محمد بن المختار الشنقيطي

محمد بن المختار الشنقيطي

أستاذ الأخلاق السياسية بمركز التشريع الإسلامي والأخلاق في قطر


ليكن دمه علينا وعلى أولادنا
كون المسيح ولد يهوديا

ديانة الهولوكوست الجديدة
فاقد الشيء لا يعطيه

لو كان البابا بنديكت قرر أن يزور غزة في رحلته الحالية للبلاد المقدسة، ويقبل يد الأب مانويل مسلَّم، قائد الكنيسة الكاثوليكية الذي يسميه الناس هناك "بابا غزة"، أو يقبل رأس الأب عطا الله حنا مطران الكنيسة الأرثوذكسية بالقدس.. لرحبتُ بزيارته، ولاقتنعت بأنه حامل رسالة أخلاقية وإنسانية، بغض النظر عن الاختلاف في المعتقد.

لكن كل الدلائل تشير إلى أن البابا بنديكت لا يقيم وزنا للمسلمين، ولا يهتم بالمسيحيين الشرقيين (حتى الكاثوليك منهم) إذا كان اهتمامه بشأنهم قد يثير حفيظة الإسرائيليين، وإنما يهم البابا تبرئة نفسه أمام الابتزاز الصهيوني، وتعميق مسار التهود داخل الديانة المسيحية إرضاء لليهود. ويكفي النظر إلى بعض ثمرات الزيارة لنفهم ما وراء الأكمة:

* التقى البابا في منزل الرئيس الإسرائيلي بوالديْ الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط، لكنه بالطبع لم يزر ولا يجرؤ أن يزور سجينا واحدا من أحد عشر ألف سجين فلسطيني في سجون الاحتلال الغاشم، وهو يعظ الناس بالمحبة والرحمة.

* دشن البابا جامعة مسيحية وكنيستين جديدتين في الأردن، الدولة ذات الغالبية المسلمة، ومن حقه ذلك فلا إكراه في الدين، لكنه -خوفا من الإسرائيليين- لا يستطيع تدشين كنيسة واحدة في القدس أو بيت لحم أو الناصرة، الأرض التي ولد فيها المسيح عليه السلام وبدأ فيها رسالته. بل التزم البابا في زيارته بعدم تنصير اليهود.

* حذر البابا من داخل أكبر مساجد الأردن من "وضع الدين في خدمة الجهل والتحيز والحقد والعنف والوحشية" وهذا كلام لا غبار عليه، لكنه بالطبع لا يستطيع توجيه حديث مماثل إلى يهود إسرائيل، الدولة التي بنيت على العنف والوحشية وتغذت بلبانهما منذ ميلادها إلى اليوم.

ليكن دمه علينا وعلى أولادنا

"
منذ أن قالها رجال الدين اليهود "ليكن دمه علينا وعلى أولادنا" بقيت هذه العبارة مغروسة في العقل المسيحي على مر القرون، واعتبرها المسيحيون شهادة دامغة على أن اليهود في كل عصر ومصر يحملون في أعناقهم دم المسيح
"
إن فهم موقف البابا ومأزقه يحتاج إلى العودة إلى جذور العلاقة اليهودية المسيحية على مدى ألفي سنة ماضية، وهو ما لا يتسع له مقال صحفي. بيد أن بعض الأمور تحتاج إلى إبراز سريع هنا.

لقد وصف الإنجيل اليهود بمختلف الأوصاف المستهجنة، منها أنهم قتلة الأنبياء (لوقا 13/34 والرسالة الأولى إلى مؤمني تسالونيكي 2/14-15)، وأبناء قتلة الأنبياء (متى 23/31)، وأنهم "أولاد الأفاعي"، (متَّى 12/34) (متى 23/33 ومرقس 3/7)، وأنهم أهل رياء وفسق (متى 15/7-8 ومرقس 77/6) وأنهم أهل جهل وعمى وضلالة (متى 23/17، 23/19، 23/24، 15/14)، وأنهم عديمو الإحساس بالعدل والرحمة والأمانة (متى 23/23، والرسالة إلى مؤمني روما 10/3).

بيد أن الذنب الأكبر الذي يتهم به الإنجيل اليهود هو أنهم اضطهدوا المسيح عليه السلام، ثم قتلوه. وقد أفاض الإنجيل في شرح دور اليهود المناهض للمسيح من الإهانة والمضايقة (يوحنا 5:16، مرقص 14:65) إلى المطاردة والاعتقال (يوحنا 20:19) إلى الصلب والقتل (متّى 27:22-26).

ويسعى كُتَّاب الإنجيل إلى التأكيد على مسؤولية اليهود وتبرئة الرومان، حيث ورد في الإنجيل تعبير الحاكم الروماني عن اقتناعه ببراءة المسيح، وأن رجال الدين اليهود هم الذين دفعوه إلى اتخاذ قرار الصلب بعد أن حاول التملص منهم بكل حيلة، وقالوا له: "ليكن دمه علينا وعلى أولادنا" (متى 27:26).

وقد بقيت هذه العبارة "ليكن دمه علينا وعلى أولادنا" مغروسة في العقل المسيحي على مر القرون، واعتبرها المسيحيون شهادة دامغة على أن اليهود في كل عصر ومصر يحملون في أعناقهم دم المسيح، وأن لعنة الرب قد حلت عليهم بسبب ذلك إلى الأبد، وأنهم بذلك قد استحقوا كل أنواع التنكيل والاضطهاد. وقد ظلت صورة المسيح –كما يقدمها الإنجيل- وهو مقيد، يبصق الناس في وجهه ويضربونه، صورة لا تمَّحى من الضمير المسيحي.

ومن غرائب ما ترتب على هذا الاعتقاد ما حكاه "جون دومينيك كروسان" في مقدمة كتابه: "من قتل المسيح؟" Who Killed Jesus? من أن سكان مدينة "تولوز" الفرنسية كان لديهم في العصور الوسطى تقليد خاص يعتبرونه جزءا مهمًّا من المراسم الدينية، وهو إحضار يهودي إلى الكنيسة، ليصفعه أحد النبلاء أمام الجمع، إحياء لذكرى الضرب والإهانات التي تعرض لها المسيح على أيدي اليهود.

ورغم أن قصة مقتل المسيح على أيدي اليهود –من وجهة نظر إسلامية– اعتقاد خاطئ أنتج ممارسات ظالمة، فقد ترسخت هذه الفكرة في العقل المسيحي خلال القرون الوسطى، تدعمها نصوص إنجيلية متضافرة، وظروف سياسية واجتماعية قلقة. وكان على رواد الإصلاح الديني في أوروبا أن يجابهوا هذه العقدة، فحمل مؤسس البروتستانتية مارتن لوثر (1483-1583) لواء هذا الانقلاب.

كون المسيح ولد يهوديا
من المؤلفات الكثيرة التي تركها مارتن لوثر كتيب صغير له أهمية خاصة فيما حدث من تحول كثير من المسيحيين من استعباد اليهود إلى عبادتهم.

ذاك هو الكتيب المعنون "كون يسوع المسيح ولد يهوديا" That Jesus Christ was Born a Jew. ومما كتبه لوثر في الكتاب مخاطبا المسيحيين: "يجب أن نتذكر أننا مجرد أغراب Gentiles أما اليهود فيتصل نسبهم بالمسيح. نحن غرباء وأباعد، أما هم فأقارب وبنو عمومة وإخوة للرب".

ومن الواضح أن مارتن لوثر لم يكن يدرك قيمة الفكرة التي طرحها، وأثرها التاريخي الآتي، وقد طور أتباع لوثر من رجال الدين البروتستانت فكرة "كون المسيح ولد يهوديا" حتى أصبحت تعني عندهم اليوم من ضمن ما تعنيه:

* أن اليهود هم أهل المسيح وعترته، فلهم ذمة وحرمة خاصة بسبب ذلك، تقتضي دعمهم وخدمتهم و"تطييب خواطرهم" كما ورد في العهد القديم.

"
فتح مارتن لوثر بكتابه "كون يسوع المسيح ولد يهوديا" ثغرة في تاريخ المسيحية ظلت تتسع حتى اليوم، ولذلك لا عجب أن نجد اليوم تلك المقولة من أكثر المقولات تواترا على ألسنة المسيحيين الصهاينة في أميركا اليوم
"
*
 أن اليهود "أبناء الرب" –هكذا يقول المسيحيون الصهاينة اليوم حرفيا– شأنهم شأن المسيح الذي هو ابن الله في اعتقاد المسيحيين.

* أن اليهود هم الشعب المختار –كما يقولون عن أنفسهم– ولا بد من قبول ذلك، والقول بأن المسيحيين احتلوا تلك المكانة بمجيء المسيح قول مردود.

وتعني كل هذه المعاني أن المسيحية اتجهت من عبادة فرد يهودي واحد هو المسيح عليه السلام، إلى عبادة الشعب اليهودي بأسره. وقد أدرك اليهود قيمة الفكرة وعرفوا أنها تحمل بذور انقلاب تاريخي في النظرة المسيحية إلى اليهود. لذلك يذكر بعض مؤرخي المسيحية أن اليهود نشروا الكتيب ووزعوه على نطاق واسع في أوروبا، بل أوصلوه إلى فلسطين.

لقد فتح مارتن لوثر ثغرة في تاريخ المسيحية ظلت تتسع حتى اليوم، ولذلك لا عجب أن نجد اليوم مقولة "كون المسيح ولد يهوديا" من أكثر المقولات تواترا على ألسنة المسيحيين الصهاينة في أميركا اليوم.

بيد أن المسيحيين الكاثوليك والأورثوذوكس لم يقبلوا ما ذهب إليه مارتن لوثر وأتباعه من البروتستانت، وظلوا مقاومين لتهود المسيحية إلى منتصف القرن العشرين. ولذلك لم يبرئ الفاتكان اليهود من دم المسيح إلا في "المجمع الثاني" المنعقد عام 1966. لكن العقود الأربعة الماضية شهدت ميلاد ديانة جديدة تماما كان لظهورها ما بعده في هذا المضمار.

ديانة الهولوكوست الجديدة
كتب الفيلسوف اليهودي يشياهو ليبوويتز مرة أن الديانة اليهودية ماتت، وأن الهولوكوست هو الرباط الديني الوحيد الذي يجمع اليهود اليوم. كما لاحظت أستاذة التاريخ بجامعة جورج تاون بواشنطن الدكتورة إيفون حداد –وهي تنحدر من أسرة مسيحية سورية- أن المسيحية لم يعد لها وجود في الولايات المتحدة، بل استُبدلِت بها ديانة جديدة دعتها The Holocostianity أي "ديانة الهولوكوست".

وهكذا اتفق الفيلسوف اليهودي والأستاذة المسيحية على أن ديانة الهولوكوست قد حلت محل الديانيتن اليهودية والمسيحية، وليس في هذا القول مبالغة، فالهولوكوست هو المقدس الوحيد اليوم في المجتمعات الغربية العلمانية التي تخلت عن المقدسات.

وقد كتب عن ديانة الهلولكوست الكاتب والموسيقي البريطاني جلعاد أتسمون. وجلعاد –بالمناسبة- ولد في إسرائيل وخدم في الجيش الإسرائيلي خلال غزو بيروت عام 1982، وهناك اكتشف أنه "يخدم دولة استعمارية ولدتْ من النهب والتطهير العرقي" حسب تعبيره. ولم يصبح جلعاد مواطنا بريطانيا إلا في عام 2002. وقد كتب جلعاد أن الهلولوكوست أصبح ديانة بكل مقومات الديانة: فله معابده وسدنته وشعائره، وله مؤسساته المالية والإعلامية والاجتماعية.

وأنا لست مع إنكار الهولكوست أو التقليل من شأنه بوصفه مأساة إنسانية، كما يفعل بعض المسلمين، وإنما أدعو إلى ما دعا إليه من قبل المرحوم العلامة عبد الوهاب المسيري، وهو "أنسنة" الهولوكوست واليهود، بحيث يُنظر إلى الهلوكوست باعتباره حدثا تاريخيا، وإلى اليهود "باعتبارهم مجرد جماعة إنسانية تعيش في الزمان (التاريخي) والمكان (الجغرافي). فهم ليسوا شياطين ولا عباقرة، وهم لا يعيشون خارج التاريخ والجغرافيا".

أما تقديس اليهود وتجسيد العقيدة المسيحية فيهم -كما تم تجسيدها من قبل في شخص المسيح عليه السلام- فهذا أمر في غاية الخطورة، وهو هدم لأساس الأخوة الإنسانية، بتقسيم البشر إلى عبيد وآلهة، وقد رأينا نتائجه تسويغا لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره، بل مشاركة فعلية في ذلك من طرف أوروبا والولايات المتحدة.

وفي سياق تأليه اليهود هذا نفهم أن البابا بنديكت جزء من تحول تاريخي عميق في الطبعة الأوروبية من الديانة المسيحية. كما نفهم كيف تم تطويع الرجل، واستغلال خلفيته الألمانية، وعمله في الشبيبة الهتلرية وهو صبي يافع.

فاقد الشيء لا يعطيه
لقد كتب أندرو لي باترز في مجلة التايم الأميركية يوم 08 مايو/أيار 2009 "إن تأسيس إسرائيل كان كارثة على المسيحيين الشرقيين" الذين يقدر الكاتب أنهم كانوا يمثلون 20% من السكان يوم تأسيس إسرائيل، وأصبح عددهم اليوم لا يتجاوز 2%.

وكان عدد المسيحيين في العراق يتراوح بين 6 و7% في السبعينيات، أما الآن فلا يتجاوز 1% بسبب النزوح إلى الخارج الناتج عن الغزو الأميركي.

"
إذا كان البابا الذي يقود أكثر من مليار كاثوليكي في العالم يتخفف من رموز دينه ويخفيها في زيارته لإسرائيل، فكيف يؤمل فيه المسيحيون العرب والفلسطينيون أن يكون مدافعا شجاعا عن حقهم أمام السطوة الصهيونية؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه
"
كما لاحظ الكاتب أن سوريا التي خلت حتى الآن من النفوذ الغربي والاحتلال الغربي لا يزال المسيحيون مستقرين فيها دون نزوح إلى الخارج. ولم يغب عن الكاتب توجه المسيحيين في لبنان إلى التحالف مع حزب الله ومع إيران (لاحظ زيارة ميشيل عون لطهران) وهو ما يدل على ضعف ثقة المسيحيين العرب في البابا وفي الغرب، واقتناعهم بأن الغرب -والبابا جزء منه- أقرب كثيرا إلى الإسرائيليين منه إلى المسيحيين الشرقيين.

ولسنا نلوم مسيحيي الشرق الأوسط على أن يعقدوا آمالا عراضا على زيارة البابا ويتوقعوا أن تحسِّن زيارته من وضعهم من حيث الحرية الدينية وغيرها.. ولدى الفاتكان الكثير من التأثير العالمي يستطيع استخدامه في هذا السبيل.. بيد أن التحدي الأكبر الذي يواجهه المسيحيون العرب –كما يواجهه المسلمون العرب- هو إسرائيل، وهي السبب في هجرتهم عن أوطانهم واقتلاعهم من أرضهم (في فلسطين) أو غزوهم وتدمير حياتهم في بلدانهم (لبنان والأردن).

ولا يجرأ البابا على الوقوف في وجه الصهيونية الإسرائلية والعالمية في حياته الدينية الشخصية، فضلا عن الدفاع عن حقوق المسيحيين في فلسطين وما جاورها.

وقصة حمل الصليب عند حائط البراق (المبكى) تكشف عن عجز البابا أمام السطوة الصهيونية. فقبل زيارة البابا بحوالي شهرين، دعا الحاخام رابينوفيتش –وهو المشرف على الحائط- البابا إلى عدم حمل الصليب أثناء زيارته للحائط.

وقد منع نفس الحاخام عام 2007 عددا من القسس النمساويين من دخول المكان بعد أن رفضوا طلبه بخلع أو إخفاء صلبانهم، وقال الحاخام حينها: "إن الصلبان رموز تجرح مشاعر اليهود" وفي عام 2008 منع الحاخام قسسًا أيرلنديين من دخول المكان بنفس الذريعة (صحيفة جيروزلم بوست 17/03/2009). واضطر البابا إلى الخضوع لابتزاز الحاخام رابينوفيتش فقبل عدم حمل العصا الكبيرة ذات الصليب، رغم أنها لا تفارق يده عادة، وأمر مصاحبيه من القسس بإخفاء صلبانهم أثناء الزيارة (جيروزلم بوست 13/05/2009).

فإذا كان البابا الذي يقود أكثر من مليار كاثوليكي في العالم يتخفف من رموز دينه ويخفيها في زيارته لإسرائيل، فكيف يؤمل فيه المسيحيون العرب والفلسطينيون أن يكون مدافعا شجاعا عن حقهم أمام السطوة الصهيونية. إن فاقد الشيء لا يعطيه، والبابا الخاضع لابتزاز الصهوينية في حياته الدينية الشخصية لا يملك ما يقدمه للآخرين.

إن تصحيح الكنيسة لخطئها التاريخي باتهام اليهود بقتل المسيح عليه السلام أمر يجب الترحيب به، وندم أوروبا على اضطهاد اليهود أمر يستحق الاحترام، شأنه شأن رفع الظلم عن أي مظلوم في أي عصر. أما أن تُستَرد لليهود كرامتهم بالتطاول على مقدسات الإسلام، ويُغسَل العار التاريخي بدماء العرب.. فلا وألف لا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك