عزمي بشارة

عزمي بشارة

ولد في الناصرة ( الجليل) عام 1956 ونشأ فيها. يسكن في حيفا والقدس متزوج وله طفلان: وجد وعمر


النص الكامل لمحاضرة الدكتور عزمي بشارة في الجامعة الأميركية في بيروت يوم 15 مايو/أيار 2009 الماضي بمناسبة الذكرى الـ61 للنكبة

الأخوات والإخوة الأعزاء،
إنه لشرف كبير لي أن أكون اليوم بينكم في هذا الصرح الأكاديمي العريق بمناسبة الذكرى الحادية والستين للنكبة، وهو الصرح ذاته الذي شهدت أروقته منذ ستين عاماً الكلمات الأولى لكتاب قسطنطين زريق "معنى النكبة"، وكتابه الثاني "معنى النكبة مجدّداً" فيما بعد.

صحيح أن آباءنا (أجدادكم أنتم الشباب) الذين عاشوا النكبة حينذاك، لم يتوقعوا يوماً أن نحيي الذكرى الحادية والستين للنكبة لأنهم كانوا موقنين حينها بأن إسرائيل دولة مزعومة لن يكتب لها الحياة طويلاً في التاريخ وضمن جغرافيا المنطقة العربية.

غير أن الصهاينة أيضاً وفي أسوأ كوابيسهم، لم يظنوا أبداً أنه بعد مرور 61 عاماً على النكبة، سيكون هناك شباب ما زالوا مصرّين على إحياء تلك الذكرى.

ويكتسب وجود هذا الحشد هنا اليوم معنى خاصاً، إذ إنه يشكّل ردّاً حاسماً على من سولت له نفسه من الرؤساء العرب أن يهنئ "إسرائيل" دون خجل بيوم "استقلالها" الذي هو يوم نكبة للفلسطينيين.

هذا الحشد الكبير في هذا الصرح الوطني والأكاديمي الكبير دليل قاطع على أن القضية ما زالت حية، مما يدحض مزاعم الدولة الصهيونية وبعض الدول العربية الرسمية التي فقدت ذاكرتها ولم تعد تعرف التاريخ الذي سبق عام 1967.

إن مجرد وجودنا اليوم سوية لإحياء ذكرى النكبة يثبت عمق الهوة التي تفصل بين النظام العربي الرسمي وبين الرأي العام العربي.

"
آباؤنا الذين عاشوا النكبة لم يتوقعوا يوما أن نحيي الذكرى الحادية والستين للنكبة لأنهم كانوا موقنين حينها بأن إسرائيل دولة مزعومة لن تكتب لها الحياة، كما أن الصهاينة أيضا في أسوأ كوابيسهم، لم يظنوا أبدا أنهم بعد 61 عاما سيجدون شبابا مصرين على إحياء تلك الذكرى
"
فلسطين قضية العرب
اكتسبت عملية إحياء ذكرى النكبة أهمية خاصة منذ إطلاق ما يسمى بعملية السلام العربية التي لم يكتب لها الانطلاق -ناهيك عن الاستمرار- لولا مجموعة فرضيات عمل، منها فصل القطري عن القومي.

ويشكل تهميش ذكرى النكبة عام 1948 إحدى أهم ركائزها، إذ يتناول المعجم السياسي العربي الحالي كلاماً بشأن تحرير الدول العربية لأراضيها المحتلة عام 1967، مما يشير إلى وجود صراعات عربية إسرائيلية سابقة أدّت إلى احتلال أراضي بعض الدول عام 1967.

أي أن حالة الحرب كانت سائدة ما بين عامي 48 و67، حين قاتل العرب في الجولان وسيناء من أجل تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، أو قاتلتهم إسرائيل لأنهم لم يعترفوا بها، ولأنهم رفضوا توطين الفلسطينيين، وكانت حالة الحرب سياسة بعضهم الفعلية، وسياسة الجميع الرسمية على الأقل.

أما الركيزة الثانية فهي افتراض أن قضية فلسطين مشكلة الفلسطينيين، ومشكلة كيانية فلسطينية في النهاية، وحتى ذلك الحين اعتبرت إسرائيل أي تحرك عربي -حتى على مستوى تحديث الدولة- تهديدا لها، لأن فلسطين لم تكن بمفهوم العرب قضية الفلسطينيين وحدهم، وإنما كانت قضية العرب أجمعين. فقضية فلسطين ارتبطت في الواقع وفي الأذهان ارتباطاً وثيقاًُ برؤية هذه الأمة لنفسها ولمستقبلها.

صحيح أن الفلسطينيين كانوا الضحية المباشرة، إلا أن الأمة العربية برمتها كانت هي المستهدفة بالتجزئة والهيمنة من قبل الاستعمار.

أما السعي من قبل بعض الدول العربية إلى عقد صفقة منفردة في سياق ما يعرف باتفاقيات سلام منفرد مع إسرائيل على أساس مبدأ "الأرض مقابل السلام"، فقد انطلق من ضرورة وضع حد للصراع من منطلق أمن الأنظمة وليس مصالح شعوبها ودولها، وقد تطلب وضع حد لصراع الدولة العربية مع إسرائيل الافتراض بأن قضية فلسطين قضية الفلسطينيين وحدهم، فالصهيونية في الأساس مشروع سياسي للحركة الصهيونية التي رأت نفسها كحركة قومية حديثة متحالفة مع الاستعمار وجاهزة للتحول إلى استعمار استيطاني كتذكرة دخول إلى الحضارة الغربية والى عالم الأمم الغربية. وقد تبنّاها الاستعمار البريطاني لأسباب ثقافية وإستراتيجية واقتصادية، واستهدف الأمة العربية في إطار فكرة تجزئتها وتقسيمها.

لذا، ومن أجل السير في ركب عملية سلام، تمسي الإصابة بالنسيان الجماعي ضرورة حتمية بهدف التخلص من الذاكرة الجماعية.

صحيح أن الصهيونية سعت إلى تكريس نفسها كحركة قومية تبني أمة على غرار قومية أوروبا الوسطى في القرن التاسع عشر بهدف تحرير الإنسان اليهودي من حالة المنفى من خلال بناء الدولة ونفي المنفى، وليمسي اليهود شعباً كبقية الشعوب.. وصحيح أنه كان هناك جانب ثقافي ديني متعلق بنظرة الأنجليكانية الرسمية لمهمتها التاريخية، إلا أن تبني الاستعمار للصهيونية، (وتبني الأخيرة له ولأهدافه) يتسم بأبعاد أخرى مختلفة تماماً تتعلّق برؤيته الإستراتيجية للمنطقة لا فلسطين وحدها.

و"صودف" أن الشعب الفلسطيني هو من كان موجوداً على الأرض، "فتعثر" المشروع الصهيوني بهذا المشروع الوطني القائم على أرضه. ولذلك فإن اعتبار قضية فلسطين قضية للفلسطينيين وحدهم، تعني حكماً تزوير التاريخ، ولا عجب في ذلك، إذ إن هناك صناعات أكاديمية كاملة تعيش على تزوير التاريخ.

ولا بد أن يقوم تزوير التاريخ في مثل هذه الحالة المتعلقة بمعنويات الأمة وفهمها لذاتها ولتواصلها، على تشويه النفوس قبل تشويه عملية التأريخ، فهو يحتاج إلى إنشاء عربي من نوع جديد تطغى عليه القطرية، وهذا يعني حتى القبلية والطائفية وغيرها في الدولة القطرية، فمن لا يعتبر قضية فلسطين قضيته لا يكتفي بذلك بل يبدأ وينتهي إلى التعريفات الأضيق، حيث لا يعود جنوب لبنان قضية كل اللبنانيين والعرب، ولا الجولان قضية كل السوريين والعرب، بل تضيق الانتماءات تدريجياً ليتفوّق الانتماء القبلي والعائلي والعشائري على ما عداه من الانتماءات: جنوب لبنان محتل هذه قضية الجنوبيين.. وإذا انتشر هذا النمط فقد يؤدي إلى أن كون الجولان محتلا ربما يفترض أن يعني ذلك الجولانيين، كما تعني غزة الغزاويين والقدس المقدسيين.. لا حدود لما قد يصل إليه التدهور الذي يبدأ بالتخلي عن قومية المعركة ضد الاحتلال والاستيطان.

"
اعتبار قضية فلسطين مقتصرة على قضية الأراضي المحتلة عام 1967 يعني تنظيم عملية نسيان لنكبة عام 48، وتهميش قضية اللاجئين كقضية تفاوضية، وبداية كتابة تاريخ منفصل لكل كيان على حدة خارج السياق العربي الشامل
"
قضية فلسطين هي إما قضية العرب، أو هي ليست قضية بل صراع حدود بين كيان فلسطيني وآخر إسرائيلي، تماما مثلما هي مسألة عالقة في عملية صناعة السلام بين إسرائيل والدول العربية المنفردة. ليس هناك من قضية فلسطينية غير عربية، وليس هناك من قضية فلسطين منفصلة عن المسألة العربية.

أما اعتبار قضية فلسطين مقتصرة على قضية الأراضي المحتلة عام 1967 فيعني كما أسلفنا أولاً تنظيم عملية نسيان لنكبة عام 48، وثانيا تهميش قضية اللاجئين كقضية تفاوضية، وثالثاً بداية التعريف بالذات خارج السياق العربي من خلال كتابة تاريخ منفصل لكل كيان على حدة خارج السياق العربي الشامل..

وليس صدفة أن يجري بموازاة خيارات السلام المنفرد إحياء لهويات غير قائمة ولا متخيلة كالهوية البابلية والفينيقية والفرعونية، ثم لننتهي منها إلى الهويات ما قبل القومية مثل الهوية الطائفية. فهذه على الأقل حقيقية، أو على الأقل قابلة للتخيل، وهي التي تقوم عليها الهويات القطرية.

كما تعني رابعا، الإصرار على ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني مسؤول عن شؤون الفلسطينيين للتحرر من عبء القضية الفلسطينية.. كانت هذه ضرورة، ولكن التعاطي الرسمي معها وتشجيعها لم يكن بريئا ولم يكن لصالح الفلسطينيين، فهي لم تسع للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني بقدر ما كان يهمها التحرر من عبء القضية الفلسطينية وإلقائه على "أصحابه" الجدد.

لمسألة الاعتراف بالممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وجهان: وجه تحرير القرار الوطني الفلسطيني من الصراعات العربية أو المحاور العربية كما تفاعلت في الستينيات والسبعينيات وبعد حرب أكتوبر 73، ووجه آخر هو التحرر من عبء القضية الفلسطينية والتمهيد لسلام منفرد.

ترون إذا أيها الإخوة أن قضية فلسطين أثرت حتى على صناعة الهويات في الوطن العربي ناهيك عن الأيديولوجية، فهي إذا قضية في صلب ما يجري في كل دولة عربية، لذلك هي قضية عربية بامتياز.

وعندما اكتشف الرئيس أنور السادات فجأة محبته للفلسطينيين ودعم بقوة الممثل الفلسطيني الوحيد عام 74 في الرباط في مواجهة الأردن، لم يكن ذلك بدافع الحرص على استقلالية القرار الفلسطيني، وإنما استعداداً لعقد اتفاقية كامبد ديفد، وتمهيداً لا لتحرير القرار الفلسطيني من التأثير العربي، وإنما لتحرير قراره هو من القضية الفلسطينية، داعياً الممثل الفلسطيني لتدبير شؤون شعبه. وكانت سبقت ذلك تغيرات بنيوية حقيقية في الاقتصاد والسياسة وخيارات جديدة في ما يتعلق بالتحالفات الدولية.

نظام الفصل العنصري والاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية
تُبنى كل الفرضيات السابقة كما أسلفنا على أن ارتباط العرب بقضية فلسطين بدأ عام 67 بسبب احتلال أراضي دول عربية، بعدما كانت مقتصرة على الفلسطينيين منذ عام 48. إلا أنه حتى القراءة التي تبدأ عام 67 لتصل إلى المفاوضات، تثبت أن قضية حق العودة ليست قضية تفاوضية، إذ إنها لا تصلح للتفاوض لا في مسار تفاوضي عربي منفرد ولا في إطار تفاوضي فلسطيني منفرد، فإسرائيل لا تتراجع في مسألة حق العودة على طاولة مفاوضات.

وما يجري اليوم من مفاوضات لا يهدف إلا إلى عقد سلام منفرد عربي إسرائيلي، وسلام منفرد فلسطيني إسرائيلي، بدلاً من إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.

وفي الذكرى الحادية والستين للنكبة، لا بد من الإشارة إلى شيوع بعض المصطلحات التي لم يكن جيل الخمسينيات والستينيات ليتخيّل مجرد احتمال تداولها، كمثل الحديث عن المسارات و"الطرفين": الطرف الفلسطيني والطرف الإسرائيلي الموجوديْن في عملية سلام ووجود "متطرّفين لدى الطرفين" و"معتدلين لدى الطرفين" و"عنف من قبل الطرفين".

وفي الأسبوع الماضي شهدنا كيف يواجه البابا بالعتب كونه لا يدين الطرفين وليس طرفا واحدا، وأن يتم ذكر الأسرى من الطرفين. وتتم مقارنة جندي إسرائيلي واحد أسير بـ11 ألف سجين فلسطيني، علماً بأن الجندي الإسرائيلي لم يخطف من منزله، بل كان في دبابة يقصف حي مدنيين في غزة.

ليس هناك من إمكانية لمقارنة من هذا النوع لهذه السياقات بالذات إلا في إطار هيمنة فكرة المسارات بين أطراف، وكأن الصراع قائم بين أصحاب حقوق متنافسة أو متصارعة.

إن العودة إلى الثوابت مهمة جداً ليس في سياق سلفية أو أصولية ما، فلست من المتعصبين لثوابت بهذا المعنى، بل أعني بذلك القضية الفلسطينية نفسها، ما هي، لتثبيت البديهيات ووضعها في نصابها.

وهنا لا أتحدث عن خطاب تقدمي مقابل خطاب رجعي، بل عن نضال عادل وعن نضال من أجل تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني. أما تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني والأمة العربية فتعني العودة إلى ما جرى عام 48.

فقضية فلسطين هي قضية النكبة، هي قضية استعمار استيطاني لفلسطين، وقد اتخذ هذا الاستعمار الاستيطاني منذ عام 67 أشكالاً تماثل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولكنه في الحالتين نظام عنصري.

"
الاهتمام الغربي بالفلسطينيين مرتبط بالمسألة اليهودية، ولو كان الاستعمار بلجيكيا أو فرنسيا أو هولنديا لما أثارت القضية اهتمام أحد ولاستقل الشعب الفلسطيني واسترد أرضه منذ زمن
"
صحيح أن نظام الفصل العنصري الذي أقامته الحركة الصهيونية عام 48 أدى إلى تشريد الناس وإلغائهم وإبعادهم عن وطنهم، وهو فصل عنصري صهيوني قام على أساس تشريد السكان. إلا أن الاستعمار الاستيطاني اتخذ شكل فصل عنصري أكثر شبها بجنوب أفريقيا في حالة بقاء السكان في الأراضي المحتلة عام 67، إذ إن هناك كتلة ديمغرافية بقيت في فلسطين عام 67، مما أدى إلى الحرمان المباشر من الحقوق في ظل الحكم العسكري وصولا إلى الجدار والفصل العنصري فيما بعد.

ولكن مبدأ الفصل العنصري لم يعمل به منذ عام 67 فحسب، بل منذ عام 48، حيث يُعرف الفصل العنصري في إسرائيل من خلال شكلين: شكل تهجير الناس للحفاظ على نقاء الدولة اليهودية، في حين يهدف الشكل الآخر إلى بناء جدار يفصل بين الناس. وقد بدأ هذا النوع من الصراع عام 48 لا عام 67، وحتى من هذه الزاوية لا بد من اعتبار النكبة حية.

أما الأمر الآخر المهم في إحياء ذكرى النكبة فهو سؤال كبير يواجهنا حالياً، ألا وهو جدوى الإصرار على قضية فلسطين بعد مرور 61 عاماً على النكبة، في زمن الكوارث الطبيعية الناجمة عن تغير المناخ والتي قد تشرّد 900 ألف نسمة في غضون أيام.

ولا يكمن السبب في كوننا شعب الله المختار نصر على العدالة أكثر من غيرنا ونرفض أن ننسى أكثر من غيرنا ونتمسك بوطننا أكثر من غيرنا، لسنا شعب الله المختار بل ضحايا من يعتبر نفسه شعب الله المختار، وربما نحن كما قال ناجي العلي رحمه الله شعب الله المحتار.

فالتمييز الذي مورس بحق الشعب الفلسطيني يتضمن إهمال قضيته وليس الاهتمام بها، كما لم يعرف الأمر شعب آخر وقع تحت استعمار حديث.

ليس هناك من حركة تحرر وطني بعد الحرب العالمية الثانية استمرت 61 عاما، إذ إن جميع حركات التحرر في العالم أنجزت مهام تحررها.

لا يعود ذلك إلى أنه ليس هناك من اهتمام زائد بقضية فلسطين، بل لأنه ليس هناك من اهتمام أصلاً بقضية فلسطين. وفي الزمن الذي حُلّت كل القضايا الوطنية في العالم، ما زالت قضية فلسطين عرضة لمزيد من التعقيد.

وما سبب الاهتمام الدولي المتنامي الظاهر للعيان إلا لكون قضية فلسطين تقع عند تخوم المسألة اليهودية. الاهتمام هو بالمسألة اليهودية، وبفلسطين يتم الاهتمام بالنفي.. إنه اهتمام معكوس. وفي الواقع، ما الفلسطينيون سوى ملاحظة هامش في العلاقات المركبة التاريخية بين الغرب والمسألة اليهودية.

إن الاهتمام الغربي بالفلسطينيين مرتبط بالمسألة اليهودية، ولو كان الاستعمار بلجيكياً أو فرنسياً أو هولنديا لما أثارت القضية اهتمام أحد ولاستقل الشعب الفلسطيني واسترد أرضه منذ زمن.

ولقد حوّلت المسألة اليهودية وتعقيداتها في الغرب الفلسطيني إلى مجرّد كومبارس في سياق سؤال تحديدات الهوية الغربية إزاء المسألة اليهودية، التي ينبثق منها صراع الهوية الأوروبية الحديثة التي كانت تساق أمام الآخر الداخلي وأمام الآخر الخارجي. والآخر الداخلي في هذه الحالة هو اليهودي المعتبر، هو الآسيوي الشرقي حين يكون في أوروبا، في حين أن الآخر الخارجي هو المسلم.

وقد ارتبطت قضية الآخر الخارجي بالنسبة للغرب ولفترة طويلة بالشرق، فاعتبر الأوروبيون -وفقاً لنظرياتهم العنصرية المختلفة- اليهود امتداداً للشرق في الغرب، فكان كل صراع صراعا في داخل العلاقة مع الآخر حول تحديدات الذات مع هذه العلاقات، سواء أكانت من الناحية الدينية أو من ناحية الصراع. ولم تكن أوروبا لتسمح لليهودي بالاندماج.

وبما أن موضوع الندوة اليوم هو قراءات في النكبة والتاريخ، أسمح لنفسي فقط بالإشارة دون الغوص في الموضوع، إلى أن الغرب اعتبر خروج اليهودي من أوروبا شرطاً لقبوله كأوروبي.

ففقط بعد خروجه من أوروبا وإقامة دولة خارجها صار التعامل معه كأنه أوروبي من نفس الحضارة.. يصبح اليهودي المضطهَد في أوروبا والمرفوض أوروبيا، مقبولا عندما يتخلص ويخلص أوروبا من كونه آخر داخليا ويمثل أوروبا في الخارج خير تمثيل لها وللاستعمار الاستيطاني.

وكانت هذه هي الصفقة التاريخية بين الاستعمار وبين الصهيونية: لدى خروج اليهود من أوروبا تُعتبَر إسرائيل امتدادا للغرب في الشرق الكبير. وكانت هذه الصفقة التاريخية مريحة للطرفين، أما الضحية فيها، فهي الأمة العربية عبر فلسطين.

وهكذا نشأت إسرائيل امتداداً للاستعمار في المنطقة العربية، وكان شرط قبول اليهود كأوروبيين أن يصبحوا استعماريين واستيطانيين.

وفي ما يتعلق بتحديد ما هي القومية، لا بد من التساؤل عن ماهيتها: هل هي عرقية أم تقوم على المواطنة؟ والمسألة القومية في أوروبا الوسطى والشرقية بشكل خاص، مسألة صراع مع الآخر، دينيا وإثنيا هو اليهودي الداخلي، وقد اتخذ شكل امتداد لصراع البروتستانتية والكاثوليكية مع اليهودية كأنه وحدة وصراع الأضداد.

المسألة اليهودية مسألة أوروبية بامتياز، وتستحيل قراءة الصهيونية من دون هذه الصفقة اللاواعية، إذ نحن بصدد براءة بأثر رجعي للتاريخ وبأثر تراجعي في التاريخ.

ونحن نرى نهايتها الآن، أن أوروبا والحضارة الغربية بشكل عام تتضامن مع إسرائيل في إسقاط العداء للسامية على العرب من جهة، وإسرائيل تتعاون مع أوروبا في تخليصها من المسألة اليهودية واعتبار نفسها الممثل الأوحد لتاريخ اليهود عالميا، من جهة أخرى.

لذلك ما الانشغال العالمي في قضية فلسطين سوى انشغال بالذات وبالهوية وبالآخر الداخلي والخارجي وليس بقضية فلسطين ولا بالغبن اللاحق بالفلسطينيين.

"
قضية فلسطين أسيرة مسألة عربية غير محلولة حولتها إلى قضية بين دول عربية مختلفة تعيش صراعات في ما بينها، فهي تارة قضية أيديولوجية بالنسبة للدول التي تقدم نفسها كأنظمة راديكالية ثورية، وطورا قضية صفقات مع الاستعمار والولايات المتحدة عند نوع آخر من الأنظمة
"
هذا الانشغال يتبلور في أسوأ حالاته، حيث التماهي الأوروبي مع استيطان استعماري في عدائه وارتكابه مجازر بحق السكان الأصليين، خاصة أنهم من الحضارة التي تعتبر آخرا خارجيا، في حين يستحق الأوروبي/الإسرائيلي الجديد التضامن الثقافي بالإضافة إلى التضامن الاقتصادي والعسكري.

وفي أفضل الحالات يؤدي التوجه النقدي إلى الضغط على الطرفين من أجل الاعتراف ببعضهما والمباشرة بعملية سلام وإطلاق وساطة أوروبية.. تريح أوروبا من مسؤوليتها المزدوجة عن العداء للسامية وعن القضية الاستعمارية في الشرق.. بدل أن تقف في مثل هذه الحالة مع الضحية، فإنها تقف مع عملية السلام بين طرفين.

وهكذا تحوّل جميع تلك المحاولات القضية الفلسطينية إما إلى ناتج جانبي لعلاقات غربية إسرائيلية، أو إلى حقّين متساويين يتصارعان على الأرض نفسها، لا ينقصهما سوى عملية سلام واعتدال وواقعية ووسيط نزيه.

لم يكن الاهتمام بالقضية الفلسطينية بمجملها يوماً، اهتماماًً بالفلسطينيين أنفسهم، ولهذا لم تنتهِ قضية فلسطين بل ازدادت تعقيداً مع مرور الزمن.

ليس صحيحاً القول إذاً بأن هناك اليوم اهتماماً دولياً أكبر وتضامناً متنامياً مع قضية فلسطين، فهذه الأخيرة تأثرت أكثر من أي قضية أخرى سلبا بالتطورات الدولية.

فقد شهدت القضية الفلسطينية منذ نشأتها محاولات لتحويلها إلى كبش فداء لصراعات دولية عديدة، منذ ثورة 36-39 التي شكلت عبئاً على الإمبراطورية البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية، وحتى انعكاس الانهيار الذي أصاب المعسكر الاشتراكي مروراً بكل تطور دولي، مما جعلها على مر العقود وبشكل غير مسبوق، أسيرة للتطورات والتشابكات الدولية.

قضية فلسطين إذا هي أسيرة المسألة اليهودية الأوروبية. أما مصدر التعقيد الثاني، فيكمن في كونها أسيرة مسألة عربية غير محلولة حوّلت قضية فلسطين إلى قضية بين دول عربية مختلفة تعيش صراعات في ما بينها، فهي تارة قضية أيديولوجية بالنسبة للدول التي تقدم نفسها كأنظمة راديكالية ثورية، وطورا قضية صفقات مع الاستعمار والولايات المتحدة عند نوع آخر من الأنظمة.

وقعت قضية فلسطين على تقاطع مسألتين معقدتين جداً، تعرف إحداهما بالمسألة اليهودية في حين أعرف أنا الأخرى على أنه المسألة العربية في الشرق، وهي نفس المسألة التي تجعل الدول العربية تبحث عن حلول منفردة مع إسرائيل طالما أن مسألة الأمة غير محلولة. وعند نقطة الالتقاء والتشابك، تقع القضية الفلسطينية.

في ظل هذا يستحيل أن نقول إن قضية فلسطين لاقت اهتماماً فاض عن حاجتها، حيث إن هناك كماً هائلاً من العناصر الدولية التي تحالفت ضدها بصورة غير مسبوقة في التاريخ.

هل قضية فلسطين قضية لاجئين؟
تختلف الرؤى في تحليل سبب شن إسرائيل لحرب عام 67، فقد اعتبرها البعض محاولة منها لإسقاط "الأنظمة التقدمية"، في حين أن هناك شريحة واسعة تدعي أن هدف الحرب كان التوسع من النيل إلى الفرات. وكون إسرائيل لم تتوسع من النيل إلى الفرات، يمسي مدعاة للفرح حيث اقتصر الاحتلال على سيناء والضفة والجولان. وما نظرية النيل إلى الفرات سوى أسطورة عربية إسرائيلية، فالإسرائيليون عاجزون عن احتلال أراضٍ تمتد من النيل إلى الفرات، ولم يستوعبوا غزة وهم بالكاد يستوعبون الضفة. وطبعا بدلاً من الإقرار بالهزيمة يتم تعظيم قدرات إسرائيل وإمكانياتها وأهدافها.

وقد تكون هناك أهداف اقتصادية أيديولوجية للحرب، ولكن الهدف الإستراتيجي الحقيقي شبه المعلن وما يجري ممارسته سياسيا هو احتلال أراضٍ لمبادلتها بإنهاء حالة الحرب العربية مع إسرائيل والاعتراف بها والتطبيع معها، وذلك في فترة لم تجف عنها بعد دماء حرب 48، وذلك بعد مرور 19 عاماً على نكبة فلسطين. تحقيق مثل هذا الاعتراف والتطبيع وقبول إسرائيل في المنطقة بعد أقل من 19 عاما على أكبر عملية سطو مسلح على وطن عربي، يعتبر إنجازا تاريخيا لإسرائيل دون تحقيق شعار "من النيل إلى الفرات".

وهل من إنجاز أهم من ذلك؟ كانت إسرائيل تعيش حينها حالة من الحرب وعدم الاستقرار والتسلل والعمليات الفدائية وبدايات جنينية لولادة حركة تحرر وطني فلسطيني حديثة. وكان هناك إيمان عربي قاطع بضرورة تحرير الأرض وتفكيك هذا الكيان، ولم تكن هناك ثقة إسرائيلية أو دولية ولا حتى بين ما يسمى يهود الشتات، بإمكانية استمراره.

وفلسطينيا كما قلنا، كانت قد شكلت منظمة التحرير من جهة ومنظمات العمل الفدائي من جهة أخرى، وكان الإيمان بإمكانية التحرير قويا لدرجة تدفع العلماني للاستشهاد من أجل فلسطين قبل المتدين.

وأذكركم هنا أن قضية التضحية والاستشهاد التي تبدو الآن خاصة بالمتدينين والحركات الدينية ليست بالضرورة علمانية أو دينية، وإنما هي مسألة إيمان بقضية.. وأبدت حينها الحكومة الإسرائيلية نيتها للانسحاب من الأرض عندما أرسلت فورا برقية إلى الرئيس الأميركي حينها ليندون جونسون عبّرت فيها عن استعدادها للانسحاب من الأراضي التي احتلتها باستثناء القدس، (وهي قضية مختلفة حيث ضمت القدس مباشرة إليها)، وفيما عدا ذلك هي ترغب بأن تبادل الأراضي بالسلام مع العرب وغيرهم.. وطبعا تطورت مطامع إقليمية وبوشر بسياسة الاستيطان.

أما الادعاء بأن تحرير أرض دولة عربية احتلت في حرب يونيو/حزيران مقابل السلام المنفرد مع إسرائيل هو إنجاز كبير، فنذكر أنه كان يعتبر بمنطق قمة الخرطوم التي عقدت بعد الحرب مباشرة خيانة.

لقد جاءت لاءات الخرطوم "لا مفاوضات لا صلح لا سلام"، لكون هدف تلك الحرب هو تحقيق الاعتراف بإسرائيل وعقد اتفاقية سلام معها مقابل الأرض التي تنسحب منها.

أكثر من ذلك، إن قيام أول دولة عربية وأكبرها بالخطوة الأولى بالتوصل إلى اتفاق سلام مقابل استعادة سيناء، بدّد حتى حاجة إسرائيل إلى مبادلة كل الأرض بالسلام. فبعدما كانت المساومة صعبة في البداية، باتت سهلة بعد تحقيق مثل هذا الاعتراف، فهو كاد يستثني الحرب العربية كخيار بعدما انتشر الاعتقاد القائل إن الحرب غير ممكنة دون مصر.. وبذلك لم يعد السلام مع الآخرين ملحا.

"
الفلسطينيون الذين ادعوا أن المهمة مهمتهم فقط هم أنفسهم تحولوا في النهاية إلى ما يشبه نظاما عربيا رسميا، والعرب الذين تناسوا النكبة هم أنفسهم الذين أقاموا أنظمة عسكرية، وهم أنفسهم الذين أقاموا أنظمة فساد
"

لم تكن هذه حصادا لنتائج حرب أكتوبر كما يُدّعى، بل مأسسة لهزيمة عام 67. وتحولت هذه الخطوة مع الوقت إلى نموذج يُقتدى به من قِبل كل الدول العربية يحمل أسماء متنوعة كتطبيق قرار 242 "الأرض مقابل السلام"، بالإضافة إلى الاسم الأكثر رواجاً حالياً ألا وهو "تحقيق الشرعية الدولية"، وهو مصطلح عربي يفتقر إلى أي ترجمة له باللغات الأجنبية.. هناك شرعية أخلاقية وشرعية وطنية، ولكن ليست هناك من شرعية دولية.. إنه مصطلح ابتكره العجر العربي وفقدان إرادة المواجهة.

وهكذا أيضا صُمم هذا النموذج المسمى "الأرض مقابل السلام" لتمسي معه قضية فلسطين قضية الأراضي المحتلة عام 67، في حين أن الانسحاب إلى حدود 4 يونيو/حزيران كان يسمى عربيا "إزالة آثار العدوان"، وكان يعتبر شرطاً للمفاوضات. كان الانسحاب إلى أراضي 67 هو شرط التفاوض وليس نتيجة التفاوض، ولم يكن يعرف بالانسحاب من الأراضي المحتلة بل عرف بـ "إزالة آثار العدوان"، أي أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه قبل الحرب.

وتبقى المعضلة الكبرى هي هذا التبني الفعلي "الرسمي" الفلسطيني (وما الرسمي قبل قيام الدولة؟ ما الرسمي بلغة حركات التحرر؟) لاختزال قضية فلسطين في قضية الأراضي المحتلة عام 67، ولاسيما أنها تطرح من قبل لاجئين شردوا عام 48.

فمنظمة التحرير الفلسطينية بسلبياتها وإيجابياتها قد انطلقت لكونها حركة لاجئين من دون أرض، وتكمن كل من سلبياتها وإيجابياتها في هذه النقطة بالذات، إذ إنها ليست حركة الفلسطينيين على الأرض، حيث لم تقم في الضفة أو عند عرب 48، بل انطلقت من مناطق اللجوء والشتات (في الكويت ولبنان وسوريا والأردن وغيرها، ومن ضمنها غزة التي كانت وما زالت أشبه بمخيم كبير للشتات لجأ إليه أهالي يافا جنوباً، وليست مجرد منطقة محتلة عام 67).

كانت منظمة التحرير وفصائل العمل الفدائي عموما حركة لاجئين، ولم تنشأ في المناطق التي احتلت عام 67، بل قبل ذلك. وهنا لا بد من طرح المسألة التالية المتعلّقة بمفهوم الحق وتشويه استخدامه عربيا ليتماشى مع السياسات الجديدة، وكمثل على ذلك نأخذ "حق المقاومة" و"حق العودة".

لقد لحق تعديل غريب عجيب على حق العودة المشتق من قضية لاجئين شردوا من ديارهم بغير حق بفعل حربي، وذلك بعدما تحول "الحق" إلى ورقة تفاوضية في مسار فلسطيني إسرائيلي على مسألة دولة واحدة من 22 دولة عربية.

هنا أصبح حق العودة حقا نظريا، والمطلوب اعتراف نظري به، ولكن ليس حق ممارسته. ومنذ أن صار هناك سلام ومسارات لعملية السلام، جرى التنازل عن الأدوات الأخرى واعتبار التفاوض هو الطريق الوحيد.

وتعتبر المقاومة حقاً نظرياً. وانتشرت عربيا ظاهرة الاعتراف بحق المقاومة، ولكن من دون إمكانية استخدامه، بل ويحارب ويمنع من يمارسه. وهكذا منعت المقاومة الفلسطينية من كافة الجبهات العربية مع إسرائيل الواحدة تلو الأخرى، وذلك ليس لأن هناك إستراتيجية حربية عربية للتحرير يجب أن تنصاع المقاومة لها، بل لأنه في إطار السلام مع إسرائيل لدى الأنظمة التزامات تنفذها بممارسة أشكال القمع والاعتقال كافة بما فيها تسليم المقاومين إلى إسرائيل.

غير أن حق المقاومة النظري يبقى محفوظا، فلا يمانع أحد في حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، إلا أنه لا أحد يقبل ممارسة فعل المقاومة الفلسطيني.

ماذا فعلنا أكاديميا لترميم مفهوم الحق؟ حق المقاومة من دون مقاومة، وحق العودة لكن من دون عودة، بما يعني القهوة من دون كافيين (ديكاف)، وطبّق ذلك في كل من مصر (التي باتت تتدخل بحق المقاومة حتى في قطاع غزة المحتل) والأردن.. وفي سوريا ومنذ عام 1982 في لبنان، وذلك دون أن تعقد الدولتان الأخيرتان اتفاق سلام ولتجنب الانجرار إلى حرب مع إسرائيل.

أما فلسطينيا فالمصيبة أكبر، إذ يتم في إطار السلطة الفلسطينية التنسيق أمنيا مع إسرائيل ضد المقاومة، وهذه أهم نتائج اتفاق أوسلو.

لقد آن الأوان للكلام عن واجب الشعوب في مقاومة الاحتلال، وواجب الدول في دعم المقاومة، وليس عن حق الشعوب في مقاومته، فهذا حق تقره الشرائع الدولية والاعتراف به ليس فضيلة نضالية. في أوساط الشعب الفلسطيني والأمة العربية يجب الحديث عن واجب الشعوب في مقاومة الاحتلال وليس حقها.

وكما يرتبط حق المقاومة بممارسته كواجب، كذلك يرتبط حق العودة بدور اللاجئين السياسي، فهم حملة وأصحاب هذا الحق وهذه القضية، ولا يعقل أن يقتصر دورهم على التضامن مع غزة، في حين أنهم الأصل. الأصل هو حق العودة، والعودة مرتبطة بمشروع التحرير، إذ إن انتزاع حق العودة بالتفاوض مستحيل، فكيف استحال دور الشتات إلى التضامن مع غزة؟ وما دور الشتات الفلسطيني؟ وكيف يمكن استعادة هذا الدور؟

لا بد من طرح هذه الأسئلة في ذكرى النكبة، إذ يجب أن لا يكون إحياؤها احتفالا، لأن النكبة ما زالت مستمرة والشتات ما زال مستمرا، ورأينا مظاهر من كليهما مؤخرا متجلية في حال لاجئي العراق ونهر البارد.

من يهتم بهؤلاء الناس ويرعى شؤونهم؟ ومن ينظمهم لأخذ دورهم في النضال؟ لا بد أن يحدد هذا السؤال بنية حركة التحرر الفلسطينية، ليمسي الباقي نقاشاً نظرياً أكاديمياً.

إذا كان اللاجئون الفلسطينيون خارج عملية صنع القرار في حركة التحرر الفلسطينية يصبح حق العودة كلاما ليس إلا. ويشمل السؤال دور اللاجئين في عملية صنع القرار وأين هو صوتهم في عملية صنع القرار الفلسطيني؟

فهناك خشية حقيقية من إخراج اللاجئين من عملية صنع القرار لأن ذلك من شأنه أن يحوّل القضية الفلسطينية إلى مجرّد جلسات تفاوض وورش حوار لنخب منفصلة عن واقع القضية الأصلي، في حين أن واقع المخيم على شفير الانفجار.

حق العودة وواجب المقاومة
النكبة قضية العرب ولن يتحرر العرب ما لم يتحرر الفلسطينيون، ولن يتحرر الفلسطينيون دون أن يتحرر العرب. وهذا لا يعني أن نتيجة تقود إلى أخرى، بل إن هذه صيرورة واحدة مترابطة لا تؤجل فيها مهمة بانتظار الأخرى، فالقضيتان مرتبطتان ارتباطاً عضوياً لا ينفصم.

المقاومة وحدها تحقق انتصارات وإنجازات وتصد عدوانا وتبلور إرادة شعب، والمقاومة تبين لمجمل الأمة إمكانية الانتصار، ولكنها وحدها لا تكفي لتحرر فلسطين، ولا بد من جهود الأمة، ولا يجوز تحرير العرب من هذا العبء.

وقد كانت كل المحاولات العربية الرامية إلى وضع إحداهما، التحرير ثم تغيير الحالة العربية، أو تغيير الحالة العربية كشرط للتحرير، كانت كلها محاولات عبثية لأنها لا تقوم على ترابط جدي بين الأمرين. فعملية التحرير هي نفسها في القضيتين، وهي متشابكة مترابطة ليس لها أول ولا آخر.

الفلسطينيون الذين ادعوا أن المهمة مهمتهم فقط هم أنفسهم تحولوا في النهاية إلى ما يشبه نظاما عربيا رسميا. والعرب الذين تناسوا النكبة هم أنفسهم الذين أقاموا أنظمة عسكرية، وهم أنفسهم الذين أقاموا أنظمة فساد.

فتذرّعت تلك الأنظمة الاستبدادية بالإنفاق العسكري لكونه أنهك الاقتصاد الوطني، في حين أنه لو لم يكن هناك فلسطين لاخترعت تلك الأنظمة أسباباً أخرى تعلّل بها ضعف اقتصادها.

وليس صحيحاً أن هذه الأنظمة أمست استبدادية لأنها لم تتمكن من تطوير بناها ومؤسساتها نتيجة الاستنفار الدائم لمواجهة إسرائيل، فالإنفاق الاقتصادي والبشري لا علاقة له البتة بقضية فلسطين، وأكبر دليل على ذلك أن أكثر طرف على تماس بقضية فلسطين عسكرياً واقتصاديا وإنسانياً واجتماعيا هو إسرائيل.

فلماذا تمكنت إسرائيل من إنشاء اقتصاد مزدهر ومؤسسات علمية ومن تأسيس ديمقراطية لليهود من طراز خاص، ومن تعزيز استقلالية محاكمها إضافة إلى تطوير هويتها الوطنية ولغتها العبرية؟ ولماذا يدخل اقتصادهم عالم "الهاي تيك" و"المايكرو أوبتكس" وباتوا يحصلون على جوائز نوبل في العلوم في ظل حالة حرب واستنفار دائمين؟

إنهم حاربوا فعلياً بالقدر الذي حاربت به كل الدول العربية مجتمعة، لا بالقدر الذي حاربت به كل دولة على حدة. إنهم أكثر "دولة" تحملت "عبء قضية فلسطين" بالمعنى المعكوس للكلمة طبعا.

لماذا يسجل اقتصادهم معدّل نمو وصل في فترات معينة إلى7%، محققاً بذلك أرقاماً قياسية؟ لماذا الطبقة الوسطى مقبلة دائما على التوسّع؟ حدث هذا كله أثناء الحرب، ولذلك لم يقولوا "نريد أن نعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، لم يعد في وسعنا تحمل المزيد". طبعا هناك عوامل كثيرة مثل الدعم الأميركي وغيره، ولكن كان هناك مال عربي أيضا.

"
لا تريد الأنظمة العربية أن تحارب ولا تسمح للطرف الآخر أن يقاوم، مما يجعل المفاوضات عبثية لفقد الطرف الآخر سببا لتقديم تنازلات حقيقية فيها، وهكذا تسد كل الآفاق
"
المسألة الأساسية هي طبيعة الأنظمة وليس نوع المهمة، فبعض المهام التي تنوء بها أنظمة تزدهر لها أنظمة أخرى وتشكل لها دافعا للنمو والتطور.

ما لا شك فيه أن التخلي عن قضية فلسطين هو كبش فداء لألف هدف في نفس يعقوب للحفاظ على أنظمة الدكتاتورية القائمة وعلى الظلم السائد. إن أمن النظام وليس الأمن القومي هو الذي تطلب ذلك، وهذا ناتج عن طبيعة كل نظام ولا علاقة له بقضية فلسطين. ولا يتحمّل الشعب الفلسطيني انطلاقا من العام 48 وزر هذه القضايا.

لم يشكل الفلسطينيون بجمهور لاجئيهم كارثة طبيعية على الناس، بالإضافة إلى أنه كان بإمكان قضيتهم أن تكون محفزاً على التطور الاقتصادي والاجتماعي ومحفزاً للدَمَقرَطة ومحفزاً للعدالة، وهذا كان ليحدث لو كانت هذه هي خيارات أنظمة الحكم السائدة، ولكان الأمر مختلفا.

ففي إسرائيل يعتقدون أنه للتمكن من القتال بالطريقة المثلى لا بد من ترتيب الوضع الاقتصادي وتعزيز الطبقة الوسطى وتوفير تأمين صحي وغيرها من الضمانات. وتستحيل الحالة الحربية إلى حالة تطوير للاقتصاد وللتنسيق بين الجيش والأبحاث والصناعة، وليس العكس.

وكثيرا ما يُتهم الفلسطينيون زوراً بأنهم سبب التدهور الاقتصادي في البلاد التي لجؤوا إليها، في حين أن دورهم كان جلب ازدهار اقتصادي في العديد من الحالات ككفاءات وكناس عاملين.

وفي هذا السياق لا بد من التساؤل التالي: أولاً، ماذا تعني كلمة لاجئين بالعربية بالنسبة إلى قوم عرب؟ وثانياً، كيف يتهمهم بعض العنصريين بأنهم كانوا "عالة" في حين أنهم أحضروا كل هذه الكفاءات والقدرات وبذلوا كل هذا الكد والكدح والجهد وشاركوا في بناء دول حقيقية في المنطقة، من جهاز التربية إلى جهاز القضاء، وليس فقط في بناء شركة خاصة أو شركتين؟

وأخيرا، لا بد من طرح السؤال التالي: ماذا سيحل بالمخيم الفلسطيني من دون حق عودة، إذ إننا لا نستطيع أن نتعامل معه دائماً كمسألة نظرية تقتصر على الدراسات والأبحاث. نحن الآن أمام المشهد التالي: تم تهميش منظمة التحرير الفلسطينية كإطار للاجئين أيضا بعد اتفاقيات أوسلو، ويجري إحياؤها تكتيكيا لغرض مواجهة تيار من خارجها فاز بالانتخابات كأداة فقط ضد حركة المقاومة لتهميشها وتفريقها، في حين تخوض السلطة الفلسطينية عملية سلام متعلقة بالضفة والقطاع متذرّعة بأنه لم يبق لديها خيارات أخرى.

ولذلك في مثل هذه الظروف، لا يبدو حق العودة قريباً، ولاسيما في ظل منع المقاومة من ممارسة حقها من الخارج بسبب تهويل النظام الرسمي العربي من قوة إسرائيل. لا يريدون خوض الحرب ولا يريدون السماح لأحد بالمقاومة.

لقد كانت الحرب الحقيقية الوحيدة التي خاضها العرب في القرن العشرين هي الحرب ضد إيران بواسطة العراق بدعم من معظم الدول العربية ولاسيما الخليجية، واستمرت ثماني سنوات. وسقط في هذه الحرب مئات الآلاف من الشهداء، في حين راح هؤلاء العرب أنفسهم يهوّلون مسألة سقوط ألف شهيد في لبنان وفي غزة، معتبرين ذلك تدميراً للبلدان والشعوب.

وبلجوئها إلى تلك الذرائع، تعبّر تلك الأنظمة العربية عن عدم رغبتها في خوض الحرب مع إسرائيل، وهي جميعها من دون أي استثناء، تمنع المقاومة الفلسطينية من أراضيها وعبر حدودها. إن سقوط ألف شهيد لا يعني البتة إبادة شعب، وإن كان يعتبر من جرائم الحرب.

لا تريد الأنظمة العربية أن تحارب ولا تسمح للطرف الآخر أن يقاوم، مما يجعل المفاوضات عبثية لفقد الطرف الآخر سببا لتقديم تنازلات حقيقية فيها، وهكذا تسدّ كل الآفاق.

في مثل هذا الوقت الذي تمنع فيه الدول العربية المقاومة الفلسطينية من أراضيها، لا يبدو حق العودة قريبا. أما المقاومة المجيدة الباقية في لبنان فهي باقية لأنها لبنانية، وبفعل ضعف الدولة المركزية، وكذلك نوع المقاومة الباقية داخل فلسطين لعدم تمكن السلطة من فرض نفوذ كامل على الضفة وغزة بعد.

لقد بقي الفلسطيني في المخيم بعد النكبة إما لأن العودة قريبة أو للالتحاق بصفوف المقاومة، لأن المخيم قاعدة مقاومة. لابد من طرح حق المخيم الفلسطيني في المقاومة والانخراط في ركب حركة تحرر وطني فلسطيني يضطلع فيها بدور طليعي. ولكن يشهد المخيم الفلسطيني إنتاج خطاب سياسي متعلق به يجعله يتساءل: ما معنى المخيم دون عودة قريبة ومن دون مقاومة؟

صحيح أن اللاجئين في مخيمات شمال لبنان وفي غيرها من مناطق اللجوء صامدين وصابرين، إلا أنه لا أحد يستطيع أن يلغي وظيفة المخيم التاريخية، ألا وهي إما أن اللاجئ موجود ليعود إلى دياره، أو أنه موجود في مخيم لأنه مدرسة للمقاومة وقاعدة لها.

إذا لم نجب على هذا السؤال الملح وبسرعة فإن النتيجة ستكون تحويل المخيم إلى غيتو وحي فقر، ونحن نعرف سوسيولوجيا ماذا تنتج الغيتوهات وأحياء الفقر.

وفي الختام، إذاً لابد من طرح هذه الأسئلة المشروعة في الذكرى الحادية والستين للنكبة، وهي أسئلة متعلقة بمشاريع كبرى، منها إعادة مناقشة الوضع الفلسطيني والعلاقة مع الوضع العربي، وخلق حالة من الضغط السياسي والفكري عبر وعي هذه الأسئلة وطرحها، وهناك فصائل ومنظمات ودول من واجبها أن تجيب على هذه الأسئلة وأن نناقشها على إجاباتها هذه، وإلا نسمح لها بالتهرب بالخطاب الديماغوجي.

ولا أعرف مكانا أفضل من الجامعة ومن هذا الجيل للبدء بالمناقشة وطرح الأسئلة.

المصدر : الجزيرة