توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


ما حقيقة ما يجري في الأردن الآن باسم الدعوة للملكية الدستورية؟ وما علاقته بمجمل استحقاق الإصلاح السياسي وبمجمل ما يجري في المنطقة في أكثر من شأن ساخن لم يجر اعتباره أو التعامل معه يوما على أنه مجرد شأن محلي أو إقليمي؟

ننطلق من أحدث ما جرى تداوله أردنيا, وتقوده الصحافة الرسمية, حول قيام نائب الأمين العام للإخوان المسلمين في الأردن, في زيارة له للعاصمة الأميركية, بالمطالبة بالعودة للملكية الدستورية, وذلك بتعديل الدستور بما يسمح بانتخاب رئيس الوزراء.

والحديث ساخن لأن المسؤولين في الدولة اختاروا تسخينه وإظهاره وكأنه أمر مستجد يرقى للفعل الانقلابي على ما يسمونه "ثوابت وأركان الدولة", وأنه يجري "بالاستقواء بالخارج". ويصل البعض إلى زعم أن هذه المطالبة هي انقلاب على الدستور ذاته. هذا مع أن هذه المطالبة ليست مستجدة كما يجري الزعم, ولا هي "انقلابية", ولا هي مبادرة "إخوانية", بل إن الإخوان كانوا لوقت قريب من أكثر المناوئين لها. ولكنهم مؤخرا انقسموا بين تأييدها ورفضها حدا خلط أوراقهم واصطفافاتهم وتسمياتها, بحيث بات صقورهم حمائميين في رفضه, وحمائمهم صقوريين في تبنيه.

"
المطالبة بالعودة للملكية الدستورية ليست مستجدة كما يجري الزعم, ولا هي "انقلابية", ولا هي مبادرة "إخوانية", بل إن الإخوان كانوا لوقت قريب من أكثر المناوئين لها ولكنهم مؤخرا انقسموا بين تأييدها ورفضها
"
والحملة الرسمية هذه هي أيضا قديمة متجددة في أوقات أزمات الحكم, كالضغط عليه باتجاه الإصلاح. أو حين تكون له أجندة جديدة كبرى لا تحظى بقبول شعبي. وكلاهما جار الآن فأميركا تضغط باتجاه الإصلاح وتربطه بالمعونات المقدمة للأردن, كما أن هنالك أجندة رسمية لتقسيم المملكة لأقاليم أثارت ما يفوق الرفض السياسي الواسع إلى حالة من التخوف الشعبي من آثاره.

والحكومة ذاتها لا تنكر الخطرين، فالحكومة صرحت بأن عودتها لإطلاق شعارات الإصلاح السياسي هو لاستباق الضغوط الأميركية. وإذا أضفنا التغييرات الدولية والإقليمية التي أنتجت سقوط إدارة بوش في أميركا ووصول أوباما تحديدا ببرنامج يدعو"للتغيير", وليس فقط "للإصلاح", في قلب أكبر ديمقراطيات العالم, فإن استحقاق "الإصلاح" وحده في دول العالم الثالث التي كانت حليفة أو تابعة لإدارة بوش, أصبح متطلب "حدا أدنى".

ويزيد في أزمة هذه الدول أن المحور الإقليمي الذي اختارت أن تعاديه بأكثر مما طالبت إدارة بوش, تتمتع قياداته المتهمة "بالتطرف" الديني تحديدا (إيران وحزب الله وحماس) بشرعية ديمقراطية. وإذا أضفنا لهذا دخول تركيا المسلمة بقوة على السياسة الإقليمية منطلقة من مواقف أقرب للمانعة منذ رفضها استعمال أميركا وحلفائها لقواعدها العسكرية لضرب العراق وصولا لتصدي رئيس وزرائها أردوغان للعنجهية الإسرائيلية في قمة دافوس, وهي مواقف "تركية" تحظى بديمومة عالية كونها تنطلق من سند شعبي ديمقراطي. فإن حتمية الإصلاح أو التغيير في المنطقة تبدو حتمية تاريخية لا تملك حتى أميركا أن تسير ضدها.

لحينه كانت أنظمة المنطقة تسوّق إبقاء "قبضتها" على شعوبها بزعم أن التحول نحو الديمقراطية سيأتي "بالإسلاميين المتطرفين" للحكم. وهو زعم كانت تعرف إدارة بوش عدم صحته. فالدراسات الرسمية حددت ثقل الإسلاميين في الشارع الأردني في التسعينيات بما يراوح بين 15% و20%.

وهذه النسبة قد تزيد قليلا في دولة كمصر ولكنها تنقص كثيرا في سوريا, ولا تصل في أي بلد عربي حد الوصول للحكم. ولا يقاس على تجربة "حماس" التي لم تصل بوعد تطبيق الإسلام السياسي, بل إن نقدها سهل بزعم أنها تفعل ذلك (ما أسماه خصومها "إمارتها") , فما أوصلها بتلك الأغلبية هما "المقاومة", وفساد السلطة.

وكذلك فعلت "مقاومة" و"نظافة يد" حزب الله, الذي يتشدد في تعليماته لأتباعه بألا يخوضوا في حوارات عقائدية مع الأطياف السياسية الأخرى, مكتفين بهدي عقيدتهم ضمن أتباع حزبهم. ومما يؤشر على زلزال التغيير وموقف العالم من قوى ومحاور المنطقة (وعلى حقيقة تحالفات هذه المحاور بالنسبة للمراقب العربي), أن من قام بآخر محاولة يائسة لتوظيف "فزاعة الإخوان", هي تسيبي ليفني في محاولتها حشد تأييد للنظام المصري في قمة شرم الشيخ التي ارتجلت أثناء العدوان على غزة, حين قالت إن البديل لهذا الدعم هو مجيء "الإخوان المسلمين" للحكم في مصر. وهو أمر يعكس قناعة إسرائيلية بوهن العذر الأقرب للحدث السياسي موضع الدعم, أي عذر التصدي لبرنامج حماس (إخوان فلسطين الذين وصلوا للحكم), عند توظيف هذا العذر "غربيا" وليس فقط عربيا.

وبالعودة لموضوعنا الأصل الخاص بالإصلاح السياسي في الأردن, والذي يفترض أنه شأن "محلي" لولا تشابه الحال الرسمي العربي الذي بلغ حد الاستنساخ البيني لهكذا شؤون, فإن ما يزيد من وهن الدفع بفزاعة "إخوان الأردن" في الحملة المفتعلة الأخيرة هو:

أولا: إن الدستور الأردني هو الذي يقول بالملكية الدستورية. والدستور "علم" وليس "وجهة نظر", وفقهه ثابت يمكن الاحتكام فيه لدى أي خبير في العالم كله. والدساتير "عقود حكم", ولا توجد أية سلطة ولا صلاحية لأحد ما لم تستمد من الدستور, وبالتالي فإن خرق أي طرف للدستور يفقد ذلك الطرف كل صلاحياته المتأتية من ذلك العقد تلقائيا, حتى لو كان منتخبا من الشعب. فالدستور سيد القوانين ولا شرعية لقانون لم يستند للدستور. وإذا كان من يخرق القانون يصبح "خارجا عن القانون" بكل ما تعنيه تلك العبارة, فكيف "بالخارجين على الدستور؟".

"
ما يزيد من وهن الدفع بفزاعة "إخوان الأردن" في الحملة المفتعلة هو أن الدستور الأردني هو الذي يقول بالملكية الدستورية, والدستور "علم" وليس "وجهة نظر", وفقهه ثابت يمكن الاحتكام فيه لدى أي خبير في العالم كله
"
والدستور قابل للتعديل, ولكن للتعديل شروطه المعروفة لفقهاء الدستور. وأهمها ألا يتضمن التعديل أي تنازل عن حقوق وحريات الشعب, بل يمكن أن يكون لإعطائه المزيد من الحقوق, كون الشعب مصدر السلطات في كل الدساتير وفي كل أشكال الديمقراطية, وما يخرج عن الوصفين هو "الدكتاتورية" بلا جدال. وتمثيل النائب هو تمثيل "لحقوق ومصالح ناخبيه" ولا يتضمن تنازلا كهذا.

ويستند هذا الاشتراط في الفقه الدستوري إلى كون النائب الفرد أو نواب أي حزب ولو كان حزب أغلبية, أو حتى مجلس النواب بأكمله لا يمثل كل الشعب, بل هو لا يمثل كامل الناخبين وإنما غالبية من اقترع منهم, والتي قد تكون أو لا تكون غالبية الناخبين. وحتماً ليست غالبية الشعب كون قطاع من هذا الشعب دون سن الانتخاب, وسيبلغونه ويطالبون بحقهم بعد سنوات أو حتى أيام.

والأدهى (وهو ما جرى في التعديلات التي أدخلت على الدستور الأردني) هو أن يكون التنازل الذي قبل به ممثلو الشعب (إن صدق تمثيلهم ولم يأتوا بالتزوير) هو عن دورهم هم, كقبول النواب بحل مجلسهم أو الانتقاص من صلاحياته الدستورية. فهم بهذا يكونون في عرف المستقيلين أو في عرف المستنكفين عن القيام بمسؤولياتهم. ومن استقال أو استنكف عن أداء المهمة, من حق موكله توكيل غيره فوراً للحفاظ على حقوقه. وابتداء, فإن حصر مدة تمثيل المجلس النيابي وكل من هو منتخب لمنصب عام بسنوات محددة هو لإعطاء الناخب حق مراجعة خياراته أو حتى تغيير سياسيته.

وفي بيان أن هذا الفقه الدستوري هو المتفق عليه عالميا, أن الدستور الأميركي المعمول به منذ مائتي عام لم يدخل عليه سوى سبع وعشرين تعديلا, وكلها كانت لزيادة حقوق المواطنين. هذا عن واحد من أقدم دساتير العالم. ومن أحدثها الدستور القطري المأخوذ كله تقريبا عن الدستور الأردني وعن مصادر ذلك الدستور ومستفيدا من تجاربنا معه. الدستور القطري نص صراحة على عدم جواز تعديل المواد الخاصة بحريات وحقوق المواطنين إلا إذا كانت لمنح المزيد من الحريات والضمانات لصالح المواطنين.

وعودة لمنطلق مقالتنا هذه, ولبيان أن الإخوان آخر من يمكن "اتهامهم" بالمبادرة للمطالبة بالملكية الدستورية, نورد ما يثبت أن "الدستورية" بأشكالها مثلت نقطة تناقض, بل وسبب صدامات عنيفة بين الإخوان وبقية الطيف السياسي المعتبر من أقصى المعارضة لكامل الموالاة الصالحة.

ونبدأ بأحداث عام 1957, والتي وصفها مؤرخون غربيون منهم روبرت ساتلوف (نختار مثاله كونه محتفى به من قبل الدولة تاريخيا دون المؤرخين العرب), بأنها انقلاب رسمي على الحكم الدستوري لم يبق أي هامش لمعارضة برلمانية أو ديمقراطية مؤثرة ولا حتى "مقاربة عامة حسنة النية" للدستورية. (ساتلوف, "من عبد الله إلى حسين" , ص 174 من النسخة الإنجليزية). والكتاب صدر عام 1994 مما يدل على أن هذا التقييم للوضع لم يتغير حتى بعد ما سمي بالعودة عام 1989.

ومعروف ومعترف به رسميا وشعبيا أن "الإخوان" وحدهم نزلوا للشارع مع قوى الجيش والأمن عام 57 لتعقب واعتقال الحزبيين الآخرين. وبعد تلك الحملة وما رافقها من حل للبرلمان والحكومة المشكلة من أغلبية برلمانية, واعتقال العديد من أعضائهما, جرى إعلان الأحكام العرفية وحظر التنظيم الحزبي الذي امتد للعام 1993, باستثناء "الإخوان" الذين أعطوا منفردين ما يتجاوز حرية العمل السياسي العلني, إلى دعم من الدولة بأشكال عدة.

"
الإخوان آخر من يمكن "اتهامهم" بالمبادرة للمطالبة بالملكية الدستورية, فهم وحدهم الذين نزلوا للشارع مع قوى الجيش والأمن عام 57 لتعقب واعتقال الحزبيين الآخرين, ولم يشاركوا في انتفاضة أبريل/نيسان عام 1989 التي فرضت عودة الحياة البرلمانية في العام ذاته
"

ثم بعد انتفاضة أبريل/نيسان عام 1989 التي لم يكن للإخوان أي دور فيها, وهي الانتفاضة التي فرضت عودة الحياة البرلمانية في العام ذاته, لم يتضمن برنامج أي من المرشحين مطلب العودة للملكية الدستورية, سوى برنامجي الذي أشار بالتحديد إلى مطلب "العودة عن" التعديلات التي أدخلت على دستور عام 1952.

وهذا البند في برنامجي اعتبره المحللون "انتحارا سياسيا" كونه لن يُسمح معه بوصولي للبرلمان. وهو ما جرى فعلا بالتعذر بحملة تكفير لم يباشر بها الإخوان ولكنهم أيدوها بصور عدة واستثمروها. والنتيجة أن المطلب لم يجد في مجلس عام 89 من يتبناه سوى نائب واحد (إسلامي على خلاف مع الإخوان) لم يكن قد أورده في برنامجه الانتخابي, وهو النائب ليث شبيلات. وانتهى الأمر باعتقاله في فترة عدم انعقاد مجلس النواب بتهم أقر العديد من المسؤولين لاحقا أنها كانت ملفقة.

ومع أن هذه البدايات على يد نائبين فقط فتحت الباب لحوار حول "الدستورية", إلا أن الوعي به تراكم. وكان أول إجراء قانوني لمحاولة إعادة الملكية الدستورية قيامي برفع قضية لدى محكمة العدل العليا تطالب بإلغاء قرار حل المجلس الذي كنت عضوة فيه باعتباره حلا غير دستوري.

وكما هو متوقع, ردته المحكمة بحجة "عدم الاختصاص" رغم النص في قانونها على إلغاء القرارات غير الدستورية وأيضا وقف العمل بالقوانين غير الدستورية. وكنت أسبقت القضية بمقال بحثي نشر في أسبوعية "الميثاق" المعارضة عن عدم دستورية حل مجلس النواب قبل انتخاب المجلس الجديد أو دون إجراء انتخابات مبكرة. وهو بحث وافقني على صحته بالكامل الدكتور أحمد كمال أبو المجد من مصر, وأثار اهتماما, هو والقضية غير المسبوقة, بحيث كتب الأستاذ محمد الحموري بحثا مماثلا يخلص للنتيجة ذاتها نشره في دورية نقابة المحامين.

ومنذ ذلك الحين تطور الحديث السياسي والصحفي ليصار لإطلاق مسمى "الحل غير الدستوري" على كامل حالات حل البرلمان الجارية بذات الطريقة للآن.

وأثناء تفاقم مرض الملك الراحل ودخوله النزع الأخير, جسدت القوى الوطنية رؤيتها للإصلاح في المرحلة التالية بوضع أول مبادرة شاملة للإصلاح, لإطلاقها بغض النظر عمن يتولى العرش مما لم يكن قد تبين. ومن أهم بنودها العودة للعمل بدستور عام 52 بإزالة كامل التعديلات التي شوهته, و"فتح باب الحوار" حول التعديلات اللازمة عليه, وفي مقدمتها "انتخاب رئيس الوزراء مباشرة من الشعب لدرء خطر الوضع الحالي الذي يتيح للسلطة التنفيذية تكرار اختبائها وراء مقام الملك وحصانته".

هذه المبادرة كانت في طور التوقيع حين تولى الملك عبد الله الثاني العرش, وكنا تعمدنا التوقيع النخبوي الممثل فعلا للشارع بحيث أن الموقعين الاثنين والخمسين الأوائل الذين صدرت المبادرة بأسماهم يمثلون ما لا يقل عن 80% من الناخبين لو أتيح إجراء انتخابات نيابية نزيهة.

منهم ستة أحزاب من أحد عشر حزبا معارضا, وأبرز النواب السابقين والحاليين والقيادات النقابية والعشائرية ورؤساء هيئات أهلية منتخبة وقيادات رأي. وسبب توقفنا عند هذا العدد هو أنني استأذنت الموقعين بإبلاغ مكتب الملك بوجود مبادرة كهذه كون الملك كان قد أرسل لي في بداية توليه العرش بقصد التعاون على الإصلاح تحديدا. وكل ما تلا من تواصل إيجابي معي لأكثر من عامين يثبت أن الملك شخصيا اعتبر المبادرة وثيقة على طريق ذلك الإصلاح.

أما الإخوان فكانوا قد رفضوا توقيع المذكرة, متوقعين أن يؤثر رفضهم على موقف أحزاب المعارضة الأخرى, قائلين في اجتماع لأحزاب المعارضة: نحن لا نوقع مبادرات غيرنا بل ننشئ المبادرات. ورواج المبادرة جعلهم يهاجمونها في مانشيت رئيس على غلاف صحيفة "السبيل" الناطقة باسمهم, وفي اجتماع للمعارضة كال لي أحد قياداتهم اتهامات فاقت ما وجهه لي قيادي آخر من زملائي في المجلس النيابي في أول جلساته المخصصة لاعتماد الرد على خطاب العرش, الذي هاجم الديمقراطية الدستورية ودعاتها من "أتباع الغرب", المضادة في رأيه "للشورى".

"
انضمام الإخوان للمبادرة الوطنية والمطالبة بعودة الملكية الدستورية تغير نوعي هام طرأ على موقفهم لا نستطيع أن نوفيه حقه, وهذا الانضمام يمثل خروجهم من خندقين: الأول  افتراض أنهم يحتكرون الحقيقة دون غيرهم والثاني خروجهم من تحت عباءة النظام  
"
بيان هذه الحقائق هام لأنه يؤشر على تغير نوعي هام طرأ على موقف الإخوان لا نستطيع أن نوفيه حقه دون معرفة ما سبقه. فمطالبة نائب الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي, ومعه نصف جسم الإخوان المسلمين, بالعودة "للملكية الدستورية وانتخاب رئيس وزراء" وتفاصيل أخرى مما ورد في مبادرة القوى الوطنية من مثل تشكيل محكمة دستورية, جاءت بانضمامهم "الآن" لدعوة مستجدة العام الماضي لإحدى المجموعات الإصلاحية الصغيرة -التي باتت تظهر بكثرة مؤخرا- كانت قد استحضرت هذه المطالب من المبادرة الأم.

وتلك الدعوة لم تثر ذات الاهتمام الرسمي لحين انضم لها فصيل من الإخوان, وعندها عادت أقلام المستفيدين من "الخروج على الدستور" للتلويح "بفزاعة الأخوان".

هذا الذي حصل هو تغير هام بحيث يرجح الباحثون أن يكون أهم عامل في انقسام تنظيم الإخوان لأول مرة في تاريخهم. كون خلافهم الآخر, بشأن تمثيل الإخوان الفلسطينيين في الداخل والشتات لا يتطابق بل يتقاطع مع هذا, حسمه ليس بيد قيادات الإخوان في الأردن بقدر ما تحسمه القواعد التي تمر في فترة تحديد هوية, خاصة بعد دخول حماس بقوة على خط هذا التمثيل.

وهنا إضافة للقبول بالدستورية نتوقف عند تغير هام آخر في الخطاب الإخواني, أو لنقل في خطاب جناح مناصف فيه, وهو تأكيد مؤيدي الملكية الدستورية قبولهم بالمبادرة على أن "تكون الحركة الإسلامية طرفا فيها لا أن تكون المبادرة هي للمبادرة". وهذا عكس ما قيل في رفض المبادرة الأولى والأصل الذي بنيت عليه المبادرة الجديدة لقطاع أصغر بكثير.

وقد يقول البعض إن هذا قول يهدف لتحاشي أن يكون الإخوان في مرمى السهام الرسمية, ولكنهم سبق وكانوا في مواقع استقطبت سهام المسؤولين وسهام قطاع من الشعب غير قليل. ومن هنا لا يجوز أن ننفي عن هذا التغير حقيقة أنه قبول منهم بالتعددية دون افتراض أو زعم أن موقع القيادة يجب أن يكون لهم.

بمعنى آخر هذا قول يمثل خروجهم من خندقين: الأول افتراض أنهم يحتكرون الحقيقة دون غيرهم. والثاني خروجهم من تحت عباءة النظام, والعرش تحديدا, بعد أن كانوا من أوائل وأكثر من اختبأ وراءه باسم الموالاة, ومن افترض أحقية وراثته باسم المعارضة. فقد اتهموا من قبل مرارا -وليس دونما وجه حق- بمحاولة القفز على الديمقراطية للوصول للسلطة ثم احتكارها.

العقلاء في العالم كله يجب أن يتوقفوا بجدية أمام نقلة كهذه في فكر وممارسة أكبر وأعرق تنظيم إسلامي في العالم العربي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك