خالد الطراولي

خالد الطراولي

كاتب وأستاذ جامعي تونسي


تمر الأيام والأشهر وبدأت بعض الأصوات من هنا وهناك تعلن ولو بكثير من الحياء ولكن بكثير من الجرأة أن بوادر انتهاء الأزمة قد بدأ يلوح في الأفق، رغم أن مايرون سكولاس الحائز على جائزة نوبل هذا العام لا يزال يؤكد أن المريض لم يغادر المستشفى بعد.

في الحقيقة بعض المؤشرات توحي بذلك ولو من بعيد نسبيا، خاصة في باب الاستهلاك ونسب القروض وحتى نسب البطالة وكأن نسب التصاعد قد قلت. هذه الصور التي بدأت تلقي بظلالها الجميلة على مشهد متفائل أخذ في التمكن داخل المشهد الاقتصادي وفي مخيلة الفرد ويتمثل في سلوكياته.

هذا الإطار الجديد الذي يطفح بالآمال والتمني ولو على حسابات ما زالت متوترة، يملي التوقف عليه من زاوية معينة، فالأزمة كانت بالمستوى الهائل الذي زعزع كثيرا من البديهيات ورج مواقف ومقاربات ودفع بالكثير إلى البحث عن البديل في خارج النموذج الرأسمالي نفسه، حتى إن البعض فكر في رجوع الماركسية على ساحة الفعل من جديد، وطمع في إمكانية مساهمتها في الخروج من الأزمة.

من هذا الباب دخلت محاولات محتشمة تستند إلى المرجعية الإسلامية وكانت الزاوية المصرفية مفتاح هذا الحل، وتكررت بعض المحاولات النظرية في هذا الباب معلنة تفوق الحل الإسلامي وإمكانية أن يكون البديل المرتقب، وقد ساهم صاحب هذا المقال ببعض الورقات في هذا الشأن (الحل الإسلامي الاستعجالي، والأزمة المالية ومعالم البديل الإسلامي، وأزمة البورصة والمقاربة الإسلامية).

"

من بين الكواليس برز الطرح الإسلامي الاقتصادي كحل للأزمة, غير أن المفاجأة تظهر في مستويين، الأول في خفوت وحياء أصحاب الطرح الإسلامي في مقاربتهم، والثاني في بروز أصوات غربية تدعو للاقتراب أكثر من النظرية الإسلامية

"
تساؤلات كثيرة صاحبت هذه الأزمة ولا تزال ولن يكون ما بعد الأزمة مثل ما كان قبلها في كل مستويات الظاهرة الاقتصادية، ولعل العديد من مراكز البحث وأصحاب القرار السياسي والاقتصادي واللوبيات ورؤوس الأموال والثروات وصناديق الاستثمار، قد دخلوا منذ البداية في محاولة الفهم والتمحيص والتجاوز، حيث بدا للجميع البعد الإستراتيجي الذي أظل هذه الأزمة ودفع بها إلى مناطق الخطر والانهيار لكل البناء.

تتعدد الزوايا إذن في فهم الأزمة وطرح التجاوز، ومن بين نوافذ هذا الكم المطروح في النقد والمراجعة والبناء، برز من بين الكواليس ولو على مضض الطرح الإسلامي الاقتصادي وخاصة في بابه المصرفي، غير أن المفاجأة تظهر في مستويين، في خفوت وحياء أصحاب الطرح الإسلامي في مقاربتهم، وبقائها شبه مهمشة أو محصورة في بابها الصيرفي الضيق. وفي المستوى الثاني تظهر المفاجأة في بروز أصوات غربية من هنا وهناك تدعو إلى الاقتراب أكثر من فهم الفلسفة الإسلامية للصيرفة وتثمين دورها، وكان آخرها ما دعت إليه صحيفة الفاتيكان في هذا المجال من فهم هذه الظاهرة وتبني مبادئها الأخلاقية.

لقد ولّدت أزمة الثلاثينيات من القرن الماضي والتي اصطلح على تسميتها بالأزمة الكبرى تغييرات جوهرية في الباب النظري والتطبيقي، عجّلت ببروز مدارس فكرية وتمكن أيديولوجيات وظهور قوى عظمى على السطح.. فكان الطرح الكينزي طوق نجاة للنموذج الرأسمالي بإدخال الدولة وتعظيم دورها واعتبارها منفذ الإصلاح والصلاح، وكان التفعيل المباشر لهذا المنحى النظري بروز سياسات النيوديل التي شكلت بوابة لحالة استقرار ودولة الرفاه المستقبلي التي حملتها الولايات المتحدة الأميركية قبل أن تشيع وتهيمن على كل العالم المتقدم.. وكان خروج المعسكر السوفياتي ومسنده الأيديولوجي الماركسي إحدى النتائج غير المباشرة لهذه الأزمة العاتية.

اختلطت الأوراق إذن وتبلور عالم جديد بفاعلين جدد وفلسفة حياة جديدة، تواصل لأكثر من أربعة عقود، ولعله لا يزال ولكن بكثير من الارتياب.. من هنا مرت الأزمة الحالية واقتربت من سابقتها في بعدها العالمي أولا ومن هيكلتها وزعزعتها لكل البناء.

كانت الأنظار تتجه شمالا وجنوبا بحثا عن رسالة، عن جواب وعن حل، رغم الحصار أو التهميش أو الاستبعاد.. سقطت عند البعض الأبعاد الأيديولوجية وحتى الدينية، وسعى البعض إلى البحث عن النجاة حتى من عدو الأمس أو منافس البارحة، ورأى البعض من باب مصلحي خالص الخروج من هذه الورطة ولو على ناقة يسوقها بدوي بسيط من أعماق الصحراء!

لن نزعم أن الإجابة كانت مفقودة وأن الصحراء والعدم كانا شاملين، ولكن الاستجابة لم تكن في الموعد والرد لم يكن في مستوى ضخامة الحدث، وإنا نزعم أن أسبابا هامة وخطيرة، ولها ما بعدها، شكلت هذا الحاجز الذي لم يمكن الطرح الإسلامي للاقتصاد أن يتبلور إلى حل عالمي، وأن يتمكن في مستوى النظرية أولا كمدرسة فكرية اقتصادية فريدة وبديلة، تدخل بنوك الأدبيات الاقتصادية وتتمكن في مراكزها وجامعاتها، وثانيا كممارسة ملموسة تشكل أداة إنقاذ ووسيلة خلاص للمجتمع الدولي حيث يقترب الحل الإسلامي من هموم المأزومين ويخرجهم من مأساتهم.

"
الاقتصاد الإسلامي موجود ومحدد، وأدبياته لا تزال تكبر وتستفحل منذ عقود ويحمل بذوره الأولى في أحشاء الحضارة الإسلامية نفسها منذ قرون، وإن كان يحمل الكثير من مناطق الضعف ويتطلب مزيدا من العمل والتجربة
"
1- لعل السؤال المنهجي الأول الذي يمكن طرحه والذي يشكل حسب ظني ضربة البداية نحو فتح الملف أو غلقه وهو هل وجد المشروع الاقتصادي الإسلامي أصلا أم بقي مجرد شعارات وجعجعات واستعراض عضلات مغشوشة وأقوال مرمية في غابة الأدبيات الخجولة أو المعدومة؟ ورغم أن الورقة لا تسمح بذلك لكننا وعلى رؤوس أقلام نؤكد أن الاقتصاد الإسلامي موجود ومحدد، وأدبياته لا تزال تكبر وتستفحل منذ عقود ويحمل بذوره الأولى في أحشاء الحضارة الإسلامية نفسها منذ قرون، وإحدى تحديداته أنه حسب عمر شبرا ذلك الفرع من المعرفة الذي يساعد على تحقيق رفاهة الإنسان من خلال تخصيص وتوزيع الموارد النادرة بما ينسجم مع التعاليم الإسلامية، وهو حسب ظني أنه فقه المعاملات القديم محيَّن ومستحدَث، وهو الإجابة الإسلامية للمشكل الاقتصادي والتي تستند إلى الأخلاق ومنظومة قيم حازمة من عدالة وحرية ومبادرة، والتي تجعل محورها وهدفها السامي الإنسان المكرّم.

ولكن وجود التحديد لا يفسر ولا يلغي غياب المشروع، وغير أنه يدفع بالبحث عن أسباب أخرى.. ورغم الكثير من النقد الذي أحمله فإني لا أزال مقتنعا بوجود هذا الهيكل النظري للاقتصاد الإسلامي وإن كان يحمل الكثير من مناطق الضعف ويتطلب مزيدا من العمل والتجربة.

2- انحصر الجواب الإسلامي في هذه الأزمة على البعد المصرفي ولم تتوسع مادة البديل إلى الإطار الاقتصادي العام وهو نتاج أن الأزمة كانت مصرفية وسعى الاقتصاديون الغربيون والساسة على السواء إلى حصرها في هذا الباب حتى لا يسقط كل البناء وينهار النموذج الذي يحمل مصالح ومواقع تتجاوز الحلقة المصرفية الضيقة ليلامس النموذج الحضاري وفلسفة الحياة إجمالا، وقد وقع الإسلاميون في هذا الفخ بوعي أو بغير وعي نتيجة تهافت مقاربتهم أولا وعجزهم عن بلورة البديل الذي يتطلب أكثر من عمل تكتيكي أو رد لحظي ويقع في مستوى البحث الإستراتيجي الذي يتطلب تخطيطا ومراكز ومؤسسات.

3- غياب الجرأة والثقة في النفس، فقد رأينا بعض الندوات تعقد وبعض المقالات تنشر ولكن بقيت محتشمة في تصورها للأزمة وفي طرح البديل وهذا يعود أساسا إلى استعظام النموذج الرأسمالي وعدم التيقن من إمكانية ترهله وحتى سقوطه، وهو يعود أيضا إلى عدم جاهزية الاقتصاد الإسلامي نفسه حيث كثيرا ما غلبت الكتابات العامة والمداخل والخطوط العريضة والرئيسية على التفاصيل التي تشكل مرحلة هامة في تمكن البناء واستجابته لكل التحديات.

كما غابت نسبيا في بعض الاجتهادات والممارسات أن تنعكس روح التعاليم الإسلامية على مضامينها، فظل النظري في بعض الأحوال يبحث عن الحيلة الفقهية أو التركيبة والتلفيق والتوفيق المغشوش، وبرز التطبيقي ضعيفا ومشتتا أو محجَّما في بعض أطره التي حملتها دول محددة.

4- عدم تحمل الدول الإسلامية على تنوع مرجعياتها الأيديولوجية همّ دعم التجربة، ولعل تداخل السياسي الحركي والاقتصادي على خلفية التدافع بين السلطات والحركات الإسلامية، ساهم في استبعاد هذا الدعم. ولكن هذا الغياب نجده مع بعض الاستغراب من قبل دول تحمل مصطلح الإسلامية في كينونتها وبرنامجها، ولعله يعود إلى فشلها النسبي داخل أوطانها في تطبيقه، فكيف تطلب من الناس تطبيق ما لا تحمله أو تقدر على تنزيله، أو تعرض بضاعة لست مالكها!

ولن أعود تفصيلا لأسباب هذا الفشل النسبي لأنه ليس هم هذه الورقة ولكني أزعم في رؤوس أقلام التقاء العديد من الأسباب ومنها تضافر أبعاد الداخل والخارج وتشابك المصالح ولا شك، ولكني أعيد هذا الفشل خاصة إلى عدم تبني الاقتصاد الإسلامي إستراتيجيا كميا وكيفيا، والذي بقي حلا تكتيكيا لحظيا يرقع أكثر مما يبني ويرد الفعل أكثر من أن يصنعه.

5- لعل ما يسترعي الانتباه أيضا هو غياب الحركة الإسلامية عبر كفاءاتها الاقتصادية في معالجة الأزمة وطرح البديل، وهذا ينبئ عن حالة خطيرة تمر بها هذه الحركات وهي هيمنة البعد السياسي في حراكها وتنظيراتها وغياب أو تهميش البعد الاقتصادي.

"
كانت الأزمة فرصة للاقتصاديين الإسلاميين الحركيين للتواجد في المشهد السياسي الداخلي والخارجي وكسب بعض المصداقية لأطروحاتهم التي كثيرا ما نُعتت بشعارياتها وجعجعتها, لكنهم غابوا عن الأضواء
"
لقد كانت الأزمة فرصة للاقتصاديين الإسلاميين الحركيين للتواجد في المشهد السياسي الداخلي والخارجي وكسب بعض المصداقية لأطروحاتهم التي كثيرا ما نُعتت بشعارياتها وجعجعتها. "فالإسلام هو الحل" ليس كتابة على الجدران ولا حلما جميلا ولا سرابا في صحراء الفعل، ولكنه صناعة الحدث والاستجابة بكل كفاءة وجرأة وحزم وجدية لتحديات الواقع ومستجداته، والاقتصاد اقتراب من هموم الناس ومشاغلهم واستجابة عينية ومباشرة لمطالبهم.

ولقد راجعت بعض المواقع لهذه الحركات ولاحظت هذا الغياب المقلق والمحزن للتفاعل الإيجابي مع الأزمة وكأنها تعيش في كوكب غير كوكبنا. فمشروع الحركة الإسلامية الإصلاحية كان ولا يزال مشروع بناء وتغيير تحت الأضواء الكاشفة وليس تمتمات في الكهوف والسراديب ولا آهات وآلام وقضبان.

وقد كان الأولى أن تكون هذه الحركات حراس المعبد وأصحاب الشأن الأول في هذا الميدان، خاصة وأن المرجعية الإسلامية التي يستندون إليها لا تخل من ثراء اقتصادي تاريخي، شكّله ولا يزال فقه المعاملات.

ختاما، لن نستبعد من بحثنا عن هذه الأسباب البيئة المحيطة والواقع العالمي إجمالا الذي لا يسمح ببروز البديل نتيجة مصالح وأجندات معلنة ومخفية، ولكننا أردنا أن نقف عند بوابتنا التي نملك البعض من مفاتيحها والتي نرى أنها لم تكن في مستوى الحدث.

لقد عرّف أحمد خورشيد الاقتصاد الإسلامي بأنه ذلك الجهد المنظم الذي يبذل في محاولة فهم المشكلة الاقتصادية وسلوك الإنسان نحوها من منظور إسلامي، ونظن أن واقع الأزمة اليوم يؤكد الأهمية القصوى لإجابة إسلامية جدية منظمة ومؤسسة، يجمعه فقه للمرحلة وفقه للأولويات وفقه للتحضر وفقه للتدين، في إطار من الكفاءة والعلم والوعي والحزم..

لم يكن الاقتصاد الإسلامي وسيلة لجمع المال والربح ولو كان تحت يافطة دينية، ولكنه جانب من مشروع حضاري يستسقي ركائز بنائه من مرجعية دينية مقدسة تسعى إلى إسعاد الناس مادة وروحا.

لم نرد من هذه الأزمة أن تتبلور إلى بروز العالم الإسلامي كقطب اقتصادي وسياسي، فهذا حلمنا وحلم الأجداد، وهو لا يزال يشكو ضعفا في مراكمته الأدبية وضحالة في ثقله الاقتصادي الفعلي في الاقتصاد العالمي، ولكننا أردنا أن نوحي ولو للحظات لدى الآخر أننا نملك مفاتيح وأدوات، وأننا قوم إيجابيون يعنيهم ما يعني العالم من أفراح وأحزان ولنا الملكة والكفاءة والمرجعية في المساهمة في بناء نظام عالمي عادل للجميع، شرقت أو غربت ضفافه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك