وحيد مفضل


إنفلونزا الخنازير والأمراض الأخرى
المتضررون والمنتفعون
سيناريوهات الخطر ووضعية الدول العربية
تطورات الوباء بين العلم والواقع والأمل

إلهي.. رحماك!. ماذا ألم بالعالم من حولنا؟! وإلى أين يا ترى مآلنا؟! من أزمة اقتصادية عالمية طاحنة إلى نزاعات وحروب إقليمية مهلكة، إلى بشائر وباء قادم وخطير، انفلت من قمقمه فجأة، ببراثن شريرة وعطشى للعبث بالأجساد الواهنة، حاصدا في بضعة أيام مئات الإصابات والوفيات، ومبشرا بالفتك بالمزيد وقادم أسوأ وبغيض، وكأن العالم ينقصه بلاء جديد، ومن الخنازير هذه المرة!

المثير للقلق، أننا أمام سلالة جديدة من فيروس غامض لا توجد معلومات كافية عنه، ولا وجود لدواء شاف أو علاج حاسم منه، مع قدرته عن التعبير عن نفسه وإثبات ذاته بكل نشاط وتجدد، وهي أمور تكفي لإمكان انتقاله وانتشاره بين البشر، مثل انتشار النار في الهشيم.

من دواعي القلق أيضا تداعي الأمور وعدم اعتراف الفيروس بحواجز الجغرافيا، إذ تمكن من الانتقال من مكمنه بالمكسيك عابرا المحيطات إلى 16 دولة أخرى خلال فترة وجيزة، وهو أمر يشير إلى أن العالم على شفا حفرة من التعرض لوباء قاس، لا يعلم إلا الله وحده مداه ومنتهاه.

نحن إذن أمام خطر حقيقي يستدعي حشد كل الهمم، دون تهويل، ويستدعي أيضا حشد كل المعارف والسبل الممكنة، من أجل وقف مخاطر ذلك الفيروس اللعين، مع الأخذ في الاعتبار بأن التوعية والوقاية هما السبيل الوحيد المتاح أمامنا حاليا -في غيبة الأمصال والأدوية الناجعة والشافية- لمواجهة الموقف الحالي.

إنفلونزا الخنازير والأمراض الأخرى

"
قرب الإنسان بشكل أكثر وأطول من اللازم من الحيوان، وحالة التماس والتلامس الدائم التي بات عليها مع كثير من الحيوانات، قد ساعدت قدرة الفيروسات على التحور والقفز من نوع إلى آخر، مسببة الأمراض لهذا وذاك
"
رغم الهجمة الآنية الشرسة لفيروس "أتش 1 أن 1" المسبب لإنفلونزا الخنازير، فإنه وللمفارقة ليس فيروسا جديدا على الإطلاق، بل هو معروف منذ زمن، حيث تم اكتشافه وعزله بنجاح منذ ما يقرب من ثمانية عقود، وتحديدا في العام 1930.

ومنذ ذلك الحين تُسجل له كل سنة عدة إصابات (دون وفيات)، كما سُجلت له سابقا حالة انتشار وبائي واحدة، وإن كانت محدود وقصيرة للغاية، حينما أصاب المرض في عام 1976 حوالي 200 شخص بولاية نيوجيرسي، وأسفر ذلك عن وفاة وحيدة لا غير. لكن الفيروس شائع على أي حال وسط الخنازير، وعادة ما يظهر بينها موسميا بخاصة في الشتاء والخريف، مخلفا وفيات تصل إلى 5% من الإصابات الحادثة.

لكن بعيدا عن أصل الفيروس وأعراض الإصابة به وسبل الوقاية منه، وهي معلومات بات الجميع على دراية بها، بسبب التغطية الإعلامية المكثفة لتطورات المرض عالميا، فإن انتشار هذا الفيروس ومن قبله إنفلونزا الطيور وسارس وطائفة أخرى من الأمراض الوبائية مثل حمى الإيبولا وجنون البقر وغيرها من الأمراض الحيوانية، أصبح يثير تساؤلات كثيرة عن سبب اختلال العلاقة بين الإنسان والحيوان، وتحولها عن مظاهرها الصحية التي بقيت عليها طوال العصور السابقة إلى علاقة غير صحية، وبدرجة يمكن القول معها بأن الحيوان بات مصدرا لمعظم عذابات الإنسان وأمراضه المستعصية الحالية، بعد أن كان سندا أزليا له في الحياة.

تُرى هل يرجع السبب في ذلك إلى إخراج الإنسان للحيوان من بيئته الطبيعية وحصره في بيئة صناعية بعيدة كل البعد عن الفطرة والبرية؟ أم يرجع إلى انتقال تلك العلاقة من مربع المودة والرحمة إلى مربع الجور والافتراء، ومن صفة السند والمعاونة إلى صفة الإجبار والسخرة، في مخالفة صريحة وسافرة لوصية الأديان السماوية بالرفق بالحيوان؟

الواقع أن قرب الإنسان بشكل أكثر وأطول من اللازم من الحيوان، وحالة التماس والتلامس الدائم التي بات عليها مع كثير من الحيوانات، سواء كان هذا بغرض الألفة أو الاتجار والتربح أو أنماط الاستغلال الأخرى، قد ساعدت قدرة الفيروسات على التحور والقفز من نوع إلى آخر، مسببة الأمراض لهذا وذاك.

تدخل الإنسان أيضا في نمط تغذية الحيوانات، لا سيما تلك الكائنة بالمزارع والحظائر التجارية، وإمداده الدائم لها بمكونات غير صحية سواء كانت في شكل مساحيق دم وعظم أو في شكل أعلاف ومخلفات حيوانية وآدمية، ناهيك عن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية والهرمونات والبروتينات، قد أدى إلى توالد سلالات جديدة ضعيفة البنية والمقاومة، وبقدر سهل كثيرا من مهمة الفيروسات في غزوها وإمراضها، وساهم أيضا في ضعف مناعتنا وبنيتنا الجسمانية نتيجة انسياب كل هذه المكونات، أو قل السموم، إلى دمائنا وأجسادنا، المثقلة أصلا بصنوف أخرى وشتى من الملوثات.

ولأن الإنسان رهين بما كسبت يداه، فلا يمكن إذن أن يكون تدخله في الفطرة الحيوانية بلا ثمن، كما لا يمكن أن يستمر جشعه واستغلاله القصري للحيوانات دون عاقبة أو دون أن تجني يداه ثمار ما اقترفت، ويبدو أن هذا هو فعلا الحادث حاليا!

المتضررون والمنتفعون
في نتاج كل أزمة يوجد وكما هو متعارف ضحايا ومتضررون، وهم عادة الفئة الأغلب، كما توجد أيضا وفي المقابل طائفة أخرى من المنتفعين والمتربحين، سواء كان هذا من واقع استغلال الظروف أو بحكم مجال العمل أو المهنة.

وقد بدت هذه الحالة جلية للغاية في كابوس فيروس إنفلونزا الخنازير الساري حاليا، حيث تداخلت المصالح بشكل واضح، كما بدا أن هناك عزفا منفردا من أكثر من طرف على نغمة الأديان والنعرات القومية وحسابات الربح والخسارة.

ففي البدء طالعنا أحد حاخامات إسرائيل بوجوب تغيير تسمية إنفلونزا الخنازير إلى "الإنفلونزا المكسيكية" لأن في ذلك -بحسب ما يرى- نوعا من الهجوم على التعاليم الدينية اليهودية والإسلامية، وكلاهما يحرم أكل لحم الخنزير. بيد أن الاقتراح لم يعجب بالطبع أهل المكسيك، لأنهم رأوا في الاسم الجديد وصما لبلادهم بأنها أصل الفيروس، وهو ما يخالف الحقيقة بحسب اعتقادهم.

المنظمة العالمية لصحة الحيوان عزفت أيضا على وتر "الرفق بالحيوان" عندما نادت بعدم ظلم الخنازير، كون الفيروس الآخذ في الانتشار هو سلالة هجينة من إنفلونزا الطيور والبشر وليس الخنازير فقط، مما ينفي وجود أي مبرر لربط المرض بالخنازير، على الأقل من حيث التسمية.

"
على مستوى الدول يعتبر الاقتصاد المكسيكي بطبيعة الحال من أكثر الاقتصادات المتأثرة بتداعيات تفشي المرض، أما شركات تصنيع الدواء والأدوات الطبية اللازمة هي بالطبع أكبر الرابحين من وراء الأزمة
"
منظمة الفاو سارت على نفس النهج تقريبا حينما انتقد أحد مسؤوليها الحكومة المصرية بسبب إقدامها على تصفية مزارع الخنازير، مشيرا إلى عدم وجود مبرر حقيقي لقتل الخنازير.

كما سارت على الدرب نفسه الممثلة الفرنسية السابقة بريجيت باردو، بحكم محبتها للحيوانات ودفاعها عنهم، موجهة رسالة بهذا المعنى للرئيس مبارك شخصيا. لكن الانتقاد فقط لم يكن هو لغة ثلة المنتفعين من وراء تربية الخنازير والعمل بالحظائر والمجازر الخاصة بها في مصر، بل كان الاحتجاج والاحتكاك العنيف بالأجهزة الحكومية هو السمة الرئيسية التي غلبت انفعالاتهم وردود أفعالهم.

المثير في الأمر أن منظمة الصحة العالمية، وفي محاولة منها على ما يبدو للخروج من خلافات وإشكاليات التسمية، بما انبنى عليها من خسائر فادحة للمنتفعين من تربية الخنازير أو ربما استجابة منها للضغوط، قررت اعتماد اسم الفيروس "أي أيش 1 أن 1"، للإشارة إلى المرض عوضا عن مسماه الشائع الحالي.

أما على الجانب الاقتصادي، فقد كانت لإنفلونزا الخنازير تأثيرات واضحة، كارثية لبعض المجالات وربحية لمجالات أخرى. وقد كانت البورصات الآسيوية والأوروبية والأميركية بطبيعة الحال هي أكثر البورصات تأثرا بالأوضاع، حيث هبطت بشكل واضح أسعار أسهم شركات كثيرة عاملة في مجال الطيران والسياحة والفندقة، كما انخفضت مؤشرات غالبية البورصات العالمية بشكل واضح، لا سيما في أواخر الشهر المنصرم، حيث كان القلق من تفشي الفيروس وتحول الأمر إلى وباء شديد على كل التعاملات.

على مستوى الدول، يعتبر الاقتصاد المكسيكي بطبيعة الحال من أكثر الاقتصادات المتأثرة بتداعيات تفشي المرض، بسبب قرار روسيا -وهي ثاني أكبر مستورد للحوم الخنزير- وقف استيراد هذه اللحوم من المكسيك، وبسبب انخفاض عائدات السياحة، وتعطل قوة العمل وغلق الأماكن العامة، وهو ما أثر سلبا على قيمة العملة المحلية (البيزو)، لتنخفض بنحو 3% أو أكثر.

شركات تصنيع الدواء بخاصة المحتكرة لعقار تامفليو وريلينزا وأفلونوف والكمامات الواقية وغيرها من الأدوات الطبية اللازمة، هي بالطبع أكبر الرابحين من وراء الأزمة. والأرباح هنا لا يمكن تقديرها، لكنها ستكون بالطبع خيالية، بسبب حق احتكار تلك الكيانات للملكية الفكرية الخاصة بالأدوية والأدوات الطبية المسجلة باسمها.

سيناريوهات الخطر ووضعية الدول العربية
بحسب منظمة الصحة العالمية، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لا رابع لها، تحدد إمكانيات تطور فيروس إنفلونزا الخنازير عالميا خلال الفترة المقبلة. أسوأ هذه السيناريوهات يتلخص في احتمال تفشي فيروس المرض على نطاق واسع وبشكل وبائي وممتد مخلفا ملايين الضحايا، كما حدث سابقا في حالة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، التي خلفت ما يقرب من 40 مليون ضحية خلال 18 شهرا من انتشارها.

السيناريو الثاني المحتمل يعول على حدوث وباء من الدرجة المتوسطة، مثل حالة إنفلونزا هونغ كونغ التي تفشت عام 1968 وأسفرت عن هلاك زهاء مليون شخص. أما السيناريو الثالث فيعول على احتمال خمود الفيروس وافتقاده نشاطه وقدرته على التنقل بسهولة بين البشر ما يعني اختفاء الخطر، وإن وجد بعض الضحايا والوفيات.

"
الدول العربية أو الإسلامية ليست بمنأى تام عن الخطر، بل على العكس، فإن العواقب ستكون وخيمة إذا ما نجح الفيروس مثلا في اجتياز بر مصر، وهذا لسبب بسيط يتلخص في استيطان فيروس إنفلونزا الطيور بالبلاد
"
الجيد بالنسبة لنا أن حجم الأضرار الواقعة في المنطقة وبين سكانها ستكون في تقديري، وأيا ما كان السيناريو الواقع، أقل كثيرا من مثيلاتها في الدول والمناطق الأخرى لا سيما غير المسلمة، وهذا لأكثر من سبب، أهمها:

- إقدام غالبية الدول العربية على اتخاذ إجراءات حاسمة بل وغير مسبوقة من أجل قطع أي احتمال لانتشار المرض، ومن تلك الدول مصر التي اتخذت قرارا بتصفية حظائر الخنازير واقتلاعها من المناطق السكنية، فضلا عن قطر ودول الخليج والأردن ولبنان وعدد آخر من الدول العربية باتخاذها إجراءات احترازية وتدابير وقائية مماثلة تفاوتت بين حظر استيراد لحوم الخنزير أو مشتقاته، ودعم المراكز الصحية بالتجهيزات والاحتياطات اللازمة.

- تدني فرصة الاختلاط بالخنازير الحية في دول المنطقة، وانخفاض بالتالي احتمال الإصابة بعدوى الفيروس نتيجة الاختلاط المباشر، وهذا بسبب قلة عدد مزارع وحظائر الخنازير بالمنطقة، كون الدين الإسلامي هو الدين الرئيسي والغالب بين السكان، وكون الخنازير من الحيوانات المذمومة والمحرم أكل لحمها بالنسبة للمسلمين.

- تشديد الجهود الدولية وزيادة الرقابة على المعابر والمطارات والمنافذ الحدودية، سواء القادمة أو الخارجة منها، بشكل لافت ومحكم. وهو أمر سيؤثر إيجابيا على البلاد العربية، ويمكن أن يقلل بطبيعة الحال من فرصة وصول إصابات بشرية أو عدوى بالفيروس من الدول الموبوءة، وإن كان لا يمكن الجزم بالطبع بعدم حدوث ذلك.

بيد أن هذا لا يعني أن جميع الدول العربية أو الإسلامية بمنأى تام عن الخطر، بل على العكس، فإن العواقب ستكون وخيمة إذا ما نجح الفيروس مثلا في اجتياز بر مصر، وهذا لسبب بسيط يتلخص في استيطان فيروس إنفلونزا الطيور بالبلاد، وإمكانية من ثم تزاوجه مع فيروس الخنازير، لتكتمل بذلك الحلقة الجهنمية لفيروس الإنفلونزا، الذي لن ينقصه في هذه الحالة إلا البشر للتمدد والانتشار.

تطورات الوباء بين العلم والواقع والأمل
في ظل حالة القلق والهلع السارية في أنحاء العالم حاليا بسبب غموض فيروس إنفلونزا الخنازير وغموض مستقبل العالم معه، يبقى هناك العديد والعديد من الأسئلة، لا تزال بلا إجابة علمية ولا حتى منطقية بشأن أسباب انتشار الفيروس وأصله وفصله، وبشأن مدى ملامة الخنازير عن بزوغ طلائع الوباء دون ميعاد على المجتمع الدولي المبتئس أصلا بعدد من النزاعات والمشاكل الاقتصادية والبيئية الطاحنة.

لكن هناك مع ذلك تفاؤل غامر حاليا وأكثر من أي وقت مضى بإمكانية التوصل لإنتاج لقاح ناجح وفعال ضد السلالة الحالية لفيروس إنفلونزا الخنازير وربما لبقية سلالات فيروس الإنفلونزا، وهو وإن تطلب بعض الوقت إلا أن أنتاجه وتوفيره عالميا سيقلل وبشكل كبير من الإصابات والوفيات الناتجة عنه، مهما كانت السيناريوهات الحادثة.

"
نحن بحاجة لقدر كبير جدا من العناية الإلهية كي لا يتمكن الفيروس من التطور وكي لا يتحول الأمر إلى وباء حقيقي, كما أننا بحاجة حثيثة لإنجاح جهود العلم في التوصل إلى لقاح ناجع وشاف يعفينا من أي خطر ويعفي الخنازير أيضا من أي ملامة
"

هناك أيضا تفاؤل، وإن كان حذرا هذه المرة، بأنه حتى في حالة تطور الفيروس وبلوغه حالة الانتشار الوبائي السريع، فإن عدد الوفيات الناتجة عنه لن يقارع بأي حال منتهى الأوبئة العالمية السابقة ومنها وباء الإنفلونزا الإسبانية الذي وقع أوائل القرن الماضي، وهذا لأكثر من عامل أهمها ظهور المضادات الحيوية وتوفر عدد من الأمصال الجديدة، وزيادة الوعي بسبل الوقاية، فضلا عن دور الجهود الدولية ووسائل الاتصال السريع من إنترنت وخلافه في التوعية بتطورات المرض والتعريف بأماكن انتشاره، ومن ثم حصره أو تجنبه، وهي معطيات كانت مفتقدة ولا وجود لها في زمن الأوبئة العالمية السابقة.

على أي حال وبعيدا عن التخمينات ولعبة الاحتمالات، فإن الثابت ومما لا شك فيه أننا بحاجة لقدر كبير جدا من العناية الإلهية كي لا يتمكن الفيروس من التطور، وكي لا يتحول الأمر إلى وباء حقيقي. كما أننا بحاجة حثيثة لإنجاح جهود العلم في التوصل إلى لقاح ناجع وشاف يعفينا من أي خطر، ويعفي الخنازير أيضا من أي ملامة، وإن بقي هذا الحيوان وفي كل الأحوال ممقوتا ومذموما.
ـــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك