عمرو هاشم ربيع

حال التعددية السياسية
العملية الانتخابية
واقع التمثيل السياسي في البرلمانات
الانقسامات الأولية
المركزية
التداول السلمي للسلطة
دور الجيش
تخلف الأطر الدستورية وتدهور القضاء

يعد عالم السياسة الفرنسي مونتيسكيو أحد أبرز المنظرين لنظرية الفصل بين سلطات الدولة الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وقد أشار مونتيسكيو إلى أن كل شخص يدير أي سلطة من تلك السلطات يجب أن يكون مختلفا عن الشخص الآخر، فلو اجتمعت سلطتا التنفيذ والتشريع في يد شخص واحد لأدى ذلك إلى الاستبداد، وإذا اجتمعت سلطتا القضاء والتشريع لأدى الأمر إلى تضييق الحريات.

أما إذا اجتمعت سلطتا القضاء والتنفيذ لأدى ذلك إلى انتهاك العدالة. ولكن رغم ذلك، فقد ظلت فكرة الفصل المطلق بين سلطات الدولة ضربا من خيال المفكرين. لذلك نجدها تعرضت للنقد من كافة المدارس الفكرية.

وفي الحالة العربية فإن العلاقة بين سلطات الدولة لا ترتبط بتلك النظريات والأفكار. فلا انفصالها –وهو أمر مفترض- يرتبط بأفكار مونتيسكيو، ولا تداخلها –وهو أمر قائم- يرتبط بما قاله منتقدو مونتيسكيو بأنها حتمية لا مفر منها.

بل إن وجود تلك السلطات في الدولة العربية يجعلها تتصف بأنها مستحدثة، بمعنى أنها جديدة وغير متجذرة ومنقولة، أي أنها مستنسخة من النظم الغربية ومتخلفة، بمعنى أنها غير ديمقراطية وتكرس التسلط.

والسؤال الآن هو: ما المؤثرات والمظاهر التي تتحكم في العلاقة بين السلطات؟ وكيف تؤثر تلك الأمور على وضع تلك العلاقة إجمالا على الدولة العربية؟

حال التعددية السياسية

"
تشكل الأحزاب رقما في لعبة السلطة السياسية في معظم البلدان العربية، لكن هذا الرقم تختلف قيمته من دولة إلى أخرى,  بسبب هيمنة مؤسسة الرئاسة عمليا على ناصية القرار في تلك البلدان
"
ترتبط التعددية السياسية بالتعدد الحزبي، الذي يؤثر بدوره في العلاقة بين سلطات الدولة، فمن خلاله يمكن الحديث عن طبيعة السلطة التنفيذية القائمة في النظام السياسي ارتباطا بهوية الأحزاب الحاكمة. وبالمثل فإن السلطة التشريعية تتأثر بالتعدد الحزبي في الدولة، حيث تتألف البرلمانات من مجموعة من الأحزاب القائمة.

كما ترتبط السلطة القضائية بشكل غير مباشر بمسألة التعددية، فوضعها يرتبط بقانونها الذي هو بدوره يتعلق بمفهوم العدالة لدى الحزب الحاكم أو المهيمن على البرلمان.

وفي العالم العربي، فمن بين 22 دولة عربية توجد 14 دولة فقط بها أحزاب سياسية هي لبنان والجزائر وسوريا وموريتانيا والسودان ومصر وجزر القمر وتونس والعراق والأردن وفلسطين والمغرب وجيبوتي واليمن.

من هنا تشكل الأحزاب رقما في لعبة السلطة السياسية في معظم البلدان العربية، لكن هذا الرقم تختلف قيمته من دولة إلى أخرى. ففي سوريا يبقى حزب البعث هو الحزب القائد، وفي مصر فإن الحزب الوطني هو الحاكم منذ تأسيسه عام 1978، وفي تونس فإن التجمع الدستوري (بمسميات مختلفة) هو الحاكم منذ الاستقلال. وعلى العكس من كل ذلك فالمغرب يوجد به نظام حزبي تنافسي حقيقي.

وبين الحالات الأربع السابقة تتباين أوضاع البلدان العربية العشر الأخرى يمينا ويسارا. لكن النمط العام هو أن هيمنة الأحزاب على الحكم في الدولة العربية يعد أمرا شكليا، بسبب هيمنة مؤسسة الرئاسة عمليا على ناصية القرار في تلك البلدان.

العملية الانتخابية
يشكل الانتخاب أحد أهم وسائل التأثير على السلطة السياسية، فمن خلاله يتم تمثيل القوى السياسية القائمة، ومن هنا تؤثر تلك القوى في سلطات الدولة الثلاث، وذلك وفقا لدرجة تمثيلها، المتأرجح بين الأغلبية والمعارضة.

وفي البلدان العربية تنعقد الانتخابات العامة لاختيار ممثلين في كافة البلدان العربية الـ22 باستثناء الصومال وليبيا. وذلك ما بين انتخابات رئاسية وانتخابات برلمانية وانتخابات بلدية. على أن تأثير سلطات الدولة الثلاث في الوطن العربي بالانتخاب يعد محدودا من زاويتين. الأولى شكلية: إذ إن بعض البلدان يجري بها نوع أو نوعان أو ثلاثة من الأنواع السابقة للانتخاب. والثانية موضوعية: إذ باستثناء عدد قليل من البلدان العربية الـ20 منها المغرب والكويت ولبنان وفلسطين (مع الخلاف في التفاصيل)، تعد الانتخابات وسيلة موسمية لانتهاك أبسط مبادئ حقوق الإنسان التي أتت بها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والمعايير الدولية للانتخابات النزيهة.

والسبب ليس فقط قلة الدساتير والقوانين الانتخابية التي مردت السلطة على انتهاكها، بل أيضا الممارسات غير المحدودة من الانتهاكات المنهجية لهذه الحقوق على النحو الوارد في بلدان مثل مصر وتونس واليمن وسوريا وعمان، حيث السجلات الزائفة، والإشراف المشوه على الانتخابات، وانتشار أعمال العنف، واستشراء الرشى الانتخابية، وتزوير نتائج الانتخابات..

واقع التمثيل السياسي في البرلمانات

"
كلما كان البرلمان منتخبا بحرية كانت سلطة التشريع مستقلة عن سلطة التنفيذ وكانت سلطة القضاء فاعلة, ومن حيث الموضوع تتباين سلطات البرلمانات العربية في مواجهة السلطة التنفيذية، وإن كان معظمها تغلب عليه هيمنة السلطة التنفيذية
"
يؤثر التمثيل السياسي عبر البرلمانات على واقع العلاقة بين السلطات، فهذا التمثيل يفرخ في النظم البرلمانية السلطة الحاكمة، وفي النظم الرئاسية تؤثر السلطة التشريعية بشكل غير مباشر في أعمال السلطة التنفيذية عبر تحكمها في الموازنة العامة للدولة.

وفي الوطن العربي، يتباين تأثير سلطات الدولة في واقع التمثيل السياسي في البرلمان من دولة إلى أخرى، وإن كان الاتجاه العام هو ضعف التأثير. فمن حيث الشكل ترتبط العضوية في البرلمانات العربية بثلاثة أشكال، هي الانتخاب (لبنان مثلا)، والتعيين (السعودية مثلا)، أو الانتخاب والتعيين (مصر مثلا).

وبطبيعة الحال، كلما كان البرلمان منتخبا بحرية كانت سلطة التشريع مستقلة عن سلطة التنفيذ، وكانت سلطة القضاء فاعلة. ومن حيث الموضوع، تتباين سلطات البرلمانات العربية في مواجهة السلطة التنفيذية، وإن كان معظمها تغلب عليه هيمنة السلطة التنفيذية مع الخلاف في الدرجة.

فبرلمانات مثل برلماني المغرب والكويت لهما سلطات فاعلة في مواجهة الحكومة. وبالمقابل هناك برلمانات استطاعت السلطة التنفيذية أن تحجم دورها كلما شذت عن الخط المرسوم لها، مستخدمة في ذلك وسائل شتى كالفتاوى الشرعية لغل يد مجلس الشورى السعودي.

وعلى نفس الخط (تقريبا) هناك مجلسا الشعب في سوريا ومصر اللذان ينتميان لفئة البرلمانات التمريرية، مما جعل مثل تلك البرلمانات أداة للكبت والاستبداد وتكريس بقاء السلطة التنفيذية والقيادات السياسية في مواقعها بشكل أبدي.

الانقسامات الأولية
عندما تتسم المجتمعات بوجود انقسامات أولية ترتبط بالدين والثقافة والعرق واللغة واللون.. يحتمل أن تظهر معوقات رئيسية في العلاقة بين سلطات الدولة. فهذه السلطات لا تستطيع غالبا أن تتسم بالعدل الكامل كي تعبر بداخلها عن تلك الانقسامات، خاصة في المجتمعات غير الديمقراطية، إذ يؤدي الأمر إلى أن تنال تلك الانقسامات من العلاقة بين سلطات الدولة، فيصبح تمثيل الأقليات داخل سلطات الدولة مجرد رمز.

وفي البلدان العربية، تتسم المجتمعات بوجود درجات كبيرة من الانقسامات الأولية الناتجة عن الطبيعة القبلية أو الدينية أو القومية أو الجهوية للمواطنين. ففي بلدان الجزيرة العربية والأردن والعراق، يصبح الانتماء الأول لبعض مواطني هذه الدول إلى القبيلة. كما ترتبط الانتخابات بالعامل المذهبي في الكويت والبحرين والعراق، ويلعب العاملان القبلي والمذهبي دورهما في تولي بعض المناصب الوزارية في غالبية تلك البلدان.

وفي لبنان تتبع الدولة سياسة المحاصصة بين الطوائف الدينية في مؤسسات الرئاسة والحكومة والبرلمان والجيش، ويزداد الطين بله بالتداخل بين الانتماءات الأولية والانتماءات الحزبية في هذا البلد.

خلاصة القول إن تلك المشكلات تؤثر على العلاقة بين السلطات في الدولة العربية، وتحد من شرعيتها، وتسيء لصورتها الخارجية وسط العالم المتمدين.

المركزية

"
تعد مصر نموذجا فريدا للحكم المركزي، ورغم هذا التفرد فإن الريادة المصرية عربيا أدت إلى انتقال أسلوب الإدارة المركزية إلى العديد من البلدان العربية، فوسمت سلطاتها التنفيذية وإدارتها البيروقراطية بالاستبداد المشمول عادة بالفساد
"
المركزية هي إحكام سلطة الدولة على كافة ربوعها إلى الحد الذي يولد حكما سلطويا استبداديا، وهي ترتبط بتركيز السلطات في يد السلطة التنفيذية، لذلك عادة ما تنمو إلى جانبها الأنماط البيروقراطية في الحكم والإدارة وسيادة المناخ الشمولي.

وفي الوطن العربي تعد مصر نموذجا فريدا للحكم المركزي، وعلى الرغم من هذا التفرد فإن الريادة المصرية عربيا أدت إلى انتقال أسلوب الإدارة المركزية إلى العديد من البلدان العربية، فوسمت سلطاتها التنفيذية وإدارتها البيروقراطية بالاستبداد المشمول عادة بأنماط من الفساد الممنهج، نتيجة عدم الرقابة وغياب المحاسبة وتحكم العاصمة في كل مقدرات المواطنين.

وبالمقابل ظهر حال الخنوع والإذعان من قبل المحكومين. وبطبيعة الحال، كان لوجود هذا النمط المركزي أثره الكبير على العلاقة بين سلطات الدولة في الوقت الراهن، إذ ظهرت قيادات سياسية أبدية لا يغيبها سوى الموت، تألهت زعاماتها ونمت حولها بطانة عينها الحاكم أو كانت معينة بالفعل داخل سلطات الدولة الثلاث، هذه البطانة كانت تسوق لريادة الحاكم، وتسبح بحمده إلى الحد الذي أفرز لدى الكثير من المواطنين حالة من الإحباط وعدم الجدوى من أي إصلاح مبتغى.

التداول السلمي للسلطة
يعتبر التداول السلمي للسلطة أحد سنن الطبيعة، وعلى العكس يعتبر استمرار الأوضاع على ما هي عليه أمرا ملازما للركود.

وفي العالم العربي يعتبر التداول السلمي للسلطة في النظم الجمهورية من الأمور غير المعتادة، ففي نصف القرن الأخير تدخلت إرادة السماء للتغيير في مصر وسوريا والصومال، أو تدخلت قوات الجيش والمخابرات لإحداث التغيير كما في موريتانيا وسوريا والعراق والسودان وتونس، أو وقعت حوادث اغتيال للحكام كما في مصر والجزائر ولبنان وفلسطين.

وفي الوقت الراهن تقبع على سدة الحكم قيادات استمرت في السلطة لأكثر من عقدين (تونس) أو أكثر من ربع قرن (مصر) أو أكثر من ثلاث عقود (اليمن) أو نحو أربعة عقود (ليبيا).

ولم يحدث تغيير للحكام بإرادة الناخبين إلا في لبنان، كما حدث ذلك في الجزائر والسودان بشكل متقطع. وقد سعت قيادات عربية إلى التمديد لذاتها عبر تعديل الدساتير، كما هو قائم في مصر منذ عام 1980 وتونس 2002 والجزائر 2008.

وعلى أية حال، فقد أدى تأبيد القيادات السياسية في النظم الجمهورية العربية إلى بروز حال من الضعف الشديد في السلطة التشريعية وإهدار حكم القانون، وذلك على النحو القائم في اليمن ومصر وليبيا وتونس.

حيث أصبح البرلمان أداة لبقاء الأوضاع على ما هي عليه (لا يوجد برلمان في ليبيا). ليس هذا فحسب بل كان لتوجهات القيادة السياسية –وليس حكومات الأغلبية- للبرلمانات بمثابة رسم عام لأجندة هذه البرلمانات، إلى الحد الذي جعل الحكومات المعينة تسلب اختصاصات البرلمانات.

دور الجيش 

"
وجود قادة عسكريين في وظائف مدنية لن يخدم الممارسة الديمقراطية، بل سيطيح بكل ما هو مدني، لأن العسكريين ببساطة لن يعتادوا على لغة الرأي والرأي الآخر
"
يمثل الجيش عبر تدخله في السياسة أحد المنابع الدائمة لضعف سلطات الدولة الثلاث. وقد اكتسب الجيش هذه الصلاحية من واقع قيامه بدور رائد في أغلب حالات الاستقلال في البلدان العربية.

وقد تباين تعامل القيادات السياسية مع الجيش في البلدان العربية من دولة لأخرى، لكنه تكرس في أربع وسائل. الأولى: اعتماد رؤساء الدول أي القيادات العسكرية الراهنة بلباسها المدني على الجيش بشكل مستمر، لمواجهة أية حركات شعبية معادية لحكمها (سوريا نموذجا).

الثانية: النظر بعين الشك إلى الجيش خشية انقضاضه على الحكم، لذلك سعت بعض القيادات السياسية إلى صنع قوى موازية للجيش (سرايا الدفاع في سوريا، والحرس الوطني في السعودية، والحرس الجمهوري في عراق صدام).

الثالثة: إرضاء كبار القادة العسكريين عبر إغداق الرواتب والحوافز والتعيينات المستمرة لهم بعد التقاعد في المناصب المدنية كالوزراء والمحافظين ورؤساء المجالس البلدية والسفراء (مصر في بعض الأحيان).

الرابعة: إنهاك الجيش في العمل في الحياة المدنية بدعوة دعم المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية.. (مصر أيضا). كل هذه الأمور أضعفت سلطات الدولة، لأنها ببساطة أدت إلى العصف بالقيم الديمقراطية التي لا يعرفها الجيش.

فوجود قادة عسكريين في وظائف مدنية لن يخدم الممارسة الديمقراطية، بل سيطيح بكل ما هو مدني، لأن العسكريين ببساطة لن يعتادوا على لغة الرأي والرأي الآخر.

تخلف الأطر الدستورية وتدهور القضاء
على الرغم من أن حكم القانون هو الحكم الذي يمنح علاقات متوازنة بين سلطات الدولة الثلاث، فإن الصفوات الحاكمة العربية سعت إلى استغلال حال الخلل في التوازن بينها وبين السلطتين التشريعية والقضائية إلى إخراج ثلة من الدساتير والقوانين التي تخدم مصالحها العليا. وهذه الدساتير والقوانين استخدمت فيما بعد لنشأة برلمانات ورقية وسلطة قضائية رمزية.

ففيما يتعلق بالدساتير، سعت معظم الدساتير العربية لاستحواذ قياداتها السياسية على أكبر كم من السلطة مقابل الفتات للسلطتين التشريعية والقضائية، وجمعت في سبيل ذلك بين صلاحيات رأس السلطة التنفيذية في النظم الرئاسية ونظيرتها في النظم البرلمانية.

"
القضاء العربي هو الحلقة الأضعف في العلاقة بين سلطات الدولة الثلاث، وكثيرا ما تجهض حقوق القضاة كما تنتهك حقوق المواطنين في المحاكمات والدفاع وتنفيذ الأحكام
"
وبالنسبة للحكم بالمراسيم وتفويضات البرلمانات للحكومات، فقد اتجهت السلطة التنفيذية في العالم العربي لغل يد البرلمانات عبر الحكم بالمراسيم المقننة في غيبة البرلمان (الأردن نموذجا)، وأجبر بعضها البرلمانات على منح تفويضات للحكام (مصر نموذجا).

أما حال القضاء العربي فعادة ما ينظر إليه باعتباره الحلقة الأضعف في العلاقة بين سلطات الدولة الثلاث، ولذلك كثيرا ما تجهض حقوق القضاة بشأن تبعيتهم ورواتبهم وانتداباتهم، كما تنتهك حقوق المواطنين في المحاكمات والدفاع وتنفيذ الأحكام.. إلخ (الأردن والسعودية ومصر وسوريا نماذج واضحة).

مما سبق يتضح أن العلاقة بين السلطات في الدولة العربية تتسم عامة بالتداخل، مع وجود فارق في الدرجة، وأن كل ما كان يستخدم لتقويض السلطة التنفيذية في الغرب أصبح يطوع في معظم البلدان العربية لتعظيم تلك السلطة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
كاتب مصري 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك