فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


إذا كان إسقاط نظام صدام حسين والتخلص من أطيافه التي كانت تحوم حول أسرة نوم العراقيين تطلّب نحوا من ثلاثين عاما من النضال والتضحيات كما يقال اليوم، فإنه لمن خدع التاريخ أن يكتشف العراقيون -ذات يوم غير بعيد- أن التخلص من بول بريمر وطرد أشباحه التي تقض مضاجعهم صباح مساء، قد تتطلب وقتا أطول بكثير.

ومثلما بدا من تصريحات رئيس الوزراء نوري المالكي المترعة بالجزع من "صيغة التوافق" الطائفية التي ظلت تتحكم في اللعبة الديمقراطية، فقد يبدو الانقلاب على بريمر والتخلص من أشباحه السبيل الوحيد المتروك سلما أمام العراقيين لإعادة بناء دولة على أسس جديدة، لا مكان في دستورها لثقافة المحاصة وتقاسم الغنائم.

"
صحيح أن الحاكم المدني الأميركي بول بريمر بعد الاحتلال غادر العراق منذ وقت طويل، ولكن الصحيح أيضا أنه ترك في هذا البلد تعيس الحظ عقدة في المنشار قد يصعب أو يستحيل معالجتها من دون استخدام القوة
"
ومع ذلك، فإن أي تحليل نزيه وموضوعي لمأزق "إعادة بناء الدولة"، سيكشف عن الحقيقة الوحيدة الجديرة بالتأمل، وهي أنه أكبر وأعقد بكثير من مجرد إعادة الإعمار أو محاربة الفساد أو وقف التدهور الأمني أو مواجهة المليشيات والجماعات الإرهابية. وهو يتعدى بكثير، حدود النجاح في مواجهة هذه المهام مجتمعة.

إنه مأزق "الانقلاب على بريمر" والقدرة على تحديه وإسقاطه. صحيح أن الحاكم المدني الأميركي بول بريمر بعد الاحتلال غادر العراق منذ وقت طويل، ولكن الصحيح أيضا أنه ترك في هذا البلد تعيس الحظ، "عقدة في المنشار" قد يصعب أو يستحيل معالجتها من دون استخدام القوة.

وما أشد ما يبدو النظام السياسي الراهن في العراق كأنه -بعدما تخلص من شبح صدام حسين- بات أسير الخوف من أطياف بريمر التي تسهر عند مهده، فتعيد كل مساء تذكيره بحقيقة العقدة التي تخنقه.

وبكلام آخر أدق، فإن أي تحليل واقعي سيكشف لنا حقيقة أن مأزق عملية إعادة بناء الدولة، يكمن في فشل النخب السياسية العراقية أمام تحدي الصيغة "الكونكريتية" التي وضع بريمر لبنتها الأولى، حين شرع في إنشاء صيغة شيطانية لتوزيع السلطة بين الطوائف.

دعونا نعود إلى الوراء قليلا، ولنتأمل في طبيعة المأزق الراهن، فمنذ جرت أولى عمليات محو وتفكيك الدولة في العراق بعد الاحتلال الأميركي يوم 9 أبريل/نيسان 2003 مباشرة، حين صدر القرار الشهير بحل الجيش وإلغاء بعض الوزارات (ومنها وزارة الإعلام والأوقاف الدينية التي انشطرت إلى هيئتين إحداهما للوقف الشيعي وأخرى للوقف السني) ثم طوال السنوات الست الماضية، والنقاش يتواصل دون كلل ولا ملل حول إعادة بناء الدولة.

بيد أن هذا النقاش يكاد يجري بين النخب السياسية بصورة منهجية تحت سقف خطاب طائفي بناه بريمر بيديه العاريتين. وتحت هذا السقف أصاخ العراقيون السمع بعيون دامعة، لموشح إعادة بناء دولة يستعيدون مع ذكراها، أمجاد خمسة آلاف عام هي عمر بلدهم العتيق في التاريخ، ولكن من دون أي دليل على أن هناك عملية إعادة بناء حقيقية.

ولذلك فما أشد ما يبدو التناقض في السجال الدائر الآن فاضحا ومحيرا، فهو يجري بين خطابين رائجين في الحياة السياسية لا يمكن التوفيق بينهما: خطاب يقوم على الترويج والدفاع عن الحق في تنظيم المحاصصة الطائفية وتكريسها كثقافة سياسية، وخطاب آخر يصدح بموشح إعادة بناء الدولة.

وكان السؤال المحير ولا يزال هو: كيف يمكن بناء دولة جديدة لجميع مواطنيها، بينما تنادي كل طائفة بحصتها من العراق القديم؟ لقد تبنت الخطاب الطائفي السائد معظم -وربما كل- الجماعات الحالية بما فيها الليبرالية، بل هي التي هللت له ودافعت عنه وبررته بوصفه انتصارا للعراق الجديد.

والآن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، فبعد ست سنوات من تطبيق صيغة بريمر للحكم، لم يعد بوسع أي حزب أن يتبرأ أو يتنكر لمسؤوليته عن هذه اللحظة من التاريخ العراقي، حين أعاد موظف أميركي من الدرجة الثالثة صياغة أفكار وبرامج وسياسات الأحزاب العراقية، ليضعها في سياق تصوراته هو عن الدولة الجديدة للعراقيين. هذه الدولة التي لم تكن وليست سوى مشروع قابل للانشطار إلى "دويلات" ملوك طوائف جدد، يصارع بعضهم بعضا دون هوادة.

"
صيغة المحاصصة كانت طائفية في الظاهر، أما في الباطن فكانت محاصصة بين أحزاب لا تحظى بأي تأييد حقيقي بين طوائفها
"
وأكثر ما أثار الدهشة في الأيام الأولى التي أعقبت سقوط صدام حسين أن النقاش بين الحاكم المدني الأميركي بول بريمر وقادة الأحزاب العراقية اتخذ منحى غير مسبوق في الثقافة السياسية التقليدية، حين أصر على أن تكون نسبة الشيعة 14 مقعدا، يخصص 13 منها للأحزاب الدينية، أما المقعد الرابع عشر فيخصص للحزب الشيوعي العراقي.

كانت عقيدته السياسية تقوم على "توزيع أسلاب العراق" على العراقيين ليتناهبوها دون رحمة. وقد روى بريمر بنفسه في مذكراته التي صدرت بعد مغادرته العراق، كيف أنه طلب هاتفيا من زعيم الحزب الشيوعي -وبما يشبه التهديد- أن يعطي الحزب موافقته فورا على شغل المقعد الرابع عشر عن الطائفة الشيعية وليس عن العلمانيين.

وحين وافقت قيادة الحزب الشيوعي على شغل هذا المقعد، وظهر مجلس الحكم إلى الوجود بتركيبته الطائفية كمؤسسة سياسية جماعية حاكمة، كان توزيع السلطة بين ملوك الطوائف يبزغ في تلك اللحظات، كما لو أنه مجرد تعبير عن ثقافة تقاسم سياسي، جوهرها توزيع أسلاب بلد كان ينصهر تحت القصف.

وفي اللحظة ذاتها التي كانت تجري فيها عمليات تجريف وتدمير بنى الدولة القديمة، كان توزيع السلطة يتجلى في أسطع الصور كتوزيع لغنيمة حرب بين الأحزاب الكبيرة، كالمجلس الإسلامي الأعلى (الحكيم) وحزب الدعوة (الجعفري) والحزبين الكرديين الديمقراطي الكردستاني (البرزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (الطالباني) والحزب الإسلامي ومعه جبهة التوافق.

كان ملوك الطوائف يتقاسمون الغنائم، بينما كانت طوائفهم تخوض في برك الدم.

المفارقة المثيرة التي تجلت آنذاك أن صيغة المحاصصة كانت طائفية في الظاهر، أما في الباطن فكانت محاصصة بين أحزاب لا تحظى بأي تأييد حقيقي بين طوائفها. ولذا أصبح توزيع السلطة توزيعا للمنافع والامتيازات بين أحزاب مسلحة، لا بين طوائف وقوميات محرومة ومهمشة.

لقد أخذ الحزب الطائفي وباسم الطائفة حصته من السلطة، وأخذ الحزب القومي حصته باسم القومية، في حين ظلت قوميته ترزح تحت عذاب الحياة اليومية القاسية والشاقة، وليحرمها مرة أخرى من أي حق.

واليوم حين يشاهد الإنسان ملايين الشيعة الفقراء في الجنوب وهم يعيشون حياة شقاء لا يمكن تصوره بحثا عن ماء صالح للشرب، أو عن لقمة نظيفة، أو ساعة يستريحون فيها تحت سقف مروحة البيت دون أن تنقطع الكهرباء في هذا الوقت من الصيف، فإنه سيدرك حقيقة أن الذين نهبوا العراق باسم الطائفة المحرومة والقومية المظلومة، إنما كانوا ينهبونه لمصالحهم الحزبية والشخصية.

ولعل بوسع المرء متى شاء، أن يمعن النظر في المشاهد التلفزيونية المحزنة ذاتها غربي العراق، حيث يعيش الملايين من أبناء السنة حياة شقاء لا توصف. أما في كردستان، فيكفي أن يلقي نظرة فاحصة على وجوه الفلاحين الأكراد، ليعرف بأي نوع من البؤس تلونت حياتهم.

لقد كان مجلس الحكم المؤقت هو الشكل المؤسسي الأكثر تعبيرا عن هذا النمط من توزيع السلطة.. كل شيء للحزب المسلح الناطق باسم الطائفة، ولا شيء للطائفة.

"
من سخريات القدر أن الانسحاب الأميركي من العراق، سيؤدي -عكس كل التوقعات- إلى تكريس نظام المحاصصة الطائفية، وربما يترك أطياف بريمر تختال مرحا في شوارع المدن العراقية حيث تستعد الجماعات المسلحة لخوض معركة الحسم
"
ولأن "التوافق الطائفي" بين الأحزاب على تقاسم المناصب الحكومية كان يؤدي إلى توافق على خطاب طائفي حتى في صفوف جماعات علمانية وليبرالية، فقد كان أمرا منطقيا أن يصبح كل حزب أو حركة شريكا في الدفاع عن "نظام بريمر".

اليوم، ثمة بوادر على أن التناقض بين خطاب إعادة بناء الدولة وخطاب المحاصصة قد بلغ طريقا مسدودا، وهذا هو جوهر المأزق الراهن في العملية السياسية الجارية في العراق.

إن البحث عن مخرج ديمقراطي يجنب البلاد أهوال حرب طائفية جديدة تلوح نُُذرها مع اقتراب موعد الانسحاب الأميركي، هو السبيل الوحيد للحفاظ على العراق كيانا موحدا، لكن المشكلة التي تشخص أمام أبصار كل القوى، سواء المناهضة للعملية السياسية أو الجماعات والقوى المنخرطة فيها، تكمن في أن تخطي سقف الخطاب الطائفي قد لا يتم بوسائل ديمقراطية وسلمية، وأن "فض الاشتباك مع بريمر" قد يتطلب استخدام القوة، أي القيام بثورة تطيح بنظامه.

ولذلك، فمن المرجح أن يواجه رئيس الوزراء في صراعه مع نظام المحاصصة، معارضة عنيفة من كل شركائه في الحكم لا من الأميركيين وحدهم.

وقد يكون من سخريات القدر أن الانسحاب الأميركي من العراق، سيؤدي -عكس كل التوقعات- إلى تكريس نظام المحاصصة الطائفية، وربما سيترك "أطياف بريمر" تختال مرحا في شوارع المدن العراقية، حيث تستعد الجماعات المسلحة لخوض معركة الحسم.

ولعل ما نقل عن كبار المسؤولين الأتراك مؤخرا، يشير إلى أن هذا الاحتمال لم يعد مجرد احتمال، فهم متخوفون من "حرب طائفية جديدة" وعنيفة ومدمرة، قد تؤدي إلى تقسيم العراق. وبحسب ما نقل عن هؤلاء، فإن الأميركيين عبروا عن نيتهم القيام بانسحاب سريع قبل الموعد المقرر.

وإذا ما وضعنا تصريحات رئيس الوزراء في سياق هذا الاحتمال، فإنه سيكون في المرحلة المقبلة أمام ثلاثة خيارات صعبة:

- إما أن يستبق الانسحاب وخطر اندلاع حرب طائفية، ببناء تحالفات جديدة تقوده إلى خوض معركة جدية ضد "صيغة بريمر" قد تمكنه من تقديم نفسه كزعيم للعراقيين لا لحزب أو طائفة. وكما يبدو من سلسلة معطيات، فإن المالكي لا يبدو قادرا على حشد قوى فعالة في هذه المعركة، ذلك أن مصالح القوى التي كرست صيغة المحاصصة ستعيق انتصاره أو نجاحه في زحزحة "ثقافة الغنيمة".

- وإما أن يؤدي الانسحاب المبكر والسريع للقوات الأميركية إلى تفجر حرب أهلية عنيفة وشرسة، بحيث ينفد الوقت أمامه ولا يتمكن من بناء هذه التحالفات. وفي هذه الحالة ستضطره الظروف إلى إعادة بناء تحالفاته القديمة من أجل مواجهة الخطر، ولذلك فمن المحتمل أن يتخلى عن الصراع ضد "بريمر" لصالح الحفاظ على مكاسب حزبه "الطائفية".

- أو أن يواصل الصراع "ضد بريمر" وينقلب على عقيدة المحاصصة. وفي هذه الحالة سيكون عليه أن يخوض الحرب الطائفية القادمة بنفس السلاح، أي أن يواصل تقديم نفسه للعراقيين كطرف رافض للتقسيم.

في مسرحية "فاوست" للكاتب الألماني الشهير غوته، يصارع فاوست الشيطان لوقت طويل، وحين يشعر بالإنهاك والتعب، وأنه لن ينتصر عليه في نهاية المطاف، يتقدم نحوه ويسأله عما يريد منه، فيقول له الشيطان: بعني نفسك، ويعود فاوست ليسأل: وماذا تعطيني لقاء نفسي؟ فيقول الشيطان: كل ما ترغب.. المال والنساء والسلطة.

مثل هذا الصراع يدور اليوم في مسرح العراق الدامي بين الطوائف وشياطين بريمر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك