عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


لم أشعر في يوم من الأيام أن مقاضاة مرتكبي الجرائم الإسرائيليين أمر يسير، كما لم أشعر أنها أمر مستحيل، والحلم البعيد الذي ما نكاد نمسك به حتى يتبدد وينزلق، يبدو ممكنا حتى وإن ظهر بصورة المستحيل!

ولكي لا يهدأ العقل الأكاديمي من الركض وراء الحلم، أو يسترخي أو ييأس، فعليه أن يبقيه مستمرا، حتى وإن وصل إلى ضفافه أو اقترب منه، سواء كان ذلك حقيقة أو سرابا أو هكذا يتراءى للناظر والمراقب.

"
المريب في الأمر أن الحكومات العربية تبدو حتى الآن كأنها غير مكترثة بلائحة الاتهام التي يمكن توجيهها لقادة إسرائيل أو كأنها غير معنية بها، في حين أن بعض المنظمات الحقوقية الدولية مثل منظمة العفو الدولية وجهات ومؤسسات أوروبية تدعو لملاحقة مرتكبي الجرائم الإسرائيليين قضائيا
"
ذلك ما يمنح العقل والحلم معا، معنى جديدا للحياة، فما بالك إذا كانت مسألة العدالة شاغله الذي لا يستكين بدون التوجه صوبه، وقد تكون مستحيلة وقد تكون ممكنة في آن، لكن ما يعطيها بعدا إنسانيا هو السعي لتحقيقها وإنصاف الضحايا وجبر الضرر ووضع حد للتجاوز عليها، عبر إقامة نظام يتسم بالعدل والإنسانية على نحو حقيقي وصادق، على المستويين الوطني والدولي.

وحسب الكاتب والروائي البرازيلي باولو كويلو صاحب رواية "الخيميائي" و"ساحرة بورتبيلو" هناك شيئان يبقيانك بعيدا عن حلمك: الأول أن تعتقد بأنه مستحيل وأن تدرك في الوقت نفسه أنه ممكن. وأما الثاني فهو إذا شعرت أنك بدون حلم فستفقد معنى حياتك. وهكذا فإن إبقاء الحلم مشرئبا يعني تحالفك مع المستحيل، وهو تحالف ممكن طالما بقي الحلم واعدا وهدفا.

وإذا كانت مشاعر العالم قد اهتزت عند مشاهدة المجازر وأشلاء الأطفال في الحرب على غزة، فإن الكثير من البشر الأسوياء وربما عشرات الملايين تصوروا أن بالإمكان محاكمة قادة الصهيونية المتسببين في ارتكاب تلك الجرائم أمام محكمة جنائية دولية، وذلك تشبثاً بمبادئ العدالة والإنصاف، بسبب ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة ضد الشعب العربي الفلسطيني.

ولكن ما إن خبت الحرب حتى خمد معها الكثير من الأصوات، ولعل البعض برر ذلك بالتعويل على إعادة إعمار غزة وكأنه الهدف، في حين اندفع البعض باتجاه مطالب فتح المعابر وإرسال البواخر، وهي وإن كانت ضرورية وبديهية للحياة الإنسانية فإنها ليست هي الهدف، حتى وإن كانت النوايا حسنة، خصوصاً تحت ضغط الحاجة الماسة لسكان أبرياء يكابدون صنوف المعاناة الإنسانية.

وبالمقابل فإن السؤال الذي ظل ملتبساً ومبهماً دون إجابات وظل يشغلني منذ ربع قرن، وحاولت الإجابة عليه في كتاب أصدرته بعنوان "سيناريو محكمة القدس الدولية العليا" هو: هل سيفلت الجناة من العقاب على ما فعلوه في اجتياح لبنان وصولاً إلى العاصمة بيروت عام 1982؟ ولكن من سيجلبهم إلى قفص الاتهام؟ ومن هي الجهة التي ستحاكمهم؟ ومتى سيحصل ذلك؟

هذا السؤال الكبير عدت وطرحته بعد سنوات في كتب وأبحاث ودراسات، وإن كان جوابي في كل مرّة: لا بدّ من إبقاء الحلم مستمراً.

اليوم، نفس السؤال الكبير يواجهني وجمهرة الفقهاء القانونيين الدوليين، كيف ومتى وأين سيمثل الجناة أمام القضاء، لاسيما في ظل العقبات والتحديات الكثيرة؟ هل يعقل أن ترفع دعاوى ضد قادة إسرائيل؟ ومن سيقدم على ذلك عربيا؟ ويمكن صياغة السؤال كالتالي: من سيتجرأ على اتخاذ مثل هذا الموقف، خصوصاً في ظل الدعم الأميركي لإسرائيل؟

وإذا كانت مؤسسات المجتمع المدني هي من أقدم على المبادرة، وربما منذ ملاحقة شارون أمام المحاكم البلجيكية، ولكن السؤال يثور مجدداً: كيف لمؤسسات المجتمع المدني لو حاولت وسعت ووجدت بعض الثغرات أن تغطي النفقات، فالأمر يحتاج إلى عمل طويل ودعم مادي مستمر؟

وكيف السبيل إلى إقناع المدعي العام مورينو أوكامبو الذي وجه مذكرة توقيف ضد الرئيس السوداني البشير، بأن هناك جرائم ارتكبت في غزة؟

والمريب في الأمر أن الحكومات العربية تبدو حتى الآن كأنها غير مكترثة بلائحة الاتهام التي يمكن توجيهها لقادة إسرائيل أو المرتكبين الإسرائيليين، أو حتى كأنها غير معنية، في حين أن بعض المنظمات الحقوقية الدولية مثل منظمة العفو الدولية وجهات ومؤسسات أوروبية تدعو لملاحقة مرتكبي الجرائم الإسرائيليين قضائيا.

"
مع أن الجهود ما تزال في إطار تنظيم لائحة الاتهام، فإنها قد لا تصل إلى هدفها بحكم عدم وجود دعم مادي لوجستي، خاصة أن العمل التطوعي بالجهد والفكر لا يكفي، بل هناك حاجة ماسة لتغطية نفقات ضرورية
"
وكان المقرر الخاص للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة دودو ديين قد دعا إلى فتح تحقيق خاص حول ارتكاب إسرائيل لجرائم الحرب، وما زال هناك من يضغط على الدول والحكومات ومؤسسات المجتمع المدني بعدم حضور مؤتمر دوربان (مؤتمر جنيف في أبريل/نيسان 2009) حول العنصرية، حيث أدان المؤتمر الذي انعقد في ديربن عام 2001 الممارسات الإسرائيلية ودمغها بالعنصرية، وهو ما يذكر بانفضاض مؤتمر جنيف عام 1999 بمناسبة الذكرى الخمسين لإبرام اتفاقيات جنيف لعام 1949 بعد 10 دقائق من انعقاده بضغط من واشنطن وتل أبيب، وقد كانت تلك فضيحة دولية وسابقة قانونية ودبلوماسية.

وإذا كان الملف الأكبر اليوم هو الدعوى حول الجرائم بحق سكان غزة، حيث تم اتهام نحو 100 شخصية سياسية وعسكرية إسرائيلية وأميركية وبريطانية كلها بصورة مشتركة وفردية، بارتكاب جرائم حرب مباشرة أو بتواطؤ متعمد، فإن الأمر يتطلب جهوداً مضنية للوصول إلى تقديم لائحة اتهام بحق المتهمين.

ومن أهم هذه الشخصيات المتهمة إيهود أولمرت وإيهود باراك وتسيبي ليفني وغابي أشكنازي ويوفال ديسكن، ونحو 70 ضابطاً عسكرياً بمن فيهم بعض قادة الوحدات البرية والجوية والبحرية والاستخبارات وغيرها.

ومن الولايات المتحدة فقد كان اسم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ووزير الدفاع روبرت غيتس ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس. ومن بريطانيا رئيس الوزراء غوردون براون، ووزير الخارجية ديفد ميليباند، ووزير الدفاع جون هيوتن.

وقد شملت الدعوى بريطانيا لأنها موقعة على نظام محكمة روما الجنائية الدولية، وهي داعمة لإسرائيل سياسياً وعسكرياً، وهناك أجزاء من طائرات الأباتشي تصنع لديها، مثلما هي قاذفات وقنابل أف-15 وأف-16، وهذه كلها استخدمت في الحرب على غزة وساهمت في قتل المدنيين وتدمير المنازل والمدارس والمستشفيات والمعابد والكنائس وغيرها.

ما الذي يمكن أن تتضمنه لائحة الدعوى؟ يمكن أن تتضمن شهادات للعديد من الضحايا لاسيما الجرحى، كما تشمل تفاصيل الدمار وأنواع الأسلحة المحرمة دوليا التي تم استخدامها مثل الفوسفور الأبيض والقنابل الإبرية المخترقة للملاجئ التي يقول عنها بعض الخبراء إنها تحتوي على اليورانيوم المنضب لزيادة الاختراق، إضافة إلى قنابل "الدايم" التي تحتوي على مادة التانغستن التي تسبب شظاياها المجهرية تقطيع الضحايا إلى أشلاء.

وقد قدمت منظمة التحالف الدولي لمنع الإفلات من العقاب (حقوق) ملفا مفصلاً لتقطع شوطا لا بأس به في حيثيات الدعوى، الأمر الذي دفع المحكمة للتدقيق في الملف المعروض أمامها، لاسيما في جوانبه المهنية والقانونية، وفي التهم المرفوعة والأدلة والأسانيد المتوافرة.

ولكي يقتنع المدعي العام أوكامبو بالأدلة وبوجود جرائم حرب لجأ بعض المحامين إلى رفع دعاوى أمام المحاكم الوطنية الأوروبية في حال تمتع أحد الضباط الإسرائيليين المتهمين بجنسية أخرى أوروبية مثلاً، وهو ما قامت به المحامية مي الخنساء التي ترأس "منظمة التحالف" في كل من إسبانيا وبلجيكا.

ومع أن هذه الجهود ما تزال في إطار تنظيم لائحة الاتهام، فإنها قد لا تصل إلى هدفها بحكم عدم وجود دعم مادي لوجستي له، وهو أمر في غاية الصعوبة والتعقيد في أوروبا، إذ لا يكفي العمل التطوعي بالجهد والفكر، بل هناك حاجة ماسة لتغطية نفقات ضرورية ليس بالإمكانات المعنوية والمعرفية فحسب، بل بالامكانات المادية، إذ لا يكفي قيام إسرائيل بالانتقام الجماعي والقتل العشوائي حسب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، لتوجيه لائحة اتهام وملاحقة مرتكبي الجرائم، حتى وإن كانت قوة احتلال وعليها احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

لكن الأمر يتعلق من جهة أخرى بموازين القوى وطريقة تحريك الدعوى وتوجيه لائحة الاتهام وبالتالي السير بالقضية حتى نهايتها لتحقيق العدالة، الأمر الذي يقتضي سلسلة من الإجراءات المعقدة وتوفير المستلزمات والإمكانات الضرورية.

وحسب الإحصاءات التي ترشحت من وسائل إعلام نزيهة فإن عدد الضحايا بلغ أكثر من 1300 شهيد و5000 جريح بمن فيهم نحو 1600 معوق، إضافة إلى دمار شامل أو جزئي لمنازل نحو 21 ألف شخص.

وفي تلك الحرب غير العادلة وغير الإنسانية أسقطت على غزة قرابة 1.5 مليون طن من الذخائر والصواريخ، وتعرض 1.5 مليون إنسان للترويع والقصف.

وقد نقل أحد القياديين الإسرائيليين الذين تعرضوا لوخز الضمير مؤخرا فخاطبوا الجنود بالقول "أناشد جنود الجيش وضباطه أن يمتنعوا عن تأدية الخدمة العسكرية لأن جيش إسرائيل تحول إلى منظمة إرهابية..".

ومثل هذا الكلام لا يعود إلى المقاومة أو تنظيم حماس، بل إلى طيار سابق رفض الخدمة واسمه يوناثان شابيرا (انظر: البني، عبد الله نزيه- ملاحقة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية) (جريدة الأخبار اللبنانية، العدد 776، 21 مارس/آذار 2009).

"
بغض النظر عن قبول ورفض لائحة الاتهام من جانب الجهات القضائية الدولية والوطنية، فإن ما يجب القيام به هو التقدم بأدلة وبراهين وتدعيمها باستمرار إلى المحاكم المختصة في الدول التي يقبل قضاؤها الوطني مثل هذه الدعوى
"
وإذا كانت المعطيات الجديدة بعد الحرب على غزة كفيلة بتوجيه لائحة اتهام ضد المتهمين بارتكاب جرائم من القادة الإسرائيليين، فإن السبيل لتحقيق ذلك واختيار الآليات والوسائل أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، ولعل ذلك ما جعل البحث يستهدف تسليط الضوء عليه، وهو سبب جديد أيضاًً في تجديد رؤية الباحث وتنشيط ذاكرة الرأي العام العربي، إلى ضرورة إعداد سيناريو للمحاكمة ومتابعة تنفيذه.

وهذا ما دعا إليه الكاتب منذ ربع قرن، خصوصاً بصدور كتابه "سيناريو محكمة القدس الدولية العليا"، ولاسيما بتوافر إرادة سياسية أولا والعمل على وضع تصور للعقل الأكاديمي والحقوقي والقانوني موضع التطبيق ثانياً، وثالثاً اقتفاء أثر الضمير والوجدان في تحقيق مبادئ العدالة.

أما الهدف الآخر للبحث فيتعلق بالجانب الإستراتيجي والسياسي، خاصة أن العرب جربوا معظم الوسائل كل على حدة أحيانا، من الوسائل العسكرية إلى السياسية إلى الإعلامية، لكن الوسيلة الأنجع هي جمع هذه الوسائل كلها ومعها الوسيلة القانونية والدبلوماسية استعداداً لخوض معركة متعددة الجوانب والاتجاهات والأركان من الكفاح المسلح إلى التفاوض السياسي، ومن الحلول السلمية والسياسية إلى الحلول العسكرية والعنفية، دون إهمال جوانب المعركة القانونية والدبلوماسية والإعلامية والنفسية على الصعيدين الرسمي والمدني.

وإن كانت المحاكمة وحدها لا تنجز استعادة الحق الفلسطيني، إنْ لم ترافقها تغييرات في موازين القوى على المستوى العالمي، لاسيما حصول استقطاب جديد من جهة، واستعداد الداخل الفلسطيني لمواصلة كفاحه بالوسائل جميعها في إطار وحدة وطنية وسقف نضالي واضح من جهة أخرى.. عند ذلك ستكون وسيلة المحكمة إحدى الرافعات المهمة التي تصيب الهدف وتكشف المستور، لتواصل الوسائل الأخرى دورها وفعلها على الصعيد الدولي.

وقد نجحت منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي في الحصول على اعترافات مهمة بالحقوق الوطنية الثابتة وغير القابلة للتصرف، والتي جاءت تتويجاً لعمل طويل ومتعدد الجوانب، فقد تم قبولها في الأمم المتحدة كعضو مراقب، إضافة إلى تأكيد الشرعية الدولية في القرارين 242 و338 على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة بما فيها القرارات الخاصة بعدم الاعتراف بضم القدس عام 1980 وعدم الاعتراف بضم الجولان عام 1981، فضلاً عن دمغ الصهيونية بالعنصرية بالقرار 3379 الصادر يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1975 رغم التراجع عنه عام 1991.

ولو تمت اليوم الاستفادة من خبرة السبعينيات وفي إطار الظروف والتحالفات الجديدة، يمكن أن يسهم ذلك في دعم ملاحقة الجناة والمرتكبين ومن ثم تحقيق حلم العدالة الذي سيظل هاجساً مستمرا ما استمر اغتصاب الحق.

وبغض النظر عن قبول ورفض لائحة الاتهام من جانب الجهات القضائية الدولية والوطنية، فإن ما يجب القيام به هو التقدم بأدلة وبراهين وتدعيمها باستمرار إلى المحاكم المختصة في الدول التي يقبل قضاؤها الوطني مثل هذه الدعوى لارتكاب جرائم الحرب، وذلك طبقاً للمادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تقضي على الدول الموقعة بملاحقة مجرمي الحرب أياً كانوا.

وسيكون مثل هذا الاتهام بحد ذاته عقبة أمام تحرك أي مسؤول إسرائيلي في دول الاتحاد الأوروبي لوجود معاهدة تبادل المجرمين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك