ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


ما زال الغموض يكتنف مسألة انعقاد المؤتمر السادس لحركة فتح، ذلك أن التسريبات عن نتائج الاجتماع الذي عقدته مؤخرا اللجنة المركزية لحركة فتح (في عمان)، لم تحسم تماما في هذا الأمر، رغم الحديث عن التوافق بشأن عقد المؤتمر يوم 4 أغسطس/آب القادم على أساس أنه يصادف ذكرى ميلاد الرئيس الراحل ياسر عرفات قائد حركة فتح ومهندسها.

وما يرجّح هذا الغموض أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (وهو رئيس المنظمة والسلطة وفتح) غادر الاجتماعات قبل انتهائها، وأن ثمة تضاربا في التسريبات المتعلقة بمكان عقد المؤتمر بين مدينة بيت لحم في الضفة الغربية وقطاع غزة (حيث يتعذر ذلك في المعطيات الحالية والمنظورة)، فضلا عن عدم وضوح التوافقات بين أعضاء اللجنة المركزية القيادية بشأن ترتيبات عقد المؤتمر، لاسيما ما يتعلق بضمان استمراريتهم في مواقعهم، وتحديد أعضاء المؤتمر.

معلوم أن مسألة عقد هذا المؤتمر من عدمه، أثارت جدلا كبيرا في فتح وخارجها، خاصة أن اللجنة التحضيرية التي تم تشكيلها لهذا الغرض بات لها من العمر أربعة أعوام، دون أن تتمكن من التوصل إلى الغايات التي أنشئت من أجلها، أي عقد المؤتمر السادس!

فما الذي يجري فعلا؟ أو ما الذي يعرقل عقد المؤتمر؟ أو ما هي المعضلات الحقيقية التي تحول دون ذلك؟ في الإجابة على هذه الأسئلة سنحاول تسليط الأضواء على الأسئلة الرئيسية المطروحة على اجتماعات اللجنة المركزية واجتماعات اللجنة التحضيرية بشأن البتّ في عقد المؤتمر، وهي الأسئلة التي تتعلق بعضوية المؤتمر ومكان وزمان انعقاده، والمراجعة النقدية للتجربة السابقة للحركة وإستراتيجيتها الجديدة.

مشكلات أم معضلات فتح؟
لكن قبل الإجابة على الأسئلة المذكورة لابد من استدراك يتعلق برؤيتنا لهذا المؤتمر، فعلى خلاف ما يعتقد كثيرون فإن معضلة حركة فتح لا تقتصر فقط على مسألة انعقاد المؤتمر، أو على غياب التوافق حول مكان وزمان عقده وعدد أعضائه، رغم أهمية كل ذلك، مثلما أنها لا تتعلق فحسب بعدم توفر قيادة تاريخية جامعة لهذه الحركة بعد رحيل قائدها التاريخي ياسر عرفات.

فثمة -إضافة إلى ما تقدم- معضلات تكوينية في هذه الحركة نشأت معها منذ قيامها، من ضمنها غياب البنى المؤسسية والهيكلية التنظيمية، واحتكار القيادة (وبالتالي الزعيم) التقرير في شؤونها وسياساتها، وتدني العلاقات الديمقراطية والحراك داخلها، والاستهتار بالعمل السياسي (والفكري) فيها.

"
خلافات فتح اليوم وصراعات مراكز القوى فيها، إنما تدور حول مواضيع ومواقع سلطوية وشخصية أكثر من كونها خلافات سياسية، من دون أن يقلل ذلك من وجود كوادر فتحاوية لها وجهة نظر نقدية جذرية بأوضاع فتح وسياساتها وطرق عملها
"
ومعنى ذلك أن هذه الحركة أحوج ما تكون إلى نوع من إصلاح جذري لإعادة هيكليتها وتأهيلها، مما يتطلب أكثر من مؤتمر، لكنه فضلا عن ذلك يتطلب توفر نوع من الوعي والإرادة لدى قيادة فتح للسير في هذا الاتجاه، الأمر المفتقد في التحضيرات الجارية للمؤتمر.

وكما هو معلوم فإن قيام أي حركة أو حزب بعقد مؤتمر إنما يأتي كتتويج لعمل هيئات وإطارات ونقاشات، بما يختلف عن عقد مهرجان أو حتى اجتماع حزبي، بحيث يأتي المؤتمر نتيجة لمؤتمرات فرعية، ويحسم في نقاشات سياسية، ويؤسس لمواجهة تحديات مرحلة جديدة.

والمؤسف أن معطيات التحضير لمؤتمر فتح تفيد بالتوجه نحو عقد مجرد مؤتمر صوري يعيد ترتيب أوضاع فتح، من دون أن يعالج المشاكل العضوية فيها.

وإذا كان يصح القول بأن هذه الحركة التي أسهمت في بلورة الهوية الوطنية وبادرت بالكفاح المسلح، وقادت العمل الوطني طوال أكثر من أربعة عقود، واجهت العديد من الامتحانات والمنعطفات الصعبة والخطيرة، إنْ بالاحتكاك مع بعض النظم العربية، أو بحكم استهدافها من قبل إسرائيل، فمن الصحيح القول أيضا بأن عوامل العطب الذاتية (التي ذكرناها) هي التي أدت إلى ترهل جسم هذه الحركة وتكلسه، وبالتالي أدت إلى تراجع مكانتها في العمل الوطني، الأمر الذي تجلى بشكل خاص في خسارتها الكبيرة في الانتخابات التشريعية الثانية (2006) وانهيار وضعها بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة (2007)، فضلا عن تجلي ذلك في الفوضى الداخلية والسياسية فيها.

وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن الصراع الداخلي في فتح ليس له علاقة بالصراع حول الأفكار والمشاريع السياسية، فقد خبت روح فتح المتأسسة على التنوع والتعددية منذ زمن، وولى زمن التيارات الفكرية والسياسية فيها، وثمة اليوم توافق بين مختلف مراكز القوى المؤثرة  داخل الحركة على عملية التسوية، وإن كان ثمة خلافات بهذا الشأن أو ذاك.

ومعنى ذلك أن خلافات فتح اليوم وصراعات مراكز القوى فيها، إنما تدور حول مواضيع ومواقع سلطوية وشخصية، أكثر من كونها خلافات سياسية، من دون أن يقلل ذلك من وجود كوادر فتحاوية لها وجهة نظر نقدية جذرية في أوضاع الحركة وسياساتها وطرق عملها، لكن وجهات النظر هذه ليس لها تعبيرات أو منابر علنية واضحة.

معنى الصراع على العضوية
احتلت مسألة العضوية حجما كبيرا من الجدل حول المؤتمر، إلى درجة أنها غطت على ما عداها من القضايا. وتفسير ذلك أن حركة فتح ليست كسواها من الحركات والأحزاب السياسية، فهي لم تبن على شكل حزب، وتفتقد لهيكلية هرمية، وثمة سيولة في عضويتها، وفي تراتبيتها وفي علاقاتها الداخلية، كونها من الأساس بنيت على شكل أجهزة وقطاعات مرتبطة بأعضاء اللجنة المركزية التي تقود الحركة.

وهذا الشكل هو الذي أتاح للقيادة التحكم تماما بالحركة وبشكل الحراك الداخلي فيها. ويستتبع ذلك أن اللجنة المركزية هي التي تعين أعضاء المؤتمر بشكل مباشر وغير مباشر، أي أنها تنتخب ناخبيها.

ولمزيد من الشرح، فإن مؤتمر فتح يتألف من اللجنة المركزية والمجلس الثوري (الهيئة القيادية الثانية)، وقادة القطاع العسكري (لهم نسبة 51% بحسب النظام الداخلي)، ومسؤولي الأجهزة، ومعتمدي الأقاليم، وممثلي فتح في المنظمات الشعبية والسفارات وأطر منظمة التحرير (وهؤلاء يعينون في مناصبهم من قبل القيادة)، بالإضافة إلى ممثلي الأقاليم (التنظيم).

"
غياب التوافق بين أعضاء قيادة فتح على تسمية أعضاء المؤتمر يفسر تعثر انعقاده أكثر من أي شيء آخر، بسبب وجود أعضاء في اللجنة المركزية غير متأكدين من إعادة انتخابهم من المؤتمر في حال انعقاده
"
وممثلو الأقاليم (نحو 10% من المؤتمر) هم وحدهم الذين يأتون عبر الانتخابات، ولكن بنسبة 50%، إذ إن مؤتمرات الأقاليم مثلا تنتخب ضعفي عدد لجنة الإقليم، ثم تقوم اللجنة المركزية باختيار أعضاء لجان الأقاليم من بينهم!

وبديهي فإن فعالية أعضاء اللجنة المركزية ليست واحدة، لاسيما أن هذه اللجنة لا تعمل كفريق، حتى إنها لا تجتمع بشكل منتظم، وكان ثمة مصادرة لدور هذا الإطار في عهد الرئيس ياسر عرفات، وهذا الوضع استمر في عهد محمود عباس، وتفاقم أكثر بحكم ضعف الإجماع الفتحاوي على عباس واختلاف مكانته وقوته بالقياس إلى سلفه عرفات.

وفي الوضع العياني الراهن، أي في غياب إطار اللجنة المركزية كفريق عمل، لأسباب ذاتية وموضوعية، فإن بضعة أشخاص في هذه اللجنة (ضمنهم الرئيس وبعض المقربين منه) من النافذين في القيادة هم الذين يتحكمون بتسمية أعضاء المؤتمر، وهذا ما فاقم المشكلة.

على ذلك، فإن غياب التوافق بين أعضاء القيادة على تسمية أعضاء المؤتمر هو ما يفسر تعثر انعقاده، أكثر من أي شيء آخر، بسبب وجود أعضاء في اللجنة المركزية غير متأكدين من إعادة انتخابهم من طرف المؤتمر في حال انعقاده (لاسيما إذا عقد في الداخل).

وقد تولّد عن هذا الواقع أن كل عضو في القيادة بات يسعى لتثبيت مكانته في اللجنة المركزية عبر فرض عدد معين من أنصاره (أو ناخبيه) في عضوية المؤتمر، أو عبر طرح شروط مسبقة تحفظ له إعادة التجديد لموقعه القيادي بشكل مسبق، من خلال الحديث عن التجديد التلقائي والجماعي لأعضاء اللجنة المركزية القدامى، أو على الأقل للأعضاء التاريخيين في اللجنة المركزية (محمد غنيم، وفاروق القدومي، وسليم الزعنون).

سؤال الداخل والخارج
وفي ذات السياق فإن الخلاف بين القيادة حول مكان انعقاد المؤتمر (في الداخل أو في الخارج) إنما يعكس خشية بعض أعضاء اللجنة المركزية (في الخارج والداخل) من تضييع مكانتهم القيادية، حيث إن انعقاده في الداخل -مع حصة أكبر لكوادر فتح من الضفة والقطاع- على حساب الخارج، يمكن أن يصعّب الأمر عليهم.

والمؤسف أن هذا الموضوع له حساسية في النقاش بشأن المؤتمر بسبب الحسابات الضيقة البعيدة عن الرؤية الوطنية والسياسية للموضوع. وبكلام آخر فإن انعقاد المؤتمر في الداخل، وبثقل الداخل (بغض النظر عن التوظيفات الشخصية) إنما هو تحصيل حاصل لانتقال مركز العمل الفلسطيني إلى داخل الأراضي المحتلة، لأسباب ذاتية وموضوعية، أهمها وجود كتلة كبيرة من المجتمع الفلسطيني في نطاق إقليم جغرافي محدد، ضمن علاقات سياسية واقتصادية واحدة. وأيضا بحكم تحول الغالبية العظمى من المؤسسات والكوادر الفلسطينية إلى الداخل بعد قيام السلطة.

وطبعا ثمة عامل آخر يتمثل في أن السلطة كإطار سياسي باتت العنصر الأكثر فاعلية في الأجسام السياسية الفلسطينية على حساب المنظمة والفصائل. وهذا ينسحب على فتح أيضا التي بات ثقلها الأساسي في الداخل، وبات تنظيمها في الداخل يشكل الجسم الرئيسي والفاعل والأكثر حركية في الجسم الفتحاوي.

ولعل هذا التحول هو الذي يعكس الصراع بين القديم والجديد وبين جيلي الشيوخ والشباب في حركة فتح.

أية إستراتيجية أو أية فتح؟
من الناحية السياسية، فرغم الجدل بشأن مكان وزمان المؤتمر وعدد أعضائه، فقد خلت الساحة الفتحاوية (والفلسطينية) من أي نقاشات من حول البرنامج السياسي المقدم للمؤتمر (إن وجد).

واللافت أن فتح ما زالت تقف من الناحية البرنامجية/السياسية عند حدود برنامج المؤتمر الرابع، أي برنامج التحرير والمقاومة المسلحة، في حين أنها هي التي قادت عملية التحول نحو التسوية والمفاوضة وإقامة السلطة الفلسطينية في ظل استمرار واقع الاحتلال!

"
حركة فتح إزاء واقع الفوضى والتسيّب والتكلس فيها على الصعيدين البنيوي والسياسي، باتت بحاجة إلى إعادة تأسيس ثانية، وهذا ما ينبغي الاشتغال عليه -بمؤتمر أو بدونه- لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
"
ومعلوم أن قيادة هذه الحركة تستهتر بالنقاش السياسي وبإنتاج الأفكار السياسية، وتعظّم من شأن الروح العملية والشعاراتية، وتعتبر نفسها فوق النقاش والمساءلة، وأنها وحدها التي يحق لها التقرير بشأن الحركة، بل وبالشؤون المصيرية للشعب الفلسطيني.

هكذا فإن قيادة فتح لم تطلق نقاشا بشأن التحول نحو اتفاق أوسلو، حتى أن عددا من أعضاء اللجنة المركزية فوجئوا بهذا الاتفاق، كما لم يكن ثمة توافق في هذه القيادة حول العديد من الأمور، ومن ضمنها تطبيع الانتفاضة بالعمليات العسكرية، ولاسيما التفجيرية (الاستشهادية)، ولم يكن ثمة نقاش فيها بشأن الدمج بين منصبي رئيس السلطة ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

ومن المعلوم أيضا أن هذه الحركة لم تجر قط مراجعة لأوضاعها وتجاربها، من الأردن إلى لبنان إلى رام الله، وأنها لم تقدم أي مسؤول فيها للمحاسبة والمساءلة، ومن ضمن ذلك ممن أحاطت بهم الشبهات الأمنية والوطنية والمسلكية، وحتى أنها لم تجر أي مراجعة جدية ومسؤولة لإخفاق عملية التسوية، ولا لخسارتها الانتخابات التشريعية الثانية (أمام حماس) ولا لانهيار أوضاعها في قطاع غزة (2007). كما أن الحركة ما زالت حائرة في وضعها بين كونها حركة تحرر وطني وبين كونها حزبا للسلطة.

عموما فقد تغير الواقع السياسي كثيرا ولم تعد المنطلقات السياسية العامة التي تأسست عليها فتح تعمل بفاعلية، بعد كل هذه التطورات، حتى إن الحركة نفسها تجاوزت هذه المنطلقات. بمعنى أن فتح معنية بإعادة إنتاج فكرها السياسي وبتطويره، بما يتجاوب مع كل المتغيرات والتطورات والإشكاليات السياسية الحاصلة، وتحديد إستراتيجيتها السياسية بكل وضوح، وتعيين مكانتها كحركة تحرر وطني أو كحزب سلطة.

هكذا، وكما قدمنا فإن حركة فتح إزاء واقع الفوضى والتسيّب والتكلس فيها على الصعيدين البنيوي والسياسي، باتت بحاجة إلى إعادة تأسيس ثانية، وهذا ما ينبغي الاشتغال عليه -بمؤتمر أو بدونه- لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الحركة الوطنية التي شغلت الناس خلال العقود الأربعة الماضية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك