الطيب زين العابدين

الطيب زين العابدين

محلل سياسي سوداني وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم

 

انعقدت بمدينة لاهاي الهولندية في الأسبوع الثالث من أبريل/ نيسان الماضي"المحكمة الدائمة للتحكيم" لتنظر في قضية "ترسيم حدود منطقة أبيي" التي تعد أكبر عقبات تنفيذ اتفاقية السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية؛ وقد أدى النزاع حولها إلى انسحاب وزراء الحركة الشعبية من مجلس الوزراء الاتحادي نهاية 2007م وإلى مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي في أغسطس/آب من العام الماضي.

لم يتمكن الطرفان في مفاوضات نيفاشا، التي امتدت من عام 2000 إلى نهاية 2004، من التوصل إلى حل معضلة أبيي حتى تقدم جون دانفورث مبعوث الرئيس الأميركي في مايو/ آيار 2004 بمقترح مفصل مكتوب وافق عليه الطرفان، وأدرج ضمن اتفاقية السلام الشامل تحت مسمى بروتوكول أبيي.

"
أصرت الحركة الشعبية على استثناء منطقة أبيي من حدود 56 لأنها أخذت من بحر الغزال وضمت إلى مديرية كردفان عام 1905 لأسباب إدارية، ورضيت الحكومة كارهة بذلك الاستثناء, واحتدم الخلاف بعد ذلك حول حدود المنطقة 
"
لقد وافق الطرفان في إعلان المبادئ الذي وضعته دول الإيقاد الأفريقية راعية اتفاقية السلام عام 1994 وفي مبتدأ التفاوض عام 2000، على أن الحدود بين شمال السودان وجنوبه هي ما تركته الإدارة البريطانية عند الاستقلال يوم 1/1/1956. رغم ذلك أصرت الحركة الشعبية على استثناء منطقة أبيي من حدود 56 لأنها أخذت من بحر الغزال وضمت إلى مديرية كردفان عام 1905 لأسباب إدارية، وهى منطقة تضم قبائل جنوبية عريقة لا ينبغي أن تكون جزءاً من الشمال العربي.

رضيت الحكومة كارهة بذلك الاستثناء، واحتدم الخلاف بعد ذلك حول حدود المنطقة التي حولت في ذلك التاريخ البعيد من الجنوب إلى الشمال، وحلاً لذلك الاختلاف اتفق الطرفان على تشكيل "مفوضية لترسيم الحدود " تتكون من خمسة عشرة عضواً (خمسة أعضاء تسميهم الحكومة وخمسة تسميهم الحركة الشعبية وخمسة خبراء تسميهم دولهم المشاركة في المفاوضات: أميركا وبريطانيا وجنوب أفريقيا وكينيا وإثيوبيا).

مهمة المفوضية كما نصّ عليها البروتوكول هي تحديد وترسيم منطقة مشيخات دينكا نقوك التسع التي حولت إلى كردفان سنة 1905، تحديد المنطقة المذكورة على الخريطة وترسيم حدودها على الأرض، وتسعى المفوضية لإصدار قرار بالإجماع، وإذا فشل الطرفان في الوصول إلى اتفاق بينهما يكون الرأي النهائي للخبراء الخمسة.

وسيجري نهاية الفترة الانتقالية (منتصف 2011) استفتاء منفصل لأهالي منطقة أبيى للاختيار بين: وضعهم الإداري الخاص التابع للشمال أو الانضمام إلى بحر الغزال في الجنوب بصرف النظر عن نتيجة استفتاء تقرير المصير لأهل الجنوب.

استلم الخبراء الخمسة الذين ترأسهم السفير الأميركي السابق بالسودان دونالد باترسون (وهو ليس خبيراً بالمعنى الدقيق للكلمة) منذ البداية ملف ترسيم الحدود، ولم يحاولوا جمع المفوضية لمناقشة القضية فيما بينهم، بل طلبوا من ممثلي الحكومة والحركة التقدم بمذكرة ضافية مدعمة بالوثائق والأدلة حول رأي كل فريق في ترسيم حدود المنطقة المعنية.

ولما وجد الخبراء أن الاختلاف كبير بين طرفي النزاع، اعتبروا أن ذلك يسوِغ لهم الانفراد بترسيم الحدود دون مشاركة بقية أعضاء المفوضية. وبعد دراسة الوثائق والخرائط والاستماع إلى أهل المنطقة من الدينكا والمسيرية، قام فريق الخبراء بتسليم تقريرهم بوضع الحدود إلى رئاسة الجمهورية منتصف يوليو/ تموز 2005 دون عرضه ومناقشته في المفوضية.

فوجئت الحكومة بأن تقرير الخبراء يقول إنه فشل في معرفة حدود 1905، ومع ذلك منح دينكا نقوك منطقة واسعة تمتد إلى أكثر من 100كيلومتر شمال بحر العرب كانت تعتبر من صميم أراضى عرب المسيرية التابعين لمديرية كردفان، وبما أن المسيرية عرب رحل ينتقلون معظم شهور السنة شمالاً وجنوباً من بحر العرب وليس لديهم قرى مستقرة مثل الدينكا الذين يعملون أساساً بالزراعة، ولكن أسلوب معيشتهم المترحل لا ينبغي أن يسلبهم حقهم في ملكية أراضيهم التي عاشوا فيها لمئات السنين. لذلك رفضت حكومة السودان تقرير الخبراء في الحال على أساس تجاوزه صلاحيات المفوضية في ترسيم حدود المنطقة التي حولت من بحر الغزال إلى مديرية كردفان عام 1905.

اعترضت الحكومة على تغيير الخبراء لأصل التفويض الممنوح لهم وهو تحديد منطقة بحر الغزال التي حولت إلى كردفان عام 1905؛ فقد قال الخبراء في تقريرهم إن المنطقة غير محددة بصورة دقيقة أو علمية لذلك يقع عليهم تحديد "طبيعة الأرض الثابتة رسمياً أو الأرض المملوكة أو استخدام الحقوق بواسطة مشيخات دينكا نقوك التسع". وذهبوا إلى البحث عن الحقوق القبلية المألوفة والمتعلقة بتاريخ متأخر جداً (1956 إلى 1965) عن التاريخ المحدد لهم.

واعترضت أيضا على عدم إعطاء المفوضية مكتملة فرصة في التوصل إلى إجماع حول الحدود كما ينص البروتوكول، واحتجت على أن بعض طرق جمع المعلومات من الوثائق والشهود تمت خارج الإجراءات والمصادر المتفق عليها وبدون معرفة الطرف الذي يمثل الحكومة مما يكشف عن سوء قصد.

"
من المتوقع أن تصدر محكمة لاهاي قرارها في يوليو/ تموز المقبل والذي سيكون مصيرياً بالنسبة لأهل السودان وخاصة قبائل الدينكا والمسيرية في منطقة أبيى التي عرفت بالتعايش السلمي في الماضي البعيد والقريب 
"
استمر الجدال والتحرش بين الشريكين (الحكومة والحركة) بسبب مشكلة أبيى ثلاث سنوات، بعد تسلم تقرير الخبراء انسحبت فيها الحركة محتجة من مجلس الوزراء الاتحادي، ووقع صدام مسلح بين قوات الحكومة ومليشيات الحركة في منطقة أبيى، وأخيرا توصل الطرفان في يوليو/ تموز 2008 إلى عرض النزاع على المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي بعد إصرار الحكومة على رفض تطبيق تقرير الخبراء.

طلب الطرفان من محكمة لاهاي الفصل في موضوعين محددين:
أ- هل التزم خبراء المفوضية بالتفويض الذي منح لهم حسب بروتوكول أبيى في اتفاقية السلام الشامل؟ إذا قررت المحكمة أن الخبراء لم يتجاوزوا تفويضهم تعلن ذلك، ويصدر حكمها بالتنفيذ الفوري لتقرير الخبراء.

ب- إذا وجدت المحكمة أنهم تجاوزوا تفويضهم تعلن ذلك وتواصل العمل في تحديد منطقة مشيخات دينكا نقوك التسع التي حولت إلى كردفان في 1905، بناءً على مرافعات الطرفين أمامها والوثائق التي سلمت لها.

يتوقع أن تصدر المحكمة قرارها في يوليو/ تموز المقبل والذي سيكون مصيرياً بالنسبة لأهل السودان، وخاصة قبائل الدينكا والمسيرية في منطقة أبيى التي عرفت بالتعايش السلمي في الماضي البعيد والقريب قبل أن تنزل عليهم لعنة الاستقطاب السياسي في اتفاقية السلام الشامل!

وتقدمت كل من الحكومة والحركة الشعبية للمحكمة بوثائق وخرائط وشهود يعضدون وجهة نظركل طرف في ترسيم الحدود، وكلف كل طرفٍ أربعة من كبار المحامين في بريطانيا وفرنسا وأميركا بتولي الدفاع عن قضيته. وشهدت قاعة محكمة لاهاي في قصر السلام ستة أيام من المرافعات الراقية (من18 إلى 23 أبريل/ نيسان الماضي) بين أكثر المحامين خبرة في نزاعات الحدود الدولية، وقد سعدت بحضور تلك المرافعات الراقية من التاسعة صباحاً إلى السادسة مساءً دون ملل، وفاضت قاعة المحكمة المحدودة (نفس قاعة محكمة العدل الدولية) بحوالي مائتين من السودانيين الذين جاؤوا بدعوة من الحكومة والحركة كمراقبين وشهود وممثلين لطرفي النزاع.

وكانت التجربة لمن يعرف اللغة الإنجليزية متعة ذهنية وقانونية ولغوية من الدرجة الأولى (كان مستوى الترجمة من الإنجليزية إلى العربية ضعيفاً) ولا أحسب أن مثل تلك التجربة تتكرر في حياة المرء أكثر من مرة.

ومن موقع المراقب المستمع للمرافعات، أظن أن الوثائق والخرائط التي قدمتها الحكومة أقوى حجة وأكثر إقناعاً مما قدمته الحركة، وفطن محامي الحركة لتلك النقطة وبررها بأن الحكومة لم تمكن دفاع الحركة من كافة الوثائق المتاحة في مصلحة المساحة السودانية، وردت عليه الحكومة بأن الوزير المشرف على مصلحة المساحة ينتمي للحركة الشعبية وليس لحزب المؤتمر الوطني! كما أن محامي الحكومة كانوا أكثر خبرة وحنكة وتنسيقا من محامي الحركة الشعبية، ولكن كبير محامي الحركة كان ذكياً لماحاً وفصيحاً في مقارعته الحجة بالحجة.

وأقدر بأن الحكومة قد تكسب نتيجة التحكيم بنسبة طفيفة أعلى من الحركة، وإذا خسرت الحكومة القضية فلن تخسرها بضعف أدلتها المادية على حدود المنطقة المتنازع عليها ولكن بتساهلها الساذج منذ البداية في صياغة البروتوكول وقبول أسماء الخبراء وإجراءات تنفيذ التفويض.

كان ينبغي النص في البروتوكول على حدود منطقة أبيى حسب مرسوم الحاكم العام البريطاني ونجت باشا عام 1905 الذي قال إنها جنوب بحر العرب بدلاً من صياغة جديدة تفتح الباب للتأويلات، ولم تعترض الحكومة على مندوبي أميركا وبريطانيا بين الخبراء وهما معروفان بعدائهما لحكومة السودان ولهما في ذلك كتب منشورة، وعدم احتجاج الحكومة في وقتها على جمع الخبراء معلومات بطرق سرية وخارج قواعد الإجراءات المتفق عليها، وعدم اعتراض الحكومة على تسليم تقرير الخبراء لرئاسة الجمهورية قبل أن يناقش في المفوضية مكتملة. وقد استغل محامي الحركة هذه النقطة فقال إن الحكومة لم تتذكر عدم مناقشة المفوضية للتقرير إلا بعد أن وجدت أنه ليس في صالحها!

"
سكان منطقة أبيي من الدينكا الجنوبيين والمسيرية العرب مقاتلون أشاوس ولن يقبلوا أبداً بالتنازل عن أراضيهم أو الانضمام إلى غير قوميتهم التي يعرفونها بصرف النظر عن قرار المحكمة وقبول الطرفين به
"
السؤال المهم حالياً هو: هل يقبل الطرف الذي يخسر القضية بنتيجة التحكيم؟ إجابتي على ذلك بلا! فالمنطقة المتنازع عليها تبلغ حوالي 11 ألف كيلومتر مربع أى أكثر من مساحة دولة مثل لبنان، وتضم أكثر من نصف حقول البترول في السودان، وهى أخصب الأراضي الزراعية وأكبر المراعي لتربية الحيوان.

وسكان المنطقة من الدينكا الجنوبيين والمسيرية العرب مقاتلون أشاوس، ولن يقبلوا أبداً بالتنازل عن أراضيهم أو الانضمام إلى غير قوميتهم التي يعرفونها بصرف النظر عن قرار المحكمة وقبول الطرفين به.

وقد تحسب طرفا النزاع لذلك بدعوة أكبر عدد من زعماء القبيلتين لحضور مرافعات المحكمة في لاهاي، ولا أظن أن ذلك سيجدي كثيراً! وإذا وقع القتال بين القبيلتين بسبب قرار المحكمة، فسيتبع ذلك مساندة معلنة أو غير معلنة من الحكومة لجانب المسيرية ومن الحركة لجانب الدينكا؛ بل قد يقوم الطرف الذي يخسر التحكيم بتحريض القبيلة التي يساندها لبدء المعركة، وعندها لن تقتصر الحرب على منطقة أبيى وحدها!

أحسب أن التسوية السياسية بين القبيلتين كانت أجدى وأسلم لحل المشكلة من اللجوء إلى المحاكم، وقد يكتشف الطرفان ذلك مؤخراً بعد أن تطحن الحرب بينهما أعداداً كبيرة من المواطنين مثل ما حدث في مشكلة الجنوب نفسها!
ـــــــــ
كاتب سوداني

المصدر : الجزيرة

التعليقات