترى في تخفيف الحصار –لو تم- ورقة ضغط هامة تمنحها مزيدا من الوقت للتروي وانتظار تراجع الموقف الفتحاوي المتعنت، ورضوخه لصيغ التوافق الوسطية حسب تقديراتها.

رهانات فتح

"
يراهن عباس على استمرار الاستقواء بالعامل الإقليمي والدولي في مواجهة حماس وتصاعد قوتها ونفوذها، ويأمل في إدامة الحصار الاقتصادي والعزل السياسي والضرب العسكري، الذي يتعهده المحيط الإقليمي والدولي، انتظارا لسقوط حماس
"
تعيش حركة فتح أزمة ثلاثية، تتناول أوضاعها التنظيمية الداخلية المعقدة، وانسداد أفق التسوية مع الاحتلال، والعلاقة المتصارعة مع حركة حماس في ظل الانقسام الوطني الراهن.

وبين هذه وتلك تحاول القيادة المتنفذة في فتح، ممثلة في أبي مازن وتياره المعروف، إدارة أزماتها وتحدياتها التي تشتد تفاقما في ظل المعالجات الخاطئة التي تحاول من خلالها استعادة دورها الوطني عبر سياسة القفز في الفراغ والهروب إلى الأمام.

ولم تكن محاولة جرّ حماس إلى مربع برنامجها السياسي، ودفعها لقبول اشتراطات "الرباعية" المجحفة، إلا إحدى معالجات فتح الخاطئة التي لا تزال تصرّ عليها رغم انعكاساتها البالغة السلبية وطنيا.

وبالإمكان وضع رهانات فتح في إدارتها للعلاقة مع حماس ضمن المحورين التاليين:

أولا: الاستقواء بالموقف الإقليمي والدولي
وهي ورقة القوة الأساسية التي يلوذ بها أبو مازن وحركته، ويستمد منها مقومات استمرار سلطته في غمار الوضع الفلسطيني المعقد.

ولا يستطيع أبو مازن مواجهة تحديات الواقع الفلسطيني بمعزل عن دعم مصري كامل، وإسناد إسرائيلي وأوروبي وأميركي تام، سياسيا وعسكريا، وبدون ذلك يفقد عباس قدرته على السباحة في البحر الفلسطيني المتلاطم، ويغدو هشا قابلا للسقوط أمام أي اختبار داخلي حقيقي.

لذا يراهن عباس على استمرار الاستقواء بالعامل الإقليمي والدولي في مواجهة حماس وتصاعد قوتها ونفوذها، ويأمل في إدامة الحصار الاقتصادي والعزل السياسي والضرب العسكري، الذي يتعهده المحيط الإقليمي والدولي، انتظارا لسقوط حماس أو انكفائها أمام الضغوط المفروضة، طوعا أو كرها.

ثانيا: تفاقم أزمات حماس
ليس سرا أن حماس تكابد أزمات متعددة في مجالات مختلفة، وأن إدارتها لقطاع غزة عقب أحداث "الحسم العسكري" دونها كثير من الآلام والمشكلات والتضحيات على إيقاع الحصار والعدوان.

لكن الأوضاع الاقتصادية والظروف الإنسانية باتت أكثر صعوبة وخطورة إثر الحرب الأخيرة، حيث الخراب والدمار وإغلاق المعابر وهدم الأنفاق، مما وضع حماس في ضائقة شديدة لكونها تمثل السلطة الحاكمة لغزة، والمسؤولة أولا وأخيرا عن حياة ومصير أهلها.

في ضوء ذلك ينعقد الرهان الفتحاوي على أمل بانكسار حمساوي قريب أمام الأزمات المتفاقمة، رغم عدم توفر أية بادرة أو حتى إشارة في هذا الاتجاه.

ومع ذلك فإن احتمال صمود حماس في وجه كل هذه الضغوط والأزمات يبدو واردا في صلب التقديرات الفتحاوية التي وضعت نصب عينيها مشاغلة حماس ومحاولة كسب الوقت منها، وصولا إلى الميقات الانتخابي المفترض مطلع العام المقبل الذي تراهن عليه حركة فتح لتغيير الموازين الداخلية وسط انشغال خصمها بمواجهة أزماته المختلفة، وبسط هيمنتها على الساحة السياسية من جديد.

مصير الرعاية المصرية
يشكل فشل الحوار الهاجس الأكبر أمام القيادة المصرية، فهو -من جهة أولى- ينعى قوة وفعالية الدور المصري على المستوى الفلسطيني، ويخلّف تداعيات سلبية على قوة الموقف السياسي العربي ككل إزاء القضية الفلسطينية الذي يشكل الموقف المصري نواته الأساسية، فضلا عن تكريسه لمعضلة حصار غزة التي تزعج وتؤرق بال السياسة المصرية بحكم مسؤوليتها عن مصير معبر رفح، من جهة أخرى.

وليس صعبا استشفاف مدى الحرج المصري جراء فشل حركتي: فتح وحماس في تحقيق اختراق جوهري في إطار الحوارات رغم بعض الصيغ الوسطية المقبولة مصريا التي لا تزال فتح تصر على رفضها حتى الآن.

"
الرعاية المصرية لملف الحوار الفلسطيني باقية، أكان ذلك شكلا أم مضمونا، مهما بلغت تطورات العلاقة الفلسطينية الداخلية، أو درجة وطبيعة العلاقة البينية مع طرفيها الأساسيين
"
ولا يبدو في الأفق ما يبشر بانفراج قريب، مما دفع القاهرة إلى بذل جهود استثنائية في محاولة لإنقاذ الحوار من الغرق في طوفان الصراع الفلسطيني الداخلي، إلا أن ذلك يبقى مسألة إنقاذ مؤقتة ليس إلا، وليس لها ما بعدها!

ولا يعني ذلك انسحابا مصريا من ملف الحوار الفلسطيني، أو يأسا من احتمال الظفر بصيغة توافقية بين الفرقاء، بقدر ما يشكل اعترافا بثقل وحساسية الملفات المطروحة للحوار، وتباعد الرؤى وتباين الطروحات والبرامج الخاصة بالطرفين.

ويبقى سيناريو استمرار الحوار بشكله المعتلّ الراهن القائم على إدارة الأزمة دون التمكن من حلها، هو السيناريو الأرجح دون أفق حقيقي حتى اقتراب موعد الانتخابات الفلسطينية المفترضة في شهر يناير/كانون الثاني من العام المقبل.

وحينها قد يتحول الجهد المصري إلى محاولة تنسيق المواقف بين الطرفين بغية إنجاح الاستحقاق الانتخابي الذي تحيط بإمكانية إجرائه شكوك وعوائق إحاطة السوار بالمعصم.

وفي كل الأحوال فإن الرعاية المصرية لملف الحوار الفلسطيني باقية، سواء كان ذلك شكلا أو مضمونا، مهما بلغت تطورات العلاقة الفلسطينية الداخلية، أو درجة وطبيعة العلاقة البينية مع طرفيها الأساسيين.

باختصار، فإن الوضع الفلسطيني الداخلي يؤول إلى مزيد من التأزم والتعقيد، وقد يأخذ أشكالا أكثر حدة وخطورة واتساعا في قادم الأيام في ظل تناقض البرامج واختلاف الرهانات بين الفرقاء، ليبدو المشهد الراهن مجللا بالسواد في انتظار تطورات الزمن الآتي التي يراهن عليها طرفا المعادلة الفلسطينية الداخلية، أملا في حسم قريب للأزمة الداخلية ومضاعفاتها المفتوحة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات