خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية

دوافع الانسحاب الأميركي
ملامح إستراتيجية الانسحاب

المشاهد المحتملة في العراق

لاشك أن ملامح المشهد العراقي باتت أكثر وضوحا ويمكن قراءتها، فخيارات اللاعبين الرئيسيين على الساحة العراقية باتت محدودة، ولاسيما بعد إصرار الإرادة الرئيسية المتحكمة بمقاليد الأمور في العراق والمتمثلة بالاحتلال الأميركي على اتخاذ قرار إستراتيجي بإنهاء ملف الحرب في العراق وتحديدها توقيتات عسكرية وترتيبات سياسية محلية وإقليمية لتأمين انسحاب هادئ وترك العراق لأهله كما ورد في نص خطاب الرئيس أوباما في إعلانه خطة الانسحاب من العراق في شباط الماضي.

دوافع الانسحاب الأميركي

"
الفشل الذريع في ملفات المصالحة الوطنية وإعادة النظر بالدستور ومعالجة ملف اجتثاث البعث وإطلاق سراح المعتقلين وكذلك ملفات الخدمات والفساد، هذه الملفات وغيرها شكلت حافزا حقيقيا للإدارة الأميركية لإطلاق إشارات واضحة بقرب التخلي عن الطبقة السياسية الحالية
"
قد لا يعرف الكثير أن الولايات المتحدة الأميركية بتوقيعها الاتفاقية الأمنية للانسحاب من العراق أو بإعلان الرئيس الأميركي توقيتات هذا الانسحاب، إنما تدشن رسميا الإستراتيجية الخامسة وربما الأخيرة في العراق، وقبل الخوض في الدوافع التي تقف خلفها أو ما قد يتمخض عنها من مشاهد محتملة ستحدد مصير العراق ومستقبله السياسي، فإنه من الضروري الإشارة إلى أن إستراتيجية الانسحاب هذه جاءت في جانب منها منسجمة مع أهداف الإدارة الأميركية الجديدة في التغيير وإيقاف النزيف المادي والبشري الهائل الذي تكبدته طيلة احتلالها للعراق ولوضع حد للانهيار الاقتصادي وكذلك تدهور دور ومكانة وسمعة الولايات المتحدة الأميركية على الصعيد العالمي.

من جانب آخر فإن تأكيد الرئيس الأميركي على جدية هذه التوقيتات دون إعطاء أية التزامات تجاه الحكومة العراقية جاء ليعبر عن خيبة الأمل العميقة التي تشعر بها الإدارة الأميركية إزاء العجز والفشل المتكرر الذي مثلته الحكومات العراقية المتعاقبة في ظل الاحتلال وعدم إيفائها بأي من التزاماتها على المسارات السياسية والعسكرية والخدمية.

هذه المسارات التي مثلت ركائز الإستراتيجية السابقة المسماة (الطريق الجديد.. إلى الإمام) والتي طبقت من مطلع عام 2007 إلى يوليو/تموز 2008 وكان من المؤمل في حال إنجازها من قبل الحكومة العراقية أن تشكل أرضية ملائمة للانسحاب من العراق، ولكن الفشل الذريع في ملفات المصالحة الوطنية وإعادة النظر بالدستور ومعالجة ملف اجتثاث البعث وإطلاق سراح المعتقلين وكذلك ملفات الخدمات والفساد والبطالة التي تنخر في جسد المجتمع العراقي وعدم جاهزية القوات الحكومية وتشتت ولاءاتها، هذه الملفات وغيرها شكلت حافزا حقيقيا للإدارة الأميركية لإطلاق إشارات واضحة بقرب التخلي عن الطبقة السياسية الحالية في العراق إلى الحد الذي قال فيه الرئيس الأميركي: إن الجيش الأميركي لن يعمل كشرطة في شوارع بغداد.

ملامح إستراتيجية الانسحاب
حدد الرئيس الأميركي من خلال إعلانه لتوقيتات الانسحاب من العراق ملامح المرحلة القادمة سواء من خلال الجدولة الزمنية التي وضعها مع قادته العسكريين من جانب واحد وأتت بمعزل عن توقيتات الاتفاقية الأمنية وإن جاءت مقاربة لها كما خلت من أية التزامات وقعها سلفه جورج بوش تجاه الحكومة العراقية، فالولايات المتحدة الأميركية ستباشر بسحب معظم قواتها تدريجيا إلى أغسطس/آب 2010 وهو الموعد الذي حدده الرئيس الأميركي كموعد لانتهاء "المهمة" في العراق.

تليه مرحلة انتقالية تبقي خلالها قوات تتراوح ما بين 35 -50 ألف جندي بمهمات ليست قتالية وإنما لتدريب القوات الحكومية العراقية والإشراف على تجهيزها وحماية الرعايا والمصالح الأميركية، على أن تنسحب كافة هذه القوات وبشكل نهائي من الأراضي العراقية في ديسمبر/كانون الأول 2011.

"
نحن أمام جدولة لإعادة انتشار القوات الأميركية في العراق وليس انسحابها, قوات بأعداد أقل تستقر في قواعد ثابتة وبعيدة عن السكان طبقا لإعادة حسابات الكلفة والمنفعة وترتيب الأولويات بما يخدم المصالح الإستراتيجية الأميركية في العالم
"
لقد أشار الرئيس الأميركي بكل وضوح إلى أن ملف العراق بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية لم يعد الأولوية الأولى مقارنة بالأزمة الاقتصادية الكارثية التي تعصف بالمجتمع الأميركي ، ومقارنة بالوضع المتدهور في أفغانستان رغم اعترافه بأن ماجرى في العراق مغامرة كان ينبغي تقدير كلفتها قبل الدخول فيها في انتقاد واضح للإدارة الأميركية السابقة.

وعلى الرغم من التأكيدات الأميركية بجدولة الانسحاب فإن ثمة أسئلة وشكوكا حقيقية تحوم حولها وتحول دون الركون إليها بشكل كامل أو البناء عليها، فالاتفاقية الأمنية تشير ببندها الثلاثين إلى إمكانية تعديلها بموافقة الحكومتين الأميركية والعراقية، كما الرئيس الأميركي ربط وتيرة وتوقيتات خطته للانسحاب من العراق بالاعتماد على مستوى العنف الجاري في العراق وهو مفهوم غامض لا يمكن تحديد مصادره ودوافعه أو الجهات التي تقف خلفه.

إن بقاء قوات النخبة وبأعداد تصل إلى حدود الخمسين ألف جندي كقوات تدخل سريع لا يغير من صفة الاحتلال شيئا، خاصة وأن هناك ما يقارب المائة ألف من قوات المرتزقة والشركات الأمنية لم تتطرق كلا الاتفاقية الأمنية وخطة الرئيس أوباما إلى موعد انسحابها أو طبيعة واجباتها رغم أن الجميع يعلم أنها ترتبط كليا بوزارة الدفاع الأميركية تحت توصيف "خصخصة الحرب" التي لجأ إليها البنتاغون بعد المصاعب التي واجهها في التجنيد نتيجة الخسائر الجسيمة التي تتكبدها القوات النظامية الأميركية.

نحن إذا أمام جدولة لإعادة انتشار القوات الأميركية في العراق وليس انسحابها, قوات بأعداد أقل تستقر في قواعد ثابتة وبعيدة عن السكان طبقا لإعادة حسابات الكلفة والمنفعة وترتيب الأولويات بما يخدم المصالح الإستراتيجية الأميركية في العالم، وكذلك للإيفاء ببعض الالتزامات والوعود الانتخابية للإدارة الديمقراطية.

المشاهد المحتملة في العراق
على ضوء المعطيات التي مر ذكرها فإن العراق في المرحلة القادمة يسير باتجاه ثلاثة مشاهد محتملة في كيفية ملء الفراغ، ومن الواضح أن العامل الإقليمي فيها سيكون له الأرجحية على بقية العناصر وذلك لتبدل اللاعبين وطبيعة الصراع وانتقالها من الإستراتيجية العسكرية المباشرة إلى إستراتيجية غير مباشرة، سياسية، واجتماعية، ونفسية وإعلامية يسندها العامل العسكري ولكن لا يقودها، كما تبقى مفاجآت البيئة المحلية التي طالما عرف بها العراقيون عاملا لا يمكن التنبؤ به:

المشهد الأول- الفوضى: يشكل انسحاب القوات الأميركية من القصبات والمدن أرضية مناسبة لعودة العنف ولاسيما مع عدم جاهزية القوات الحكومية التي تعاني أصلا من نقص التجهيزات وعدم تكامل الصنوف العسكرية والقتالية الساندة، وتفتقر إلى عقيدة عسكرية جامعة حيث تدين معظم فرق هذه القوات وأجهزة الأمن والداخلية بولائها إلى الأحزاب والمليشيات المتحكمة بالسلطة، وذلك وفق مبدأ المحاصة الطائفية والعرقية، الأمر الذي قد يضع العراق على مسار العنف المنفلت وعودة العصابات والمليشيات والمجاميع الخاصة التي لا تزال تتدرب خارج الحدود.

"
العراق في المرحلة القادمة يسير باتجاه ثلاثة مشاهد محتملة في كيفية ملء الفراغ، الأول عودة العنف المنفلت, والثاني عقد صفقة أميركية إيرانية تضمن انسحابا مدبرا وهادئا والثالث عقد صفقة إقليمية كبرى تساهم فيها كافة أطراف الصراع على الساحة العراقية
"

المشهد الثاني – صفقة أميركية إيرانية: تمتلك إيران بعد ست سنين أوراقا وخيارات حقيقية داخل العملية السياسية وخارجها، كما تمكنت من تحسين شروط تفاوضها مع الولايات المتحدة الأميركية من خلال تحكمها بكثير من الأحزاب والشخصيات السياسية والمرجعيات الدينية من جهة وكذلك تحكمها بالهدنة المؤقتة مع مليشيا جيش المهدي وتمويلها المجاميع الخاصة بالمال والسلاح من جهة أخرى، في وقت تحتاج فيه الولايات المتحدة الأميركية إلى شريك يضمن لها انسحابا مدبرا وهادئا بأقل الخسائر، وإيران عبرت لأكثر من مرة على لسان مسؤوليها عن رغبتها واستعدادها لملء الفراغ.

المشهد الثالث – صفقة إقليمية كبرى: حيث تشرف الولايات المتحدة الأميركية ومن خلال الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية على عقد صفقة إقليمية كبرى تساهم فيها كافة أطراف الصراع على الساحة العراقية من اللاعبين المحليين والإقليميين وفي مقدمتها إيران وتركيا والدول العربية لتسوية وحسم الملفات العالقة التي فشلت في تحقيقها الحكومة العراقية في المجالات السياسية والأمنية والخدمية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك