توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


انعقدت القمة العربية الحادية والعشرين في الدوحة مؤخرا بحضور ستة عشر رئيس دولة عربية فقط, عقدت فيها مصالحة في حين أعلن عن خصام مستجد. وخلاف مصر مع قطر عزته كلمة الوفد المصري بالتحديد لتغطية محطة الجزيرة لأحداث عربية, وبما يفهم منه طلب إسكاتها كشرط للصلح.

ولكن اللافت للنظر أنه قبل عشرة أيام فقط من عقد قمة الدوحة بعد جهود مضنية لتوفير حضور لم يرق للعدد اللازم لإقناع العالم بجدية هذه المؤتمرات, عقدت قمة أخرى مكتملة الحضور في بيروت. تلك هي "الدورة السادسة والعشرون" لوزراء الداخلية العرب. ويلاحظ هنا الفارق في التسلسل الرقمي للقمتين (واحد وعشرون مقابل ستة وعشرين) بما يؤشر على أن الخلافات العربية لا تحول دون اجتماع وزراء داخليتها, بل وتضامنهم الحقيقي.

"
قبل عشرة أيام فقط من عقد قمة الدوحة بعد جهود مضنية لتوفير حضور لم يرق للعدد اللازم, عقدت قمة أخرى مكتملة الحضور في بيروت, هي "الدورة السادسة والعشرون" لوزراء الداخلية العرب. بما يؤشر على أن الخلافات العربية لا تحول دون اجتماع وزراء داخليتها, بل وتضامنهم الحقيقي
"
ولكن اللافت أكثر للإنتباه هو العنوان الرئيس الذي بحثته قمة وزراء الداخلية تلك, وهو "محاربة الإرهاب العابر للحدود". وغني عن القول إن المقصود بهذا ليس التصدي للإرهاب الإسرائيلي الذي يعبر حدود أية دولة عربية متى يشاء, فالإشارة الواردة في كلمة الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب "لإرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل", والذي حصر بأنه ذاك الذي يجري "بحق الشعب الفلسطيني المناضل" دون بقية المحيط العربي, ليست أكثر من (كليشيه) إنشائي. وإلا لكان الأولى أن تتناول القمة المنعقدة في الدوحة قرارات محددة بشأن التصدي "لإرهاب الدولة" الإسرائيلي على المستوى اللازم وهو مستوى رؤساء الدول العربية, وليس وزراء داخليتها.

حقيقة ما أرادت قمة وزراء الداخلية بحثه هو ذاته ما أسمته إدارة بوش "مكافحة الإرهاب" والذي حشدت أميركا خلفها فيه دول المنطقة وفي مقدمتها الدول العربية التي اتضح أنها لم تكن لا مرغمة ولا بطلة في اصطفافها هذا. فهم كانوا قد تصدوا لإدارة بوش وكالوا لها ولسياساتها كمّا من الاتهامات (وبعضها الذي أحيل لكتبة الدولة دون ناطقيها الرسميين وصل حد الشتائم) يوازي هذا الذي يكيلونه الآن لقطر ومحطة الجزيرة, حين لوح بوش بمشروع "دمقرطة الشرق الأوسط".

وتكررت الاتهامات والشتائم في كل مرة يصدر فيها تقرير جديد عن منظمات حقوق الإنسان الأميركية, مطالبين إياها في هذا وحده بـ"عدم التدخل في الشؤون الداخلية" لأي قطر عربي, وهو القرار الذي استخلص من القمة الدورية في الدوحة بجهود من غاب ومن حضر على السواء مقابل هذا, وفي أول قمة وزراء داخلية ينعقد بعد رحيل بوش وسياسياته, اختاروا ذات شعار بوش في مكافحة "الإرهاب العابر للحدود", واصفينه "بجريمة العصر", وواضعينه في "مرتبة الصدارة بين التحديات الأمنية التي تواجه العالم".

أما رد فعل جمهور القراء من مختلف أنحاء العالم العربي ومن المهجر, فنجده في تعليقاتهم على مجرد خبر (وليس مقالة أو تحليلا) انعقاد مجلس وزراء الداخلية العرب الذي, أوردته الجزيرة نت بتاريخ 22/3/2009 , بلغ المنشور منها أكثر من عشرين تعليقا, وهو عدد كبير بالنظر إلى أن الخبر المنقول روتينيا عن "الوكالات" لا يبقى على الصفحة الرئيسية لأكثر من بضع ساعات على أحسن تقدير.

والأرجح أن عدد التعليقات الواردة كان أكثر, ولكن المعتمد مهنيا هو ألا تنشر كل التعليقات المتشابهة حد التكرار, بل على العكس يجري تعمد نشر أي تعليق يخالف النهج العام للتعليقات الواردة. واللافت للنظر أن كافة هذه التعليقات تجمع على أن مصدر الإرهاب الحقيقي هم المجتمعون في تلك القمة ومن يمثلونهم من الحكام, وغالبيتها تشير لأميركا وإسرائيل باعتبارهما مساندتين ومستفيدتين من إرهاب هؤلاء الحكام وقمعهم لشعوبهم ونهبهم لثرواتها.

ومن المهم للباحث المعني بشؤون الإرهاب أن يقرأ هذه التعليقات كاملة وبدقة. فأهم ما تعكسه هو وجوب التفريق بين الإرهابي والمناضل لأجل تحرير وطنه أو تحرير إرادته, والذي يسمى عندنا مجاهداً أو مقاوماً دون أن نلحظ فارقا فيما تؤشر عليه التسمية. ومع أن هذا التفريق الذي تجمع عليه هذه التعليقات أمر متفق عليه دوليا فإنه ليس كذلك في الغرب، فيما يعني تصنيفنا دولا وجماعات وأفرادا.

والسبب يعود جزئيا إلى الأنظمة العربية التي أتقنت تزوير حقائق الكثير مما يجري على أرضها, تعينها على هذا فئة ضيقة من صحافة رسمية تدعي الاستقلال, ومنظمات رسمية متزلفة لمموليها المحليين والغربيين تدعي أنها أهلية, تنشر في الخارج صورة رأي عام عربي غير حقيقية تقوم على قسمة حديّة على طريقة بوش, بين معسكر أخيار ومعسكر أشرار. هم أيضا انعكاس لذات نظرية بوش, ولكن لمن "مع تلك الأنظمة ومن ضدها" في حالتنا.

قد يصعب تصديق أن أنظمة متخلفة تخدع الغرب, ولكن الحقيقة أن تصديق أميركا تحديدا لهذه الصورة المبسطة حد التشويه, كلفتها في منطقتنا حربي احتلال كبريين خاسرتين ما زالت تئن تحت وطأتهما, إضافة لتحالفات سياسية عدة كلها خاسرة بشكل لم يعد يمكن التعامي عنه.

والملاحظة الثانية أنه رغم الغضب الذي سببه استفزاز وزراء الداخلية لشعوبهم بمثل هذه المؤتمرات, هو أن بعض التعليقات لم تتوقف عند إدانة الحكام, بل طرحت الحل العقلاني المتمثل في الديمقراطية. ومع أن هذه أيضا بديهية في كل الغرب الذي ناضل ضد أنظمة حكم مماثلة قبل أن يصل لديمقراطيته, ولكنها بديهية لم تتأصل في وعي الغرب عند توصيفه أو تصنيفه لنا, بدليل حديثه الأشبه بقصص الأطفال عن "الحكم الصالح" الذي لا ينصح به حكامنا فقط, بل ويعطون نقاطا وحوافز على ما يقال إنه تدرجهم فيه, دون اعتبار لشرعية وجودهم أصلا. بالمقابل, غياب تلك الشرعية أبرزتها التعليقات المفترض أنها تأتي من عامة الناس.

وهنا يلفت النظر أنه جرى توحيد مفهومي الشورى والديمقراطية بعكس ما كان مجمعا عليه قبل أقل من عقدين بين كافة طارحي "الشورى" كنظام حكم من أنه نقيض الديمقراطية الغربية التي كان هؤلاء يكفرونها. والآن نلاحظ أنه لم تبق إلا فئة قليلة جدا تقبل هذا التكفير الذي تقوده القاعدة, والذي لم نعد نسمع به إلا في خطابات أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.

"
لنجاح تجربتي حزب الله ثم حماس أثر كبير في النقلة لوعي الشارع العربي, فهاتان التجربتان لم تنجحا فقط في تهدئة مخاوف العلمانيين, بل ونجحتا, في مفاصل عدة وتفاصيل عديدة, في تكريس ما يتجاوز التعايش إلى التعاون والتحالف لأجل صالح عام أو لدرء خطر موحد, بين قوى تبدو متضادة
"
ولنجاح تجربتي حزب الله ثم حماس أثر كبير في هذه النقلة في وعي الشارع العربي. فهاتان التجربتان لم تنجحا فقط في تهدئة مخاوف العلمانيين, بل ونجحتا, في مفاصل عدة وتفاصيل عديدة, في تكريس ما يتجاوز التعايش إلى التعاون والتحالف لأجل صالح عام أو لدرء خطر موحد, بين قوى تبدو متضادة.

وهذا -في رأينا- ما أرعب القاعدة وأدى لإصدار خطابات بن لادن والظواهري الأخيرة التي تكفر الديمقراطية وتحرض على من يتبناها متظللة بغطاء التصدي "لإرهاب الدولة" المتوفر بأكثر من صيغة في منطقتنا. وكون تلك الصيغ متماهية في أكثر من جانب -كما أشارت تعليقات القراء أيضا- فإن خلطها لا يكلف زعماء القاعدة "البليغين" جهدا يذكر.

والملاحظة الثالثة الهامة التي تستنبط من هذه التعليقات, هي أنه رغم توافق غالبيتها على إسناد جزء كبير من اللوم والمسؤولية للسياسات الأميركية دون رسم خط فاصل بين عهد بوش وعهد أوباما, فإن العديد منها يتلمس تغييرا ما قادم لا محالة. وفي حين لم تحدد بعض التعليقات كيف ولماذا استنتجت أنه "ضاقت الدائرة وبدأ الخناق يشتد على رقاب" وزراء الداخلية ومن يمثلونهم, وأن "عروشا تهددت" وأن "الدور آت على الجميع", فإن البعض عزاه لتغير داخلي كون الشعوب "بدأت تتململ بعد أن أيقظت فيها المقاومة روح المبادرة لتزيح عن صدورها ظلم الطغاة".

ويلاحظ أن معلقا واحدا فقط عول على القاعدة لتكون أداة ذلك التغيير ولأسباب جغرافية خاصة به كما يبدو. وفي تلمس أثر التغيير الحاصل في العالم, يأمل البعض الآخر أن يسقط هؤلاء "الواحد تلو الآخر في قبضة محكمة الجنايات الدولية". وللتغيير الذي جرى في أميركا أثر معترف به, ولكن القراء العرب حذرون في التعويل على إدارة أوباما ضمن تدني المصداقية الأميركية في المنطقة, فتأتي صيغة التعليق, ببداهة أكثر منها ببلاغة, لتقول لوزراء الداخلية المؤتمرين في بيروت "لقد سقط بوش فوفروا مصاريف التنقل والإقامة وحكوماتكم ستزول عاجلا أم آجلا".

هذه تعليقات تدل على أن الشارع العربي العادي واع لأكثر مما تراهن عليه الأنظمة العربية, بما في ذلك وعيه لذاته وللتغيرات العالمية التي يستحيل أن نفترض أنها تقفز عن العرب دون غيرهم. وهو وعي لا يُستهان به, فقد غاب عن فكر إدارة بوش وكل من عاصرها من زعماء أوروبا, إلى أن أتى أوباما ليقول لنظرائه قبل أن يكون لجمهور ناخبيه: "لقد تغير العالم وعلينا ان نتغير معه".

التغيير العالمي بدأ منذ أصبح كل شيء "عابرا للحدود", وهو ما كان ينبغي على أوروبا أن تتنبه إليه قبل غيرها. فهي موجودة على حدود العالم العربي, إضافة لدول أخرى لا تقل تباينا عنها, كتركيا المسلمة الموغل طرفها في العمق الآسيوي, ودول شرق أوروبا التي خضعت لعقود لنهج حكم غير مسبوق (الشيوعية) ممتزج بتسلط ثقافة أخرى هي الروسية, وفي ظل عزل عن بقية العالم قيل إنه لا أقل من "ستار حديدي".

وأوروبا إن كانت قبلت مؤخرا, بل وسهّلت, عبور حدودها للمجموعة الأخيرة, لاعتبارات صراعات سياسية لم تكد تنجو من تنازعاتها أية بقعة في العالم لدرجة أملت على ثلاث دول متباعدة في ثلاث قارات إقامة منظومة "دول عدم الانحياز". فإن أوروبا لم تكن يوما راغبة بأي عبور لتلك الحدود من قبل الآخرين.

فرغم تأهل تركيا بالمعايير الأوروبية, فإن طلبها الانضمام للاتحاد الأوروبي ما زال يرفض رغم ما توفره من عمق إستراتيجي للاتحاد, يحاصر مجموعة دول القوقاز المتنازع عليها بقوة بين الناتو وحلف عاد ليبنى حول روسيا الفدرالية الصاعدة بقوة. والسبب أن أوروبا تخشى على هويتها و"نمط حياتها" الذي راكمته منذ ثوراتها الأولى, لتصل لصيغة مدنية وثقافية تناسبها.

ولها كل الحق في محاولة الحفاظ على نمط حياتها ذاك, كما نعطي لأنفسنا الحق في اختيار نمط حياتنا, ونُخضع إلى حد بعيد زوارنا والمقيمين بيننا من الأوروبيين لبعض أحكامه بطرق ناعمة وأحيانا خشنة. ومجمل ثقافة ونمط حياة أوروبا هذا هو ما تهدده الهجرات الاقتصادية بأعداد كبيرة, والتي تأتي أغلبها بالفئات المفقرة المهمشة والمجهلة بالتالي, مما يخلق مشكلة اجتماعية حتى في الأوطان الأم, فكيف إن نقلوا لبيئات تختلف عنهم في كثير من الكليات والتفاصيل.

ومع أن الهجرات السياسية (اللجوء السياسي) لا يشكل أي ضرر كونه يأتي بالنخب المسيسة التي أساس هجرتها تفوقها في فكرها وبرامجها على أنظمة تنتمي لكل ما ثارت عليه أوروبا من مخلفات العصور الوسطى, إلا أن تغطّي كماً غير قليل من اللاجئين الاقتصاديين بغطاء اللجوء السياسي لضمان عدم ترحيلهم, شكل معضلة مزدوجة واجهت الأسس التي تقوم عليها الثقافة الأوروبية, وبالذات في شأن حقوق الإنسان.

وهذا كان موضوع جدل سياسي كبير في أوروبا مؤخرا, ولكنه لم يؤد لحلول فاعلة, كون حلول "تنمية" المحيط العربي حمل في طياته كماً من الاستغلال الاقتصادي يتم ترتيبه بالذات بتوظيف الفساد المالي المرافق للفساد السياسي في جوارهم العربي. وهكذا لم يغب فقط أي جهد يهدف لإصلاح سياسي في الأوطان الأم للاجئين, بل تعزز تحالف حكام أوروبا مع الأنظمة العربية المنشأة سياساتها للمشكلة.

وحتما هذا لن يجدي كوننا لا نتحدث عن عبور بتأشيرات, بل عن تسلل يائسين يتم بدفع تحويشة العمر لممتهني تهريب البشر, يضاف لها ضريبة المخاطرة بالموت غرقا أو اختناقا في شاحنة أو براد مغلق, حسب وسيلة التسلل. ومن يقبل حتى المجازفة بحياته يصعب وقفه.

"
نحن في عصر كل شيء فيه عابر للحدود والمحيطات وحتى الفضاءات. الأفكار التنويرية الإصلاحية, كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد والمساواة والعدالة من جهة, ومن جهة أخرى الفقر والإحباط والغضب والجهل
"
وهذه النتيجة تكون أخطر وأسهل تحققا في آن حين يكون التسلل "لفكر" محارب. فالعولمة التي بدأت محدودة بتطور وسائل المواصلات, بلغت مداها واكتملت حلقتها بتطور وسائل الاتصالات بحيث لم تعد هنالك إمكانية لوقف فكرة أو دعوة, أو حتى لوسائل تنفيذ عملية إرهابية.

فالخامات البشرية يمكن أن تتواجد في أية بقعة من العالم, والتجربة أثبتت أن لا ضرورة لأن تكون من عرق بعينه أو ديانه بعينها, كون التجنيد العشوائي, عبر الإنترنت خاصة, يجري لكل يائس محبط . والخامات الأخرى اللازمة لتنفيذ العملية هي مما يتوفر في أية بيئة مهما كانت منضبطة بالقوانين, ويجري تعليم كيفية الحصول عليها وبنائها وتشغيلها بوسائل سهلة فيما يبدو.

هذا عصر كل شيء فيه عابر للحدود والمحيطات وحتى الفضاءات. الأفكار التنويرية الإصلاحية, كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد والمساواة والعدالة من جهة, ومن جهة أخرى الفقر والإحباط والغضب والجهل الذي يعتقد أنه يحقق بطرائقه الخاصة, وليس دونما منطق من نوع ما يستند لمعطيات الواقع العالمي الذي يفور بكم هائل من الظلم والفساد, ذات طروحات الحرية والعدالة ومحاربة الفساد وحقوق الإنسان.

وهي طرائق تجمع النخب -التي تملك ترف أن تصبح متنورة- على أنها "إرهابية", كونها تستهدف عشوائيا منشآت حضارية ومرافق عامة ومدنيين أبرياء من كل عرق ودين وفئة عمرية تصادف أن تواجدوا في مكان واحد, كما يحدث في تفجيرات محطات القطارات مثلا. ولكن ما بات يلزم هو إصلاح يحقق إجماعا أوسع يصل لكل مواطن ولكل إنسان, ويحيله فعلا لرجل أمن وليس "لجاسوس" يعمل لصالح ظلم أكبر, كما جاء في التعليقات على طلب أحد وزراء الداخلية العرب من المواطن العربي أن يصبح رجل الأمن الأول.

المصدر : الجزيرة

التعليقات