أسطورة التأسيس وطمس التاريخ
المؤرخون الجدد
من تاريخ النكبة إلى الواقع الحالي

في 15 مايو/أيار من سنة 1948، اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى التي أعقبت إعلان قيام دولة إسرائيل. وكما هو معروف فقد انتهت هذه الحرب بنكبة القوات العربية وتهجير مئات الآلاف من السكان الفلسطينيين.

لقد رسخ هذا الحدث أسطورة التأسيس البطولي للكيان اليهودي في الذاكرة الجمعية للإسرائيليين والتي تم تصديرها للرأي العام العالمي وخاصة الغربي منه من طرف أجهزة الإعلام الصهيونية بهدف طمس حقيقة النكبة.

بعد ما يزيد عن ستين عاما، بدأت هذه الرواية الرسمية تتعرى بفعل دور نخبة قليلة من المؤرخين الجدد الذين حاولوا استعادة الحدث بعيدا عن تأثير الدوائر الصهيونية مما مكنهم من الاقتراب من الرواية الفلسطينية والعربية، بالرغم من الضوابط السلبية التي ما زالت تطبع كتاباتهم وآرائهم.

أسطورة التأسيس وطمس التاريخ
لمعرفة مدى تفرد هذه النخبة الجديدة من المؤرخين، لا بد من العودة للتذكير بأهم النقاط التي ترتكز عليها الرواية الصهيونية الرسمية لتاريخ التأسيس الإسرائيلي.

وهي رواية ألفها الإسرائيليون واستساغها الإعلام الرسمي الغربي معتبرا غير ذلك ضربا من ضروب "اللاسامية". إنها رواية المنتصر. تقول هذه الرواية إن الدولة اليهودية الناشئة في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، كانت وليدة مقاومة بطولية قادتها قوة التحرر الصهيوني في وجه الاحتلال البريطاني وفي وجه جيوش عربية جرارة تفوق اليهود من حيث العدد والعدة.

وبطبيعة الحال لا بد لهذه الرواية من تفسير وضع مئات آلاف المهجرين الفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرة أراضيهم. في هذه الحالة تقول رواية التأسيس الصهيوني الرسمي، إن جحافل الفلسطينيين العزل غادروا أراضيهم تلبية لطلب القادة العرب المنخرطين في الحرب، بمغادرة ساحة المعارك مؤقتا والعودة بعد تحقيق النصر. وتضيف الرواية كذلك أن الإسرائيليين حاولوا فيما بعد البحث عن سبل للسلام لكنهم لم يجدوا طرفا جادا يبادلهم نيتهم السلمية. لن أتحدث هنا عن أرض بلا شعب مقابل شعب بلا أرض لأنها لم تنطل حتى على الإسرائيليين أنفسهم منذ البداية.

"
تفهمنا لانتشار الرواية الصهيونية الرسمية في الأوساط الإسرائيلية الشعبية وحتى الأكاديمية لستة عقود له تفسيراته، أما أن تنغرس هذه الرواية لدى الرأي العام الغربي وداخل فضاءات النخبة المفكرة فهذا يثير العديد من التساؤلات
"
من الواضح، للقارئ العربي خاصة، أن هذا الخطاب التأسيسي منغمس في أسطورة التأسيس الوطني البطولي التي تستوجب الانطلاق من وضع القهر والهوان للوصول إلى مجهود البناء الذاتي المشبع برموز البطولة. ومن بين هذه الرموز التأسيسية، نذكر شخصية بن غوريون ومجموعات الإرهاب اليهودية التي تحولت إلى مقاومة ثم المخطط دالي (DALE) الذي تحول من مخطط للتطهير العرقي إلى برنامج إعمار إنساني.

لكن علينا في نفس الوقت أن نشير، من وجهة نظر معرفية، إلى أن تطويع الرواية التاريخية من منظور إيديولوجيا التأسيس الوطني لا يعد شذوذا إسرائيليا. بل نجده في أغلب دول العالم بما فيها البلدان العربية حيث يطغى التاريخ الوطني الشخصي أو العائلي على الرواية الأكاديمية. لكن هذا لا يقارن البتة مع الإستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تبرير جريمة في حق الإنسانية ما زلنا نعيش فصولها إلى اليوم.

إن تفهمنا سبب انتشار الرواية الصهيونية الرسمية في الأوساط الإسرائيلية الشعبية وحتى الأكاديمية لستة عقود فهذا له تفسيراته، أما أن تنغرس هذه الرواية لدى الرأي العام الغربي وداخل فضاءات النخبة المفكرة فهذا يثير العديد من التساؤلات.

أعود هنا إلى ما أورده الراحل إدوارد سعيد من استغرابه لتفادي الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر الخوض في موضوع المأساة الفلسطينية حتى وإن أتيحت له الفرصة. هذه ليست حالة معزولة، فهو وضع عام في البلاد الأوروبية يجرم التشكيك في رواية التأسيس باعتبارها خطابا "لا سامي".

أما إذا نزلنا إلى مستوى الرأي العام فالوضع الفكري أكثر تكلسا. أذكر هنا على سبيل المثال نقاشا دار بيني وبين زميلتي الفرنسية في العمل حول هذا الموضوع وقالت لي إن اليهود الذين استقروا في فلسطين كانوا قد اشتروا الأراضي التي أسسوا عليها دولتهم. لكن سرعان ما تشككت في صدقية هذه الرواية عندما قلت لها إن المعمرين الفرنسيين في الجزائر وفي بلاد المغرب كانوا قد اشتروا بدورهم الأراضي التي كانوا يستغلونها زمن الاستعمار، فهل يعني هذا حقهم في إنشاء دولة فرنسية؟ لم أخض معها في تفاصيل رواية البيع لأن مجرد المقارنة أخرجت هذه الزميلة من وضع اليقين إلى حالة الشك. لكن ما شد انتباهها هو تشكيك مؤرخين إسرائيليين أنفسهم في الرواية التي قدمتها.

المؤرخون الجدد
المؤرخون الإسرائيليون الجدد هم نخبة قليلة شذت عن تقاليد البحث التاريخي التي رسختها العقلية الصهيونية الرسمية في الأوساط الجامعية والبحثية الإسرائيلية.

وقد أورد الصحفي الفرنسي ذو الأصل اليهودي دومينيك فيدال تحليلا موضوعيا لخطابهم في كتاب خصصه لهذا الغرض. كما نجد تحليلات أكثر دقة حولهم في الكتابات العربية الفلسطينية مثل كتابات إلياس سمبر.

من بين أبرز هؤلاء المؤرخين نذكر إيلان بابي من جامعة حيفا، والذي عنون أحد كتبه حول الموضوع بـ"التطهير العرقي لفلسطين". وهو من بين المؤرخين الجدد الأكثر جرأة سواء على صعيد أبحاثه الأكاديمية أو على صعيد مواقفه السياسية.

كما نجد بني موريس صاحب كتاب "ولادة مشكل اللاجئين الفلسطينيين 1947ـ1949". يعترف هذا المؤرخ بأن ولادة المشكل الفلسطيني مرتبطة بسياسة التهجير القسري التي اعتمدتها الحركة الصهيونية، مؤكدا على الجانب التخطيطي لهذه السياسة منذ بداية الأربعينيات من القرن الماضي.

"
المؤرخون الإسرائيليون الجدد هم نخبة قليلة شذت عن تقاليد البحث التاريخي التي رسختها العقلية الصهيونية الرسمية في الأوساط الجامعية والبحثية الإسرائيلية, وقدموا دراسات تبتعد كثيرا عن مفهوم التأسيس وتقترب أكثر من الحديث عن النكبة من منظورها التاريخي والعربي
"
لكنه على خلاف إيلان بابي يبررها سياسيا وله مواقف أكثر تشددا. تضم هذه القائمة كذلك أسماء مثل سمهي فلابان صاحب كتاب "ولادة إسرائيل: الأسطورة والواقع، وآفي شليم اليهودي ذي الأصل العراقي صاحب كتاب "الملك عبد الله والحركة الصهيونية وتقسيم فلسطين".

نشير هنا إلى أن التشكيك في الرواية التاريخية الرسمية لتأسيس إسرائيل، ليس بجديد ويمكننا العودة إلى سنوات الستينيات من القرن الماضي، وبالتحديد إلى المفكرة الأميركية ذات الأصل الثقافي اليهودي حنا أرنت التي سبق أن قدمت بعض أفكارها على موقع الجزيرة نت.

ففي كتابها حول محاكمة النازي إيتشمان، أوردت أرنت مدى التواطؤ الذي طبع علاقات الحركة الصهيونية الألمانية مع السلطات النازية. كما شددت على سياسة بن غوريون الرامية إلى تأسيس هالة خرافية حول شخصيته الكاريزمية.

وبالفعل فإن أول الرموز التي سقطت مع أعمال المؤرخين الإسرائيليين الجدد هو رمز بن غوريون بوصفه قائدا وطنيا مؤسسا. إذ تحمله أغلب هذه الدراسات الجديدة المسؤولية المباشرة على بلورة وصياغة وتنفيذ مخطط دالي الرامي ظاهريا إلى حماية اليهود عن طريق تعليمات تبرر القتل والتهجير.

وهذا ما يكشف عنه النص الرسمي للمخطط الذي أصبح بالإمكان الاطلاع عليه بعد فتح الأرشيف الإسرائيلي الرسمي والخاص. وقد أورد إيلان بابي مقتطفات منه أكد من خلالها بن غريون على ضرورة تدمير القرى بحرقها أو بتلغيمها، وعلى ضرورة سحق كل مقاومة وطرد السكان خارج الحدود. 

وتعود هذه الدراسات لتؤكد كذلك المجازر التي ارتكبت في حق الفلسطينيين القرويين والبدو، مثل حالة دير ياسين، للتأكيد على المسؤولية الإسرائيلية التامة عنها. وبسقوط أسطورة بن غوريون سقطت كذلك أسطورة هذا المخطط الذي قال عنه أهارون زيسلينغ المكلف بالزراعة في اجتماع وزاري إسرائيلي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1948: "لم أستطع النوم البارحة. إن ما يجري يجرح روحي وروح عائلتي وأرواحنا جميعا... يتصرف اليهود الآن مثل النازيين، وهذا يفجر كياني".

كما تعود هذه الدراسات إلى تهجير السكان الفلسطينيين لتبتعد كثيرا عن مفهوم التأسيس وتقترب أكثر من الحديث عن النكبة من منظورها التاريخي والعربي، حيث يقول أصحابها إنه لا دليل على كون الفلسطينيين غادروا أرضهم طوعا أو تلبية لنداء قادة عرب.

إذ لا وجود لأي قرار رسمي عربي مكتوب، كما أن معاينة التسجيلات الإذاعية، التي وفرها فتح الأرشيف الإسرائيلي، بينت أن أغلبها "مفبرك" وبعضها لا يرقى إلى مستوى الدعوة الرسمية لمغادرة الأرض. بل على العكس يجرم بعضها إمكانية التفكير في ذلك.

من جهة أخرى، درس بعض هؤلاء المؤرخين حالة القرى العربية التي تم محوها أو تهويدها وعددها 400 ليخلصوا إلى أن قرابة نصفها تم إخلاؤه جراء أعمال عنف وقتل ارتكبت مباشرة ضد سكانها العرب. في حين لا نجد إلا حالات قليلة غادر فيها السكان لأسباب غير مؤكدة حسب هذه الدراسات.

وبطبيعة الحال فإن مسألة افتكاك الأراضي كانت حاضرة بقوة كذلك. وقد ورد في بعضها جرد مدقق لمئات الآلاف من الهكتارات التي أصبحت بدون ملاك بعد طرد أو قتل سكانها وتوطين مهاجرين أوروبيين بدلا عنهم.

من تاريخ النكبة إلى الواقع الحالي
كيف يمكن أن نقيم عمل هذه النخبة من المؤرخين؟ لا يمكن أن تخرج الإجابة عن هذا السؤال عن مستويي البحث التاريخي المعرفي ثم السياسي المتعلق بتبعات الحدث.

على المستوى المعرفي البحت، لا بد من التأكيد على إيجابية الخروج من بوتقة القراءة الرسمية لتاريخ فلسطين والتوطين اليهودي. ففي هذا التزام أكيد بصرامة المنهج التاريخي الذي لا يعترف بالحقائق الرسمية. مثل هذا التحول يخلق منافسة داخلية أكيدة لخطاب النخبة العسكرية السياسية الإسرائيلية التي تحتكر لنفسها حق الحديث عن الآخر الفلسطيني وتصور العلاقة معه.

"
ربما لا تغير الدراسات الجديدة شيئا لدى القارئ العربي الذي تحصن من أسطورة التأسيس, لكن الاستثمار الحقيقي  يبقى على مستوى الدعاية المساندة لحقوق الشعب الفلسطيني في الأوساط الغربية
"
لكن علينا الإشارة في نفس الوقت إلى أن هذه الموضوعية التاريخية تبقى منقوصة وعقيمة إلى حد ما بسبب عدم اعتماد المؤرخين الإسرائيليين الجدد على مصادر غير المصادر الرسمية الإسرائيلية.

فمن غير المعقول مثلا عدم الاعتماد على المصادر العربية حول أحداث النكبة وكذلك على المصادر الرسمية البريطانية. كما أنه من غير المعقول تصور كتابة تاريخ أحداث فلسطين زمن النكبة مع تغييب المصادر الشفهية الفلسطينية.

إذ كيف نكتب تاريخ فاعلين تاريخيين ما زالوا أحياء دون سماع وجهة نظرهم. قد يفهم ذلك في السياق السياسي الحالي بما أن المهجرين خارج فلسطين، لكن هذه الحجة تسقط إذا ما اعتبرنا عرب 1948 الذين يسهل على المؤرخ الإسرائيلي سماع شهادتهم. هذا يعني أننا لم نخرج تماما من مرحلة كتابة التاريخ بعيون المنتصر. وكأن التحول تم أكثر على مستوى المصادر لا على مستوى المنهج.

أما على المستوى السياسي الراهن فنلاحظ أن المؤرخين الإسرائيليين الجدد لم يؤسسوا لمنظومة فكرية داخلية قادرة على إثمار البحث التاريخي على مستوى الواقع السياسي.

فرغم إعادة النظر في أسطورة التأسيس فإن بعضهم حافظ على مواقف سياسية متضاربة أحيانا مع نتائج أبحاثهم. لكن من المهم التأكيد على بداية السقوط الرمزي لأسطورة التأسيس الإسرائيلي التي أسست لحالات شاذة من التكلس الفكري والمعرفي شملت البلدان الغربية ذاتها.

وأعطي مثلا عمليا على ذلك من خلال الحالة الفرنسية. فقد استقرت في بلد الثورة والحريات حالة غير معلنة لتحريم التشكيك في أسطورة التأسيس الإسرائيلي باعتباره ضربا من ضروب "اللاسامية". مع هذا التحول الجزئي في مواقف المؤرخين الإسرائيليين أصبح هناك سند معرفي مهم للخطاب الذي طالما ندد بقيام دولة إسرائيل باعتبارها امتدادا للتاريخ الاستعماري الأوروبي.

نعلم كذلك أن الدعاية الصهيونية في هذا البلد طالما اعتبرت المساواة بين ما قامت وتقوم به إسرائيل من اعتداءات على الفلسطينيين وما قام به النازيون شكلا من أشكال "اللاسامية". ويستشهدون على ذلك باللافتات التي تساوي بين نجمة داود والرمز النازي. مثل هذه الحجج الواهية ستفقد كل شرعية إذا اعتمدنا على شهادة مسؤول الزراعة الإسرائيلي التي أوردناها سابقا.

ربما لا تغير هذه الدراسات الجديدة شيئا لدى القارئ العربي الذي تحصن بأسطورة التأسيس ووفرت له الدراسات التاريخية العربية قراءة أكثر موضوعية، ولو أنها هي أيضا مصبوغة بتأثير رواية المنهزم. لكن الاستثمار الحقيقي حسب رأيي يبقى على مستوى الدعاية المساندة لحقوق الشعب الفلسطيني في الأوساط الغربية.
ــــــــــــــــــــــــ
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك