ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

 

يطيب للمحللين، الذين تأخذ عقولهم، أو تستهويهم، الأيديولوجيات والشعارات والمطلقات، تفسير تميّز إسرائيل على العالم العربي، وتحديها له، بتفوقها في المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وتمتعها بعلاقات إستراتيجية استثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية.

لكن، ورغم كل العوامل السابقة، فإن هؤلاء يغفلون (وربما يحجبون) في خطابهم العوامل الذاتية، التي تضفي على إسرائيل قوة مضافة تجعلها قادرة على تجيير عناصر تفوقها، وتحويلها إلى عوامل قوة وغلبة وتميز لصالحها إزاء دول المنطقة.

الحاصل أن إسرائيل هذه، التي نشأت قبل عقود عدة من الزمن والتي يطيب لمعظم المحللين وصمها في خطاباتهم باعتبارها دولة مصطنعة (وهي كذلك)، تبدو أكبر من حجمها وأكثر قوة من إمكاناتها وأفضل استقرارا من غيرها، وذلك بالقياس لحال الكيانات العربية السائدة، وذلك رغم تحدياتها وتناقضاتها الداخلية والخارجية، وبالذات على الرغم من تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي بمختلف المجالات عليها.

هكذا فثمة عناصر ذاتية تضفي قوة مضافة على إسرائيل ينبغي التمعن فيها وتفحصها وعدم تجاهلها بدعوى أن إسرائيل دولة عدوة، لذا لا ينبغي الحطّ من قدرها، لأن هذا الموقف الخاطئ، أو القاصر، لا يسمح بمراكمة الوعي المناسب لمواجهة إسرائيل، تماما مثلما أن المبالغة بقدرات إسرائيل والتهويل بشأنها يعيق بناء القدرات العربية في مواجهتها.

ويمكن تبين عوامل تميز إسرائيل، وهي العوامل التي تتحدى بها العالم العربي، في الجوانب التالية:

"
تتميز إسرائيل، على العالم العربي، بنظامها السياسي الديمقراطي (بالنسبة لمواطنيها اليهود)، وهو يتأسس على اعتماد الفصل بين السلطات والتمثيل والانتخاب والتعددية السياسية وحرية الرأي وتداول السلطة
"
طبيعة نظامها السياسي

تتميز إسرائيل، على العالم العربي، بنظامها السياسي الديمقراطي (بالنسبة لمواطنيها اليهود)، وهو يتأسس على اعتماد الفصل بين السلطات والتمثيل والانتخاب والتعددية السياسية وحرية الرأي وتداول السلطة.

وفي الواقع فإن اعتماد هذا النظام شكّل قوة مضافة لإسرائيل، ومكنها من استثمار مواردها (المادية والبشرية) بشكل أفضل، كما مكنها من إدارة تنوعها وخلافاتها وتناقضاتها وأيضا تجاوز نقاط ضعفها (محدودية المساحة وعدد السكان وعداء المحيط)، وتوجيهها للخارج.

بالمقابل، فإن التميز الإسرائيلي في هذا المجال هو ما تفتقده حال الكيانات العربية، ويشكل نقطة ضعف لها بالقياس إلى الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها (المساحة، والكثرة العددية، والثروة النفطية، وعوامل تكوين الأمة)، وذلك بسبب تخلف النظام السياسي والطريقة السلطوية في إدارة الدولة والمجتمع والتي تعيد إنتاج علاقات الضعف والتهميش وتؤبد التناقضات الداخلية، ما يفسر أن السياسة العربية تقصر عن مواجهة التحديات التي تمثلها إسرائيل سواء كانت في حال أزمة أم من دونها.
 
ويتميز النظام السياسي الديمقراطي في إسرائيل، أيضا، باتساع نظام المشاركة السياسية بفضل نظام الانتخابات النسبية والدائرة الواحدة، ما يكفل لكل التيارات والجماعات والأحزاب السياسية والاثنية (مهما كان حجمها) التعبير عن ذاتها، ويكفل لها حقها في الوصول إلى مقاعد الكنيست الإسرائيلي.
 
في حين أن مؤشر المشاركة في السياسة في المنطقة العربية يعكس ظاهرة اللامبالاة والسلبية والاغتراب التي تسود المجتمعات العربية بالقياس للمجتمع الإسرائيلي الذي تبلغ فيه نسبة المشاركة في الانتخابات 80%، هذا عدا عن النسبة العالية للمشاركة في النشاطات الحزبية والشؤون العامة.

هكذا، فبينما تجد أن إسرائيل تذهب بين فترة وأخرى إلى انتخابات جديدة، رغم انهماكها بالصراع مع محيطها ومع الفلسطينيين، فإن النظام العربي يحافظ على ركوده ويعزز من الغربة بين المجتمعات والحكومات أو بالأحرى السلطات.
 
ورغم أن الأزمات السياسية والحكومية والحزبية التي تحيق بالنظام السياسي الإسرائيلي بين فترة وأخرى، فإنها تعتبر، أيضا، دليل حيوية بالنسبة للسياسة الإسرائيلية، وهي تأكيد على أن إسرائيل، بفضل احتكامها لصناديق الاقتراع، قادرة على تجاوز هذه الأزمات، عكس الأحوال عندنا!

"
يبلغ حجم الإنفاق على الفرد في إسرائيل في مجال التعليم حوالي 1200 دولار، في حين أنه يبلغ في العالم العربي حوالي 110 دولارات في العام، علما أن الإحصاءات تؤكد وجود نسبة أمية تعادل 40% في الوطن العربي!
"
إدارة الموارد البشرية

أيضا، فإن هذه الدولة (المصطنعة) مدينة باستمرارها وتطورها وتميزها إلى استثمارها العالي لمواردها البشرية، للتعويض عن النقص في الموارد الأخرى (المساحة والجغرافيا وقلة العدد).
 
فمثلا يبلغ حجم الإنفاق على الفرد في إسرائيل في مجال التعليم حوالي 1200 دولار، في حين أنه يبلغ في العالم العربي حوالي 110 دولارات في العام، علما أن الإحصاءات تؤكد وجود نسبة أمية تعادل 40% في العالم العربي!

أما حصة الفرد الإسرائيلي من الإنفاق على البحث العلمي فتبلغ حوالي خمسمائة دولار في العام، علما أن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير العلمي في إسرائيل تبلغ 2.5% من ناتجها السنوي الذي يقدر بحوالي 150 بليون دولار.
 
في المقابل، فإن حصة الإنفاق على الفرد في العالم العربي في مجال البحث والتطوير لا تزيد على 8 دولارات في العام، وهي تمثل ثلاثة بلايين من الدولارات، وهو ما يعادل المبلغ الذي تنفقه إسرائيل سنويا في هذا المجال مع الفارق البيّن بالنسبة لمجموع السكان!

وبحسب بحث موضوعه "ميزان الثروة الفكرية" يتبيّن أن عدد المهندسين في إسرائيل هو الأعلى في العالم: 135 مهندسا لكل عشرة آلاف عامل، في حين أن الولايات المتحدة تقع في الرتبة الثانية بـ70 مهندسا ثم اليابان (65) وهولندا (53) وسويسرا (38).
 
ومن ناحية العلماء وذوي الخبرة التقنية تدرج إسرائيل في المكان الأول بـ140 لكل عشرة آلاف عامل، وتأتي الولايات المتحدة بعد إسرائيل بـ83 عالما وتقنيا، وبعدها اليابان (80) وألمانيا (60) فسويسرا (55).
 
على ذلك، وبحسب (رئيس رابطة شركات الإلكترونيات)أليشع يناي، فقد أصبحت إسرائيل بمثابة "وادي السليكون" في المنطقة: "لا يجب أن تقاس بالولايات المتحدة كلها، بل بمناطق هاي تيك معينة مثل وادي السليكون في كاليفورنيا ومنطقة هاي تيك في بوسطن ومنطقة هاي تيك في تكساس. في مقارنة كهذه، توجد إسرائيل في المكان الثالث العام، وليس فقط النسبي للمهندسين والقوة العاملة التقنية" (الإحصائيات عن يديعوت أحرونوت 20/11/2005).
 
وبحسب بعض التصنيفات، فإن إسرائيل تقع في الترتيب الـ11 في العالم بالنسبة لعدد الاختراعات المسجلة في الولايات المتحدة.
 
في الأعوام 1977 و2004 سجل الإسرائيليون أكثر من 12 ألف اختراع في الولايات المتحدة، نحو 4500 منها بين أعوام 2001 و2004. (تقرير موطي باسوك وطل ليفي في هآرتس/ ذي ماركر 19/10/2006).

من ناحية أخرى، فإن البيئة الإسرائيلية (رغم كل ما يحصل) بيئة جاذبة للاستثمارات المالية ولكفاءات من المهاجرين اليهود، في حين تبدو البيئة العربية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) بيئة غير جاذبة (بل طاردة!) في هذين المجالين.
 
فثمة أكثر من بليوني دولار من الأموال العربية تستثمر خارج العالم العربي، وبحلول العام 1976 ثمة واقع هجرة لحوالي 23% من المهندسين و50% من الأطباء و15% من حملة الشهادات الجامعية من البلدان العربية إلى بلدان المهجر (أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا) بحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام2003.
 
أما من حيث مستوى المعيشة، فإن حصة الفرد الإسرائيلي من الناتج السنوي وصلت مؤخرا خط الـ25 ألف دولار، ومع ناتج سنوي قدره 150 مليار دولار.

إرادة الإجماع
يتميز النظام الإسرائيلي بضرورة التوافق على عدم الاستفراد وعدم الأحادية، وضرورة توفّر نوع من الإجماع بشأن التقرير بمصير القضايا الإستراتيجية والمصيرية.
 
مثلا، يهودية الدولة، ومكانة الجيش في الدولة، ومركزية قضايا الأمن والهجرة والاستيطان والمعونات الاجتماعية والعلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهي كلها قضايا تمس هوية الدولة وحماية حدودها وأمنها ودورها الوظيفي الإقليمي.

لذلك من البديهي أن قضية مصيرية بحجم قضية التسوية مع الفلسطينيين، بأبعادها التاريخية والرمزية، لا يمكن حسمها في إسرائيل على أساس من المعادلة الديمقراطية التي تتعلق بموازين القوى في الكنيست، أو عبر قانون خضوع الأقلية للأكثرية، كونها تحتاج إلى نوع من التوافق يضم معظم التيارات السياسية الإسرائيلية.

وكما هو معروف ما كان بالمستطاع تحقيق مثل هذا التوافق طوال المرحلة الماضية، لا في ظل حكومة كاديما ولا في ظل حزب العمل ولا في ظل حكومة الليكود.
 
ومثلا فهذا الحزب رغم معارضته للتسوية واعتباره الضفة والقطاع جزءا من أرض إسرائيل الكاملة (أرض الميعاد)، فإنه لم يستطع ترجمة ذلك بضم هذه الأراضي لإسرائيل، رغم وجوده في الحكم منذ العام 1977 ورغم تشكيله عدة مرات حكومة يمينية صرفة.
 
أما اليسار الإسرائيلي فقد فضل المماطلة في عملية التسوية بسبب إدراكه للصعوبات والتعقيدات المتعلقة بهذه التسوية، والتي تطال تحديد حدود إسرائيل الخارجية والداخلية، أي حدودها الجغرافية والسياسية والبشرية.
 
وهذا ما يفسر أن حزب العمل فضل السير بطريق التسوية المرحلية، وأنه أجل الكثير من الأسئلة المتعلقة بهذه التسوية.
 
وهذا ما حصل في السابق مع حكومة كاديما في ظل رئاسة إيهود أولمرت، حيث لم يستطع الذهاب بعيدا في التسوية مع الفلسطينيين، وظل مصرا على الإجماع بشأن عدم العودة لحدود 1967، ورفض حل قضية اللاجئين في إسرائيل، واعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وإبقاء الكتل الاستيطانية الكبرى.
 
معنى ذلك أن الشعور الجمعي الإسرائيلي متوافق على ضرورة تخفيف وتجاوز التناقضات التي يمكن أن تشكل خطرا على الوجود الإسرائيلي.
 
أي أن الإسرائيليين يمينيين أو يساريين، متطرفين أم معتدلين، لن يغامروا بتعميق التناقضات فيما بينهم على قضية تتعلّق بالعرب أو "الأغيار"، ولن يغلّبوا أنفسهم في هذا الشأن، خاصة أن هذا الموقف لا يحملهم الكثير من التكلفة أو الأعباء المادية والمعنوية، أو أنه يحملهم تكلفة في حدود معينة هم قادرون على امتصاصها.
 
"
بينت التجربة حرص إسرائيل، بمختلف أطيافها، على طمس أو تجاوز خلافاتها الداخلية في حال ظهور نوع من خطر خارجي يتهددها
"
الوحدة إزاء الخارج

بينت التجربة حرص إسرائيل، بمختلف أطيافها، على طمس أو تجاوز خلافاتها الداخلية في حال ظهور نوع من خطر خارجي يتهددها، وقد حصل ذلك في مختلف المراحل السابقة.

ويستمد هذا الشعور الجمعي بالخطر إزاء الخارج من واقع أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع استيطاني مصطنع، أقام علاقته مع الأرض والمنطقة من نقطة الصفر، بناء على ادعاءات أيديولوجية أو أسطورية.
 
لذا فإن وعي الإسرائيليين لوضعهم، وهو وضع قلق وغير يقيني، لإدراكهم حساسية إسرائيل، كدولة استيطانية إحلالية عنصرية، إزاء التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا والمحيط.

وفي مثل هذه المجتمعات فإن الإحساس بالخطر الوجودي الخارجي هو إحساس لا نهاية له، لأنه متضمن في الوعي الباطني لمجموع المستوطنين في محاولتهم نفي الآخر (المجتمع الأصلي)، وفي تطلبهم لنوع من الأمن المطلق، الذي يستحيل بلوغه إلا عبر نفي أو إلغاء أو امتصاص المجتمع الأصلي، الذي هو مستحيل في الحالة الإسرائيلية الفلسطينية.

ويتبيّن من تفحّص الظاهرة الإسرائيلية أن أعلى أشكال الوحدة، وتغييب التناقضات والخلافات الداخلية، كانت تنشأ في ظل ظروف الصراعات الخارجية، والعكس صحيح، إذ إن التناقضات الداخلية الإسرائيلية بدأت بالبروز على خلفية غياب المخاطر والتحديات. في حين أن العالم العربي يغرق بتناقضاته الداخلية والبينية من دون بذل أي جهد للحد منها أو وضع حلول مناسبة لها.

تلك هي بشكل عام عوامل تميز إسرائيل، من الناحية الذاتية، والتي يستنتج منها أن تحدي إسرائيل للعالم العربي لا يقتصر البتة على المجال العسكري فقط، ولا على التفوق الاقتصادي والتكنولوجي فحسب، ولا على دعم الولايات المتحدة لها، بقدر ما هو أيضا نتاج التمايز في مجالات النظام السياسي وإدارة الموارد البشرية ومستوى المشاركة السياسية والوعي العالي بضرورة الوحدة لمواجهة التحديات الخارجية.

طبعا لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أن الأوضاع في إسرائيل على ما يرام، فمثلما أن ثمة شططا وضررا في المبالغة بما يجري، فإنه لا يجوز الاستهانة به، بمعنى أن المطلوب التعامل مع إسرائيل بشكل موضوعي (بغض النظر عن رأينا فيها) بوصفها ظاهرة عادية، تعج بالتناقضات والتحولات.

وبهذا المعنى فإن إسرائيل، كغيرها من الظواهر الاجتماعية والسياسية، تعاني من أزمات ومن تحديات ومن نوع من عدم النضج أو الاستقرار، بسبب من طبيعة تكوينها والتناقضات الكامنة فيها؛ وضمن ذلك التناقض بين كونها دولة علمانية أو يهودية، وبين كونها دولة ديمقراطية وعنصرية (إزاء العرب)، وأيضا بسبب طابعها الاستعماري وسيطرتها بالقوة على شعب آخر.

على ذلك، فبدلا من طمس أو تجاهل نقاط التميز الإسرائيلية هذه، ينبغي العمل على إدراكها لمعرفة نوعية ومستوى التحديات الحقيقية التي تمثلها إسرائيل للواقع العربي، والعمل جديا على تداركها وتجاوزها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك