عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


محطة 11 سبتمبر
مفارقات التسامح
الهروب إلى الماضي
الراهن والمستقبل
الإسلام والواقعية

يأتي خطاب الرئيس الأميركي أوباما في جامعة القاهرة 4 يونيو/حزيران 2009 لينطلق من مقاربات "جديدة" لمسألة الإسلام والتسامح، حتى وإن ظلّت وثيقة الصلة بما درجت عليه الإدارات الأميركية السابقة، لكنه حاول نظريًّا على أقل تقدير البحث في بعض المشتركات ذات البعد الإنساني، وبخاصة النظرة غير العدائية مسبقًا للإسلام بوصفه دينا سماويا وتعاليم ربانيّة، بل والأهم من ذلك بوصفه حضارة وثقافة لأمم وشعوب عربية وغير عربية، لكنها جميعها اكتست الملمس الإسلامي واختارت الإسلام دينًا لها.

وإذا كانت مقاربة الرئيس أوباما قد تناولت ست قضايا أساسية في خطابه التاريخي، فإن أبرز وأهم قضية كانت هي مسألة التطرف والعنف، لاسيما ابتعاده عن استخدام تعبير أو مصطلح "الإرهاب" لعدم رغبته في إعطاء انطباع متغطرس، كما كان يفعل سلفه، مؤكدًا على التمييز بين تنظيم القاعدة والإسلام.

وسنتوقف عند هذه النظرة لامتداداتها إلى القضايا الست التي طرحها، مثل الصراع العربي الإسرائيلي والأسلحة النووية الإيرانية ومسألة الديمقراطية وحرية الأديان واحترام الإسلام المتسامح لحقوق الأقليات ومسألة التنمية.

وفي هذه القراءة سنقوم ليس بنقد الخطاب الأميركي المؤدلج وبخاصة خلال السنوات الماضية فحسب، بل بنقد خطابنا أيضًا من خلال إضاءة الإسلام الحقيقي المتسامح باستعراض الإسلامفوبيا "الغربية" أي الرهبة من الإسلام، مقابل الإسلاملوجيا التي يستخدم فيها البعض التعاليم الإسلامية بالضد من الإسلام!

أيكفي تكرارنا القول إن تعاليم الإسلام وبخاصة الواردة في القرآن الكريم والسنّة النبوّية تحضّ على التسامح، وإن الكثير من تطبيقات الخلفاء الراشدين في الإسلام الأول كانت تمثل قيم التسامح؟ أم أن هناك فروقًا كثيرة وجوهرية بين بعض النصوص النظرية وبين التاريخ الإسلامي، الذي حفل -مثل كل تاريخ البشرية- بالكثير من مظاهر اللاتسامح والعنف والإقصاء وتهميش الآخر، لدرجة تأثيمه وتجريمه أحيانًا، سواء على الصعيد النظري أو على الصعيد العملي والتطبيقي من خلال الممارسات والأعمال؟

"
مقاربات أوباما لمسألة الإسلام والتسامح، حتى وإن ظلّت وثيقة الصلة بما درجت عليه الإدارات الأميركية السابقة، فإنه حاول نظريًّا على أقل تقدير البحث في بعض المشتركات ذات البعد الإنساني، وبخاصة النظرة غير العدائية مسبقًا للإسلام بوصفه دينا سماويا
"
وجدير بالذكر أن فترة الإسلام الأولى، شهدت اعترافًا بالآخر والدعوة إلى المساواة والتواصي والتآزر والرحمة، لكن ثلاثة من "الخلفاء الراشدين": عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) لقوا حتفهم مقتولين، ولم تفلح مبادئ التسامح التي دعا إليها الإسلام في أن تحول دون ذلك، فالتسامح بحاجة إلى بيئة حاضنة وتراكم وتربية، ليتحوّل إلى قوة مادية يصعب اقتلاعها، خصوصًا إذا ما انتقل من طور الأخلاق إلى الحق ومن ثم ليؤسس عبر قوانين وتشريعات ومؤسسات!

لكن هذه القراءة الانتقادية للتاريخ الإسلامي، لا ينبغي أن تصب في الموجة الجديدة- القديمة من الاتجاه المعادي للإسلام، التي تحاول التصيّد بالماء العكر، لأخذه بجريرة بعض الأعمال الإرهابية، أو أن تشمل جميع المسلمين، الذين يتم دمغهم بالإرهاب بالجملة، وهو ما يتردد على لسان مسؤولين ومفكرين وإعلاميين ورجال دين ومستشرقين في الغرب، بل إن بعض الإساءات امتدت حتى شملت النبي محمدا (صلى الله عليه وسلم)، لعل آخرها ما أطلقه البابا بنديكت السادس عشر، في محاضرة بجامعة ريغينسبورغ، من توصيفات على لسان الإمبراطور اليوناني مانويل الثاني في القرن الرابع عشر، "باتهام الإسلام بالعنف".

ولعل مثل هذه الاتهامات والتعميمات لا يجمعها جامع مع المشترك الإنساني والديني، ناهيكم عن الوقائع التاريخية، خصوصًا أنها تصدر من أعلى مرجع في الكنيسة. كل ذلك يحدث ولم تكن قد انتهت تداعيات نشر صحيفة دانماركية صورًا مسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، بما سببته من تصدع العلاقات المسيحية الإسلامية، ليس على صعيد الحاضر فحسب، بل على صعيد المستقبل.

كما أن ما ورد على لسان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش(أغسطس/آب2006) وخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان حول "الفاشية الإسلامية" وقبلها الإشارة إلى "الحرب الصليبية" فيما يتعلق بحملة مكافحة الإرهاب الدولي، إنما يصّب في هذا الاتجاه العدائي، خصوصًا أنه قسّم العالم إلى قسمين "إما معنا.. أو مع الإرهاب" أي مع "معسكر الخير والنور" أو "معسكر الشر والظلام"، وهو الوجه الآخر لما ذهب إليه أسامة بن لادن حين قسّم العالم إلى فسطاطين، ولعل هذا الأمر يحتاج إلى إعادة النظر بالأفكار والآراء المسبقة بخصوص الإسلام، وهو ما يضع مسؤوليات على إدارة أوباما، طالما أنه أخذ على عاتقه مبادرة مخاطبة المسلمين على نحو مختلف، بما يعزز الحوار والتفاهم بدلاً من الصراع والصدام بين الحضارات والثقافات والأديان.

محطة 11 سبتمبر
وإذا كانت محطة 11 سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية، قد تركت تأثيراتها السلبية على مجمل الوضع الدولي، فإن هذه التأثيرات والتراجعات الخطيرة، يمكن أن تُقرأ لاحقًا في مجرى الأحداث، باعتبارها محطة جديدة لإظهار عزم القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، على المضي في نهج انفرادي أو بالتحالف مع بعض  الأصدقاء ضد الغالبية الساحقة من سكان المعمورة.

وضمن هذا التصنيف يمكن قراءة الحدث اللبناني، بشن العدوان الإسرائيلي عام 2006 وتدمير البنية التحتية للبنان وقتل المدنيين، وكذلك قراءة ما جرى خلال العدوان الإسرائيلي على غزة بعد حصار دام أكثر من سنتين (أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009)، دون أن تحرك الولايات المتحدة والقوى العظمى ساكنًا، بل إنها كانت شريكة فيما حصل برفضها إصدار أي قرار من مجلس الأمن الدولي، يدعو لوقف إطلاق النار فورًا، وذلك ضمن مسؤوليتها باعتبارها عضوا دائم العضوية في مجلس الأمن ووفقاً لميثاق الأمم المتحدة، الذي يعتبر "حفظ السلم والأمن الدوليين" أهم وظيفة له، ناهيكم عن التنديد بإسرائيل وتحميلها المسؤولية في خرق قواعد القانون الدولي الإنساني.

كما يمكن في ضوء التأثيرات السلبية الخطيرة على حقوق الإنسان أن نقرأ، نمو وانتشار التيارات الأصولية السلفية المتعصبة، المتطرفة الشديدة الغلو في العالمين العربي والإسلامي، خصوصًا في ظل انعدام العدالة وهضم الحقوق واستمرار الاحتلال والعدوان، ولعل نموذج العراق المأساوي خير دليل على ذلك.

ومنذ سبتمبر/أيلول 2001، ارتفعت موجة التكفير والتأثيم، وبدلاً من أن تسهم حملة "مكافحة الإرهاب الدولي" في تقليص حجم الأعمال الإرهابية، فإن الموجة الإرهابية اتسعت وشملت بلدانًا كثيرة، من مركزها الأساسي اليوم وهو العراق الموعود بديمقراطية وحرية لكونه "النموذج"، مع أنه ظل المسكون بالمحاصّات والتقاسم الوظيفي المذهبي والإثني، رغم تحسن الوضع الأمني خلال العام المنصرم، إلى إندونيسيا وتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية واليمن والأردن والمغرب وإسبانيا وبريطانيا وغيرها من البلدان التي شهدت عمليات إرهابية.

مفارقات التسامح
وإذا كان "الغرب" قد وصل إلى التسامح في مجتمعاته، بعد معاناة طويلة ومعارك طائفية طاحنة وحروب عالمية حصدت أرواح عشرات الملايين من البشر، فإن مثل هذا الأمر لم يأخذ مداه على المستوى الدولي وبخاصة محاولات فرض الهيمنة والاستتباع، وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية في أواخر الثمانينيات، حيث يراد للعالم التسليم بظفر الليبرالية الجديدة، نموذجًا وحيدًا للنظام الدولي على المستوى السياسي والاقتصادي.

وخلال نحو عقدين من الزمان خيضت حروب وأعمال إبادة وفرضت حصارات وشنت عدوانات وقلبت أنظمة وأقيمت كيانات، كلّها بعيدة عن روح التسامح، بالاعتماد على نظرية القوة وليس قوة القانون وروح ميثاق الأمم المتحدة، وذلك بسبب نهج التفرد والاستئثار والمصالح الأنانية الضيقة!

"
خلال نحو عقدين من الزمان خيضت حروب وأعمال إبادة وفرضت حصارات وشنت عدوانات وقلبت أنظمة وأقيمت كيانات، كلّها بعيدة عن روح التسامح، بالاعتماد على نظرية القوة وليس قوة القانون وروح ميثاق الأمم المتحدة
"
ومن جهة أخرى فإن مفهوم التسامح في العالمين العربي والإسلامي ما زال قليل القبول لدى أوساط واسعة، وربما نظرت إليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية على أنه "نبت شيطاني" أو "فكر مستورد" خصوصًا مع خلط المفاهيم تعسفًا أحيانا بالنزعات التغريبية وتصويرها باعتبارها استتباعا للآخر، الخارجي، الأجنبي، المختلف، الخصم والعدو! والأمر ينسحب على نحو أشد ربما على النطاق الداخلي وفي داخل كل بلد عربي أو جماعة سياسية ودينية ومذهبية وإثنية!

ويهرب أصحاب هذا الاتجاه إلى التاريخ، ملاذهم، بالادعاء: أن الإسلام الأول، الراشدي اتسم بالتسامح والاعتراف بحق الاختلاف، وهو وإن كان صحيحًا، لكنهم لا يناقشون الحاضر بل يحاولون الزيغان عن كل ما من شأنه الاعتراف بمبادئ التسامح وحق الاختلاف في زمننا الحالي، فهو من وجهة نظرهم مرفوض ومستغرب، في محاولة تمجيدية للماضي وادعاء الأفضليات، لذلك احتاج هذا المفهوم إلى تبيان وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهنًا ومستمرًا وقائمًا.

وبقراءة الوضع الراهن فهناك ثلاثة مواقف من مسألة التسامح:
الأول, يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني أو الفكري أو السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي، الداخلي أو الخارجي (الدولي) بحجة امتلاكه للحقيقة والأفضليات، أما المختلف والآخر فإنه لا يمثل سوى النقيض، وعلى المستوى العالمي فإنه يمثل الكفر والاستكبار. جدير بالذكر أن كلمة "التسامح" لم ترد في القرآن، لكنه ورد الكثير مما يدلّ عليها.

الثاني, تيار إصلاحي (توافقي) يتقبل بعض أفكار التسامح بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدودًا للفكر التقليدي السائد، وإن كان يسعى للتواصل مع الآخر بحذر شديد.

الثالث، التيار المؤيد للتسامح، والذي يعتبره قيمة عليا، لاسيما بربطه بحقوق الإنسان، دون التعامل معه على نحو مبتذل فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فالتسامح لا يعني التهاون إزاء حقوق الإنسان أو قيم العدالة أو تبرير ذلك تحت أية حجة أو ذريعة.

الهروب إلى الماضي
إن القراءة الارتجاعية للنص الإسلامي وللتعاليم والمفاهيم الإسلامية دون عُقد الحاضر وحساسياته، ودون إخضاعها لحسابات مؤقتة وربما طارئة، تؤكد أن الإسلام "المفاهيمي" ومن خلال عدد من فقهائه، طريق رحب يمكن أن يسلكه الإنسان في حياته، طريق مفعم بالحيوية والنشاط والانفتاح والعطاء، بعيدًا عن أصابع المفسرين والمؤولين المتشددين واللامتسامحين من الإسلامويين، الذين حاولوا تطويع أحكامه بطريقة مؤدلجة تماشيًّا مع القيم السائدة والأفكار المتعصبة والمغلقة وخدمة لمن بيدهم الأمر.

وساهمت بعض هذه التنظيرات في كبح جماح العقل وتحويل تعاليم الإسلام إلى مجرد "تعاويذ" و"أدعية" ووصفات جاهزة ومعلبة، أقرب إلى التحنيط والجمود والصنمية خصوصًا إزاء الآخر، وعبر يقينيات لا تقبل الجدل أو الحوار.

كان إلى جانب الإسلام والإيمان نقيضهما أحيانًا في دولة الإسلام المدنية، ولكن ثقة الإسلام بنفسه جعلت التعايش ممكنًا مع النقيض. حسبي هنا أن أشير إلى احتواء كتاب "التوحيد الكافي" على أقوى الاستدلالات، التي استند إليها منكرو التوحيد دون أن يؤثر ذلك في عرض الرأي الآخر المناقض، المخالف، المعارض، حتى وإن احتوى على ما يتعارض مع جوهر الإيمان.

الإسلام بتعاليمه لا يجد غضاضة في الجدل والنقاش ونقد الرأي المخالف انطلاقًا من قاعدتين:
1- مبدأ التسامح إزاء سماع الرأي الآخر.
2- الإيمان بالعقل باعتباره الأساس في المحاجّة وليس النظرة المسبقة.

ليس ثمة تناقض بين العقل والإيمان، وهو جوهر النقد الذي تناوله البابا في محاضرته التي أثارت ردود فعل شديدة، لكن التاريخ الإسلامي شهد فترات سبات للعقل وتغلّب عليه العنف وساد السيف قبل الرأي، ولكن لا بدّ من التمييز بين الإسلام بوصفه مفاهيم ومبادئ ومعتقدات وتعاليم وبين التاريخ والممارسات والتطبيقات والتجاوز على المبادئ.

بخصوص التسامح والاختلاف فهناك نموذجان أحدهما: معياري والثاني واقعي، فهناك من يقرّ بالاختلاف وبالتالي بالتسامح في المسائل الفرعية، وهناك من يذهب أبعد من ذلك حين يقرّه في المسائل العقدية والأصول "فكل مجتهد مصيب في اجتهاده، وإن لم يصب في حكمه" وذهب الإمام الشافعي للقول: "رأيي صواب ولكنه يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ ولكنه يحتمل الصواب".

"
تباين الاجتهادات واختلاف التفسيرات، إنما يدل على تباين الطرق الموصلة إلى الحقيقة، فطريق الحق ليس واحدًا، بل إن طرقه كثيرة ومتعددة، وهو الأمر الغائب عن واقعنا الحاضر الشديد الالتباس والبعيد عن قيم التسامح
"
وقديمًا قيل قد يصيب الناظر وجهًا من وجوه الحقيقية، وهو ما ذهب إليه ابن رشد، ولهذا فإن تباين الاجتهادات واختلاف التفسيرات، إنما يدل على تباين الطرق الموصلة إلى الحقيقة، فطريق الحق ليس واحدًا، بل إن طرقه كثيرة ومتعددة، وهو الأمر الغائب عن واقعنا الحاضر الشديد الالتباس والبعيد عن قيم التسامح.

هناك بعض الإسلاميين المتعصبين أو الإسلامويين، يعتبرون أي حديث عن التسامح يقود إلى "التساهل إزاء العقيدة وإلى الإباحية" وبعبارة أخرى: نشر الليبرالية بكل أبعادها على حساب الدين.

وهو ما يذهب إليه مصباح يزدي أحد منظري التيار اليميني المحافظ في إيران، الذي يعتبر التسامح يعني فيما يعنيه: التسيّب وانعدام الغيرة وأسلوبا تخريبيًّا ضد الإسلام، يؤدي إلى الانحراف والتحلل، في حين يميل تيار محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق إلى التسامح، ويدعو راشد الغنوشي إلى هذا الاتجاه، ويعتبر فكر التشدد والتكفير وادعاء احتكار الإسلام وزعم النطق باسمه، أكثر خطرًا من الصهيونية والغرب والحكام المستبدين!

الراهن والمستقبل
أعتقد أن جزءًا من مشكلة الراهن والمستقبل، تكمن في المتراكم السلبي والموروث اللامتسامح، والذي تجري محاولات لاجتراره بهدف الحفاظ على سكونية المجتمع وأنظمة الحكم السائدة، التي لا تقبل بالتنوع والاختلاف والتسامح والديمقراطية، ومثل هذا الأمر يجد صداه داخل المجتمع عبر تيارات متطرفة ومتعصبة تحمل راية الإسلام أو ما نطلق عليه "الإسلام السياسي".

فقسم كبير منه يحاول توظيف تعاليم الإسلام ضد الإسلام ولأغراض سياسية ضيقة، وهو ما نطلق عليه اسم "الإسلاملوجيا" الذي يقابله في الغرب تيار يحرّض على الإسلام ويعاديه ويثير المخاوف منه وهو ما نسميه: الإسلامفوبيا: "الرهبة من الإسلام"، كجزء من الزينوفوبيا " الرهبة من الأجانب"، تلك التي يقابلها في عالمنا العربي والإسلامي الغربفوبيا: العداء لكل ما هو غربي، باعتباره غريبا وكل غريب وأجنبي مريب، وبالتالي يدخل في خانة الخصم أو العدو، وغيرها من التهم والاستعداءات الجاهزة!

يمكن القول إن في الغرب حداثة وثقافة ومستودعا هائلا لا حدود له من العلوم والتكنولوجيا إضافة إلى الجمال والعمران والفن والأدب، وقد تعلمنا منه الكثير وأفادت منه البشرية كثيرًا، وقد وقف الغرب الثقافي والإنساني، إلى جانب قضايانا العادلة وفي مقدمتها "حقوق الشعب العربي الفلسطيني".

أما الغرب السياسي فتحكمه المصالح ويقوم على فلسفات وأيديولوجيات، قد تتعاكس مع مصالحنا وأهدافنا خصوصًا مواقفه وممارساته السلبية والضارة إزاء قضايانا.

العرب والمسلمون ليسوا أبالسة أو شياطين أو كلهم تنظيمات القاعدة كما يفكرّ ويتعامل بعض المسؤولين في الغرب، كما أن الغرب ليس كله استكبارا وهيمنة واحتلالا وعدوانا، ففيه قيم ثقافية وإنسانية وجمالية ومجتمع مدني، كان سبّاقًا بل أكثر من مجتمعاتنا إلى الاحتجاج على شن الحرب على العراق وكذلك في التضامن مع الشعب الفلسطيني واللبناني.

وهذه النظرة الشمولية الاستباقية الوحيدة الجانب تشكل نقيضًا للاعتدال والوسطية خصوصًا في العلاقة مع الآخر، وأكثر من ذلك هي نقيض للواقع والعقل، سواء صدرت عبر تصوّر مسبق من الغرب السياسي ولأهداف سياسية محددة أو صدرت من بعض الجماعات الإسلاموية أو المتعصبة، التي تستند إلى التعميم وهو الصخرة التي يتكئ عليها المتعبون، أو الذين لا يريدون استخدام العقل!

الإسلام والواقعية

"
لا يمكن للإسلام باعتباره دينا أن يتقدم وأن يتفاعل مع الحضارة الكونية، إنْ لم يأخذ قسطه من التسامح، بمعنى الاعتراف بالآخر، والبحث عن حلول وسط يمكن قبولها بما لا يبتعد عن مبادئ العدالة والحق
"
وفيما يخصّنا أعتقد أنه لا يمكن للإسلام باعتباره دينا أن يتقدم وأن يتفاعل مع الحضارة الكونية، إنْ لم يأخذ قسطه من التسامح، بمعنى الاعتراف بالآخر، والبحث عن حلول وسط يمكن قبولها بما لا يبتعد عن مبادئ العدالة والحق، هكذا يصبح المشترك والتعايش وقبول الآخر أساسا وليس إلغاؤه أو إقصاؤه أو تهميشه!

إن استعراض حلقات مضيئة في التاريخ الإسلامي أمر يمكن البناء عليه، إضافة إلى القرآن والسنة، مثل: حلف الفضول، الذي أنصف المظلوم (وهو من أحلاف الجاهلية) حيث أبقى عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد الإسلام, ودستور المدينة الذي اعترف بالآخر ومنحه الحقوق (قبل أكثر من 1400 سنة)، وصلح الحديبية مع المشركين، والعهدة العمرية التي منحها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عام 15 هـ للمسيحيين والبطريرك صفيرنيوس عند فتح القدس ووثيقة فتح القسطنطينية، التي اعترفت بحقوق الآخر (المسيحي) ودينه وممتلكاته وطقوسه وشعائره وغير ذلك.

لكن الأصح في تقديري هو نقد التجربة ومراجعة بعض جوانبها الفكرية وبخاصة السلبية منها، ولا بد من أخذ السياق التاريخي في الاعتبار بهدف استشراف المستقبل وبحثًا عن المشترك الإنساني والتواصل الحضاري والتفاعل الثقافي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات