عبد الجليل المرهون


أولاً- السياسة الأميركية في العراق
ثانياً- الحوار الأميركي الإيراني
ثالثاً- السياسة الأميركية في بحر العرب

ثمة مناخ جديد في هذه المنطقة قد يُقدّر له التواصل والارتقاء باتجاه إعادة تعريف البيئة الإستراتيجية للخليج، على نحو لم يألفه تاريخها الحديث. وهناك اليوم رهانات، تقابلها تحديات، متعددة الأوجه والأبعاد.

هناك إستراتيجية خروج أميركية من العراق، مصحوبة بتساؤلات عن مستقبل النفوذ الأميركي فيه. ومستقبل اندماج العراق بمحيطه الخليجي، حيث امتداده الطبيعي وعمقه القومي.

يتزامن ذلك مع مشروع حوار أميركي إيراني -بأجندة إقليمية- يُراد له أن يكون مدخلاً للإجابة على التساؤلات العالقة في هذه المنطقة منذ العام 1971، يوم الرحيل الكبير للأساطيل البريطانية. وهنا، تكمن تاريخية المقاربة وطابعها الإشكالي في آن معاً.

بيد أن ما يمكن تعريفه بحذر بالتوّجه الأميركي الجديد في المنطقة، لا تكتمل معالمه دون الوقوف على المقاربة الأميركية الراهنة للأمن الملاحي في بحر العرب. هذا الأمن الذي ظل بنداً ثابتاً في سياسة الولايات المتحدة في الإقليم منذ العام 1949، والذي تعزز لاحقاً بمقولة العلاقة بين أمن الخليج وأمن الطاقة النفطية الأميركية.

"
ثمة حديث يدور اليوم في المنطقة حول ضرورة دمج العراق بمحيطه الخليجي، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن خياراً كهذا من شأنه أن يعزز فرص الاستقرار الاجتماعي في العراق وينعكس إيجاباً على مقاربة الأمن الإقليمي "
أولاً- السياسة الأميركية في العراق
يوم 27 فبراير/شباط 2008 أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما خطته لسحب قوات بلاده القتالية من العراق نهاية أغسطس/آب 2010، ليفي بما وعد به في حملته الانتخابية بإنهاء الحرب. وأكد أوباما أن العمليات القتالية ستنتهي بحلول ذلك التاريخ، كما سيتحقق خروج آخر جندي أميركي من العراق مع نهاية العام 2011.

وكان الغزو الأميركي للعراق عام 2003 قد مثل المتغيّر الأكثر مركزية في بيئة أمن الخليج، وذلك منذ العام 1991 عندما أطاحت "عاصفة الصحراء" بالتوازن الإستراتيجي الهش في النظام الإقليمي الخليجي.

بيد أن جوهر متغيّر العام 2003 لم يكن -بالمعيار الإستراتيجي- سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، بل تبلور وجود عسكري أميركي في شمال الخليج، وذلك للمرة الأولى في التاريخ على الإطلاق.

وبالنسبة لبيئة الأمن الإقليمي، فقد عنى هذا الوجود إعادة تشكيل للقوة الأميركية في المنطقة، واستتباعاً إعادة ترتيب لمواقع وأدوار الحلفاء الإقليميين، بل وإعادة رسم جزئي لماهية الوظيفة الجيوسياسية لبعض دول الإقليم في إطار المنظور الجيوستراتيجي الكوني للولايات المتحدة الأميركية.

واليوم، دخل هذا المتغيّر ما يمكن تعريفه بأنه إعادة إنتاج على مستوى الشكل والمضمون، حيث بدت الولايات المتحدة متجهة إلى سحب الجزء الأعظم من قواتها من أعالي الخليج.

ورغم ذلك لا يبدو أننا بصدد صورة واضحة المعالم لحجم القوات الأميركية التي ستبقى في العراق بعد العام 2011، كما لا يبدو واضحاً طبيعة الدور الذي ستضطلع به خارج سياق أمن العراق الداخلي. والأهم من ذلك كله، فإنّ أحداً في واشنطن أو بغداد لم يطرح إجابة محددة حول موقع القوة الأميركية المستقبلية في بلاد الرافدين من مقاربة الولايات المتحدة لأمن الخليج والوضع الإقليمي عامة.

على صعيد آخر، ستعكس طبيعة العلاقات الأميركية العراقية نفسها -على نحو مباشر- على المسار الذي قد تتخذه روابط بغداد بالداخل الخليجي، أو لنقل بأعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وهذه قضية جوهرية في حسابات الجغرافيا السياسية الإقليمية رغم مضامينها المعقدة.

وثمة حديث يدور اليوم في المنطقة حول ضرورة دمج العراق بمحيطه الخليجي، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن خياراً كهذا من شأنه أن يعزز فرص الاستقرار الاجتماعي في العراق، وينعكس إيجاباً على مقاربة الأمن الإقليمي، ويزيل -على نحو متدرج- رواسب الماضي التي علقت بروابط العراق مع جيرانه الخليجيين.. وهذه مقاربة راجحة دون ريب.

ثانياً- الحوار الأميركي الإيراني
وتزامناً مع تطورات الملف العراقي، وجّه الرئيس أوباما يوم 20 مارس/آذار 2008 دعوة تاريخية إلى الشعب الإيراني وحكومته، داعيا إلى إنهاء عقود من العداء، والدخول في حوار بناء ونزيه.

وبالمدلول الإستراتيجي فقد مثلت هذه الرسالة إحدى تجليات المتغيّر الأميركي في الخليج. وهنا، بدت إعادة الرسم بعيد المدى للإستراتيجية الأميركية في كل من العراق وأفغانستان، عاملا محفزا لفتح الحوار الأميركي الإيراني. أما برنامج طهران النووي فقد مثل تحديا وضرورة في آن معاً.

وبدورها، تمثل قضية الأمن الإقليمي في الخليج أولوية رئيسية أخرى لدى الولايات المتحدة، كما إيران ذاتها. وعند هذه النقطة تحديداً، بدت دول الخليج طرفاً ضمنياً في مشروع الحوار الأميركي الإيراني.

في منظومة الأولويات هذه، تبدو مقاربة الملف النووي الإيراني موضع إجماع خليجي أميركي، وذلك في حال استبعاد خيار اللجوء إلى القوة العسكرية. وحيث إن إدارة الرئيس أوباما قد استبدلت مبدئياً لغة التهديد بلغة الحوار، فإن الإجماع الخليجي الأميركي حيال هذا الملف قد يكون في حكم المتحقق، أو قريباً من ذلك.

"
تحسّن العلاقات الأميركية الإيرانية لا يُضير دول الخليج العربية في شيء, وفي حال تحقُق هذا الأمر فستكون المرة الأولى -منذ خمسين عاماً- التي تشهد فيها السياسة الأميركية تحسنّاً متزامناً في العلاقة مع كل من بغداد وطهران ودول الداخل الخليجي
"
وعلى صعيد المسألة العراقية قادت تطورات العام الماضي إلى حصول قناعة لدى غالبية دول المنطقة بأن العراق قد تجاوز خطر الحرب الأهلية، ومن هنا تراجع الخوف من أن يتحوّل العراق إلى منصة إطلاق لتحقيق أجندة إقليمية. وعادة ما يعنى بهذه العبارة الدور الإيراني على وجه خاص.

وعليه، لا توجد خشية من حصول تفاهم أميركي إيراني على الساحة العراقية على نحو ماس بمصالح دول المنطقة، أو ربما لا توجد في الأصل أرضية كافية لذلك. إن الحوار الأميركي الإيراني سيكون معنياً بالدرجة الأولى بالوصول إلى توافق بشأن الوضع في العراق لناحية الحد من الهواجس المتبادلة على الصعيدين الأمني والدفاعي.

تبقى القضية مثار الوجل الخليجي في مشروع الحوار بين واشنطن وطهران، هي تلك المتعلقة بمستقبل ترتيبات الأمن الإقليمي في الخليج. هذه المسألة هي في حقيقة الأمر موضع تباين إيراني خليجي، وإيراني أميركي، وخليجي عراقي، وخليجي أميركي لجهة دور العراق ومكانته المفترضة.

ثمة خوف خليجي من هيمنة إيرانية، وخشية إيرانية من سيطرة أميركية، وشعور عراقي بالعزلة.

وبالنسبة لفرضية الدور الإيراني في هذا الأمن، فإن الهواجس السائدة حالياً في الخليج قد وجدت إحدى خلفياتها في سلة الحوافز التي قدمها السداسي الدولي للحكومة الإيرانية، بهدف تشجيعها على وقف برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم.

فهذه الحوافز وعدت الإيرانيين -في نصها المباشر- بدور فاق ذلك الذي كانوا يطالبون به، بل وفاق في حقيقة الأمر حتى ذلك الدور الذي مارسته إيران في أوج علاقاتها المتطورة مع الولايات المتحدة إبان حكم الشاه.

ورغم هذه الهواجس فإن المطلوب ليس الدعوة إلى وقف الحوار الأميركي الإيراني، فهذا الحوار ضرورة إقليمية لا غنى عنها. إن المطلوب هو الاستماع لرؤية الخليجيين لأمنهم الإقليمي كي لا يتكرر ما حدث في سلة السداسي الدولي التي صيغت بنودها بعيداً عن أي مساهمة خليجية.

وخارج هذا النقاش الذي يجب بلورته، فإن تحسّن العلاقات الأميركية الإيرانية لا يُضير دول الخليج العربية في شيء. وفي حال تحقُق هذا الأمر فستكون المرة الأولى -منذ خمسين عاماً- التي تشهد فيها السياسة الأميركية تحسنّاً متزامناً في العلاقة مع كل من بغداد وطهران ودول الداخل الخليجي.

ثالثاً- السياسة الأميركية في بحر العرب
وإضافة إلى التفاعلات الأميركية المباشرة مع دول الإقليم، بدت الولايات المتحدة منذ نحو أربعة عقود طرفاً دائم الحضور في مقاربة أمن الملاحة في الخليج وبحر العرب. وتم على نحو مستمر وضع هذه القضية في صلب المقاربات الأميركية ذات الصلة، وخاصة منذ العام 1984 عندما أضحت القيادة المركزية (أو الوسطى) للقوات الأميركية طرفاً أساسياً في ترتيبات هذا الأمن، وحيث تعمق دورها على نحو كبير منذ الحرب في أفغانستان عام 2001.

ومنذ صيف العام 2008، كانت الولايات المتحدة خلف معظم القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي حول قضية القرصنة في بحر العرب، كما تقع القوة العسكرية الأميركية اليوم في مقدمة الأساطيل الدولية الموجودة على خلفية هذه المعضلة في البحر العربي والذراع الغربي للمحيط الهندي.

وفي 8 يناير/كانون الثاني 2009، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن قواتها البحرية ستقوم بقيادة قوة دولية ذات إطار جديد لمكافحة القرصنة. وقالت إن ذلك يمثل خطوة أولى لخلق هيكل دولي يشمل القوة العسكرية، والتعاون الاستخباراتي، والدوريات المنسقة على حد سواء.

وفي الحقيقة، فإن طفرة القرصنة التي شهدتها المنطقة خلال أبريل/نيسان 2009 تُشير -على نحو لا لبس فيه- إلى تواضع الدور الذي تقوم به عشرات البوارج والفرقاطات الحربية التي توافدت تحت شعار حماية الأمن البحري. إن هذه الأساطيل تواجه تحديات من قبيل كيفية العمل في منطقة تتعدد فيها القوات التي تتحرك من أجل ذات الهدف، فليس هناك قيادة موحدة تشرف على السفن العسكرية المختلفة، كما لم تُوضع آلية خاصة للتنسيق فيما بينها.

ويبرز تحدٍ آخر يرتبط بطبيعة السفن المعتمدة في محاربة القراصنة، فغالبيتها تُعاني من وزنها الثقيل وطابعها المرتبط بالعمليات الحربية أكثر من ارتباطه بمهام الحراسة والخفارة الساحلية، في حين أن المطلوب هو سفن حراسة تتميز بتعدد وظائفها وسرعتها العالية وجسمها المحجم، وتكون قادرة على إصابة الأهداف السطحية وتحت المائية، ودعم العمليات البرية التي لا يمكن استبعادها من المقاربة الكلية.

وعلى صعيد مستجدات التحرك الأميركي على وجه الخصوص، دعت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون يوم 15 أبريل/نيسان الجاري إلى جهد دولي منسق لمكافحة القرصنة، وتعهدت بالمطالبة بعقد اجتماعات "فورية" لمجموعة الاتصال حول القرصنة في بحر العرب لمناقشة إستراتيجية جديدة تتضمن بصفة أساسية: تجميد أرصدة القراصنة، وملاحقتهم قضائياً من قبل البلدان المعنية، وإعداد إستراتيجيات للإفراج عن السفن والطواقم المحتجزة.

كما أعلنت الولايات المتحدة في وقت لاحق، نيتها دفع نفقات قوات الأمن الصومالية.

وكانت الإدارة الأميركية السابقة قد دفعت باتجاه صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1863 يوم 16 يناير/كانون الثاني 2009، وهو القرار الذي أشار إلى نية المجلس "إنشاء عملية حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في الصومال"، على أن يعتمد ذلك وفقاً لقرار آخر يصدر بحلول الأول من يونيو/حزيران 2009.

إن القضية الأكثر جوهرية اليوم تتمثل في ضرورة تحرك المجتمع الدولي نحو بلورة مقاربة ناجزة للحل السياسي في الصومال، والانطلاق منها لخلق استقرار داخلي من شأنه أن يقود تالياً إلى السيطرة على ظاهرة القرصنة في بحر العرب.

وبالعودة إلى أصل المتغير الأميركي، فإن الناس في هذه المنطقة يأملون أن يقود فصل البدايات الجديدة إلى وضع حد لمناخ التوتر الإقليمي الذي طال أمده وعظمت أهواله، وأن يشهد الخليج نسقاً جديداً من التفاعلات التي تتغلب فيها المضامين التعاونية على الصراعية، وتتلاشى اتجاهاتها السالبة لمصلحة أبعادها الإيجابية البناءة.
ـــــــــــ
كاتب بحريني

المصدر : الجزيرة

التعليقات