فواز جرجس

فواز جرجس

من مواليد بيروت في لبنان، ويعيش في نيويورك بالولايات المتحدة.


في معرض تبريره العدول عن قرار الكشف عن الصور التي تظهر مشاهد من تعذيب الجنود الأميركيين لبعض المعتقلين في العراق وأفغانستان، قال الرئيس باراك أوباما إن من شأن نشر مثل هذه الصور أن "يؤجج بشكل أكبر المشاعر المعادية لأميركا، ويعرض قواتنا لخطر أعظم".

هذه المقاربة للأمن القومي لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح القومية الأوسع والعوامل الأخلاقية وعلاقة الولايات بشعبها وبالعالم أيضا.

وفي الحقيقة فإن الرأي العام العالمي وخاصة المسلمين، قد ينظر إلى الكشف عن هذه الصور المروعة بأنه قد يعني تحولا إيجابيا نحو الأفضل في السياسة الأميركية وخصوصا سياستها الخارجية.

"
تحمل أوباما وزر تصرفات إدارة الرئيس السابق جورج بوش، مهما كانت مروعة ومؤلمة، سيعزز قطيعته مع سلفه وتوجهه الأخلاقي، ويوضح رسالته الجديدة للرأي العام الأميركي والمجتمع الدولي
"
وربما ينظر إلى أميركا على أنها تستعيد بوصلتها الأخلاقية وتقر احترامها لكرامة الإنسان أيا كان وفي أي مكان.

ولا شك أن تحمل أوباما وزر تصرفات إدارة الرئيس السابق جورج بوش، مهما كانت مروعة ومؤلمة، سيعزز قطيعته مع سلفه وتوجهه الأخلاقي، ويوضح رسالته الجديدة للرأي العام الأميركي والمجتمع الدولي، وهي أن:

الولايات المتحدة أمة عالمية صالحة ودولة قوانين تلتزم كليا بالقوانين المتعلقة بالحروب, وستحظى رسالة الرئيس هذه في عيون الأصدقاء والأعداء على حد سواء بمزيد من الجاذبية والمصداقية والشفافية.

ولا شك أن نشر تلك الصور المروعة سيوفر, على المدى القصير, ذخيرة إضافية للمتطرفين مثل القاعدة والجماعات التي تحمل نفس الفكر والتي تقود حربا ضارية على الولايات المتحدة الأميركية.

وسيستخدم بعض المتشددين صور المعتقلين لإقناع الرأي العام الإسلامي والعربي بأن أميركا إنما تشن حربا على الإسلام والمسلمين، ولكن ليس لدى أميركا الكثير مما يمكنها فعله لكسب ود القاعدة، والقاعدة أصلا ليست هي المعضلة الرئيسية ولب الموضوع.

إن المستهدف الرئيسي من نشر تلك الصور يجب أن يكون سواد الرأي العام العربي والإسلامي, وهناك أدلة كثيرة على أن انفتاح أوباما على المسلمين بدأ يثمر نتائج إيجابية. ففي استطلاعات الرأي وحسب مقابلات خاصة أجريتها، يتبين أن عددا كبيرا من العرب والمسلمين يقيمون هذا الرئيس الشاب بشكل إيجابي للغاية، بل يعتقدون أنه سيحدث تغييرا ملموسا في الشرق الأوسط وفي علاقات بلاده مع المنطقة العربية.

وحسب النتائج الأخيرة لاستطلاع ماكلاتشي/ابسوس، فإن ثمة مخزونا من النوايا الطيبة تجاه أوباما، في حين أن المواقف السلبية إزاء سياسة واشنطن الخارجية ما زالت على أشدها.

فقد قال 58% من الأردنيين، و53% من السعوديين، و52% من الإماراتيين إنهم يحملون مشاعر إيجابية تجاه أوباما. بينما لم تتجاوز شعبيته في الكويت 47%، و43% في لبنان، غير أن النظرة السلبية في أي من تلك الدول لأوباما ظلت دون النظرة الإيجابية.

وفي المقابل أبدى 38% من السعوديين نظرة إيجابية تجاه الولايات المتحدة، يليهم 36% من الأردنيين، و34% من الإماراتيين، و31% من اللبنانيين، ثم 22% في مصر.

هذه الفجوة الكبيرة في نظرة العرب الإيجابية لأوباما مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية يمكن عزوها إلى مصداقية صاحب الرسالة، الرئيس أوباما نفسه.

فبينما تتسم المشاعر العربية والإسلامية حيال سلفه الرئيس السابق بالاشمئزاز وغياب الثقة والعداء، يُنظر إلى أوباما على أنه يمكن أن يشكل انقطاعا مع الماضي الدموي وبداية جديدة للعلاقة المعقدة والمركبة بين الأميركيين والعالم العربي والإسلامي، ويمثل وجه أميركا الإنساني.

"
بينما تتسم المشاعر العربية والإسلامية حيال الرئيس السابق بوش بالإشمئزاز وغياب الثقة والعداء، يُنظر إلى أوباما على أنه يمكن أن يشكل انقطاعا مع الماضي الدموي وبداية جديدة للعلاقة المعقدة والمركبة بين الأميركيين والعالم العربي والإسلامي
"
إن مصداقية صاحب الرسالة ذات أهمية قصوى، وأي قرار-مثل حظر نشر صور التعذيب- يتم اتخاذه من شأنه أن يقوض الثقة مما قد يجعل مخزون المشاعر الدولية الإيجابية الذي تمكن الرئيس أوباما من تشييده حتى هذه اللحظة يتلاشى بين عشية وضحاها.

وحتى المبرر بأن نشر تلك الصور سيؤجج مشاعر الرأي العام المناهض لأميركا لا يستند إلى دليل يذكر، لأن الصور محل النزاع –كما يشاع- هي أقل إثارة للمشاعر من صور أبو غريب التي نشرت عام 2004 وأججت مشاعر الغضب المناوئة لأميركا في العالم بأسره.

فأوباما نفسه قال إن "الصور في هذه الحالة ليست على قدر كبير من الحساسية، ولاسيما إذا ما قورنت بالصور المؤلمة التي نتذكرها في أبو غريب.

إذن هذا يكفي لنتساءل عن سبب عدم التزامه بقرار محكمة الاستئناف القاضي بنشر الصور؟

ثمة خطر من أن قرار أوباما الجديد لمعارضة نشر هذه الصور قد يكون له آثار سلبية عبر نشر إشاعات ونظريات مؤامرة حول ما يمكن أن توحي به هذه الصور، وبالتالي قد يكون ضررها أكثر من نفعها.

لكن في عصر الإعلام الجديد تظل الشفافية سلاحا فعالا في السياسات المحلية والخارجية على حد سواء. وهذا ينطبق على قرار نشر صور التعذيب لبعض المعتقلين في السجون الأميركية في أفغانستان والعراق.

و"يتعين على الحكومة أن لا تبقي المعلومات سرية لمجرد أن المسؤولين الحكوميين قد يشعرون بالحرج بسبب الكشف عنها، ولأن أخطاء وإخفاقات قد يكشف عنها، أو بسبب مخاوف أخرى مجردة أو احترازية" هذه كلمات أوباما نفسه وفقا لما جاء في مذكرة كتبها في 21 يناير/كانون الثاني أثناء الاحتفاء بقانون حرية الإعلام.

وقد كان قرار لجنة الطعون المؤلفة من ثلاث قضاة بمحكمة الاستئناف لعام 2008 -الذي يرفض تأكيدات إدارة بوش بأن الكشف عن الصور لا يضيف شيئا لفهم الرأي العام للقضية- متطابقا تماما مع نظرة أوباما.

"ذلك الجدل يعد استخفافا بالهدف الرئيسي لقانون حرية الإعلام الذي يدعو إلى تعزيز المحاسبة الحكومية"، كما جاء في قرار لجنة الطعون بمحكمة الاستئناف.

نعم سيدي الرئيس، إنك كبروفيسور سابق في القانون الدستوري، تتفق مع محكمة الاستئناف بأن الانفتاح الحكومي والشفافية والمحاسبة تعني الكثير, بل الكثير للغاية. ولدى المواطن الأميركي الحق في معرفة الحجم الحقيقي لكل ما ارتكب من أخطاء وخطايا باسمه، وللمواطن الأميركي الحق في معرفة ما تقوم به حكومته إيجابيا كان أم سلبيا.

فهناك إذن حاجة أخلاقية وقانونية ملحة للكشف ليس فقط عن الصور محل النزاع، بل آلاف الصور الأخرى التي يعتقد أنها بحوزة وزارة الدفاع (البنتاغون).

وقد كان وزير الدفاع روبرت غيتس محقا عندما قال إنه كان يتبنى ذات مرة وجهة نظر تشير إلى أنه من الأفضل "معاناة الألم مرة واحدة" والكشف عن عدد كبير من الصور الآن، ولا سيما أن معظمها محور مداولات في الكثير من الدعاوى القضائية.

غير أن غيتس والرئيس أوباما غيرا رأييهما عندما أعرب جنرالات أميركيون في العراق وأفغانستان وكبير القادة في الحربين الجنرال ديفد بتراوس، عن "قلقهم العميق من أن الكشف عن هذه الصور سيكلف الأميركيين حياة عدد منهم"، كما قال غيتس أمام لجنة الخدمات العسكرية في مجلس النواب. وقال غيتس "ذلك هو كل ما يهمني في هذا الأمر".

ولكن رغم أن الجنرالات كانوا محقين في خشيتهم من أن يؤدي الكشف عن هذه الصور إلى تقويض مكانة ومصداقية الجيش الأميركي في الداخل والخارج، فإنه من الصعوبة بمكان التأكيد على أن نشرها يعرض حياة الأميركيين للخطر.

مما لا شك فيه أن القائد الأعلى للبلاد عليه أن يزن بشكل جدي المخاوف المحتملة لجنرالاته مقابل الخوف من إيذاء المصلحة القومية الأميركية الأوسع نطاقا والرؤية الأخلاقية. والنقطة الأخيرة ليست مجرد رفاهية بل ضرورة في ضوء السياسات المتردية لإدارة بوش.

فتبرئة النظام من مثل هذه الفظائع من شأنه أن يصلح الضرر الذي لحق بسمعة الجيش وأن يحول دون تكرار هذه الجرائم في المستقبل.

"
لويس برانديس:  الشمس أفضل المطهرات ونأمل أن تتبنى إدارة أوباما الشفافية والوضوح وتكشف النقاب عن السرية التي غالبا ما ألحقت الضرر بالمصالح القومية الأميركية، وسمعة أميركا في العالم
"
ومن حسن الحظ، أن المحاكم قد تنقذ إدارة أوباما من نفسها وتفرض عليها نشر هذه الصور، فالمتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيتس قال إن الرئيس أمر محامي الإدارة بتحدي نشر الصور على أسس أمنية وقومية, مشيرا إلى أن المقاربة الحالية لم تستخدم من قبل الإدارة السابقة.

حسنا، لقد سبق أن احتجت إدارة بوش على نشر الصور لأسباب أمنية وقومية وفشلت في إقناع المحكمة بحجتها. فقد كتبت محكمة الاستئناف في سبتمبر/أيلول 2008 تقول " من الواضح أنه غير كاف أن نزعم بأن نشر وثائق قد يعرض للخطر المصالح الأميركية والتي تشمل جميع الجنود الأميركيين، وقوات التحالف والمدنيين أيضا في العراق وأفغانستان". وقد رفضت محكمة الاستئناف مقولة الأمن القومي التي اعتمدت عليها إدارة بوش.

"يقال إن الشمس أفضل المطهرات" هكذا كتب محامي الشعب الذي أصبح فيما بعد قاضي المحكمة العليا في أميركا، لويس برانديس، في سلسلة مقالاته عن "الحرية الجديدة". الشمس أفضل المطهرات ونأمل أن تتبنى إدارة أوباما الشفافية والوضوح وتكشف النقاب عن السرية التي غالبا ما ألحقت الضرر بالمصالح القومية الأميركية، وسمعة أميركا في العالم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك