عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


أصدرت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) عبر المدعي العام لويس مورينو أوكامبو مذكرة بتوقيف الرئيس السوداني عمر حسن البشير في الرابع من مارس/آذار 2009، موجهة إليه تهمتي ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وأسقطت عنه تهمة الإبادة الجماعية.

"
إذا كانت مسألة دارفور تشكل نكبة للإنسانية ككل، فإن قرار المحكمة بشأن تسليم البشير نفسه لتتخذ الإجراءات اللاحقة حتى وإن كان بريئا قد يزيد الطين بلة ويصعد من حدة التوتر الإقليمي والدولي
"
ولعل قرار المحكمة زاد مشكلة دارفور المعقدة تعقيدا سياسيا وقانونيا، فالارتكابات الخطيرة والجسيمة بحق السكان المدنيين، وبخاصة منذ عام 2003 والتي تفاقمت في عام 2005، وضعت مسؤوليات جديدة على عاتق الحكومة السودانية من جهة وعلى عاتق المجتمع الدولي من جهة أخرى، لتأمين مستلزمات تحقيق العدالة المفقودة.

وهذا هو الأمر الذي جعل مواجهة جديدة بين السياسي والقانوني، لا سيما إمكانات تطبيق ذلك في إقرار أو تجاوز مسألة السيادة، بحكم مبدأ "التدخل الإنساني"، الذي ما زال إرهاصا يتيح تداعيات مختلفة، وخصوصا ببعض تطبيقاته ذات الازدواجية في المعايير والانتقائية في الاختيار.

جدير بالذكر أن تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في يوليو/تموز 1998 يعتبر حدثا فقهيا وقانونيا دوليا مهما باتجاه مقاربة العدالة الدولية، وقد يحتاج إلى سنوات وتطبيقات سليمة وذات منهج يقوم على المساواة وعدم التوظيف السياسي وفرض الهيمنة من جانب القوى المتنفذة، لكي يمكن اعتماده والتعويل عليه لاحترام حقوق الإنسان وملاحقة مرتكبي الجرائم.

وقد أغلق باب الانضمام إلى ميثاق روما الأساسي (كدول مؤسسة) يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2000، ودخلت المحكمة حيز التنفيذ عام 2002 بالتصديق على ميثاقها من جانب ستين دولة، وصلت الآن إلى أكثر من مائة دولة.

واحدة من المفارقات التي يمكن ذكرها بهذا الصدد هي أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا عضوين في ميثاق روما، فبعد توقيعهما عشية إغلاق باب التوقيع كدول مؤسسة، عادتا وانسحبتا منه بعد دخوله حيز التنفيذ.

أما المفارقة الثانية فهي أن السودان هو الآخر ليس عضوا في ميثاق روما، فهو لم يوقع عليه منذ البداية، وإن كانت بعض البلدان العربية قد وقعت على الميثاق، إلا أن غالبيتها الساحقة لم تصدق عليه باستثناء ثلاث دول عربية هي الأردن وجيبوتي وجزر القمر.

وهناك مفارقة ثالثة ولعلها سابقة قانونية جديدة، وهي أن الرئيس السوداني الذي صدرت مذكرة بتوقيفه ما زال في سدة الرئاسة وفي قمة السلطة، فكيف السبيل إلى تحقيق ذلك؟ ومن الجهة المخولة بإلقاء القبض عليه وجلبه إلى المحكمة!؟

وكان رد فعل الحكومة السودانية على قرار المحكمة الجنائية الدولية قيامها بطرد 13 منظمة دولية غالبيتها للإغاثة الإنسانية والطبية، لاتهامها بالتواطؤ مع جهات خارجية وتقديم معلومات مضللة ومغرضة للمحكمة تشوه حقيقة الوضع في دارفور.

وإذا كانت مسألة دارفور تشكل نكبة للإنسانية ككل، فإن قرار المحكمة بشأن تسليم البشير نفسه لتتخذ الإجراءات اللاحقة حتى وإن كان بريئا قد يزيد الطين بلة ويصعد من حدة التوتر الإقليمي والدولي، خصوصا أن غالبية ردود الفعل انصبت على قضية تسييس القرار بدلا من وضع العدالة في موضع الصدارة بما تستحقه، وقد يضاعف الأمر من مأساة دارفور المنكوبة أصلا.

قد تلتجئ المحكمة إلى إلقاء القبض على الرئيس السوداني بالتعاون مع الدول الموقعة على ميثاق روما، وهو أمر محتمل فيما إذا غادر الرئيس السوداني إلى إحدى الدول التي يمكن أن تتعاون مع المحكمة، كما سيكون غيابه عن حضور مؤتمرات دولية بما فيها اجتماعات الأمم المتحدة أمرا محتملا لكي يجنب نفسه احتمالات إلقاء القبض عليه.

ومن جهة أخرى ستواجه المحكمة مسألة عدم وجود جهاز تنفيذ قراراتها، حتى وإن التجأت إلى الشرطة الدولية (إنتربول)، الأمر الذي سيعيد القضية إلى مجلس الأمن الدولي مجددا لاتخاذ القرارات المناسبة التي قد تصل إلى العمل العسكري وشن الحرب، فيما إذا تكرر السيناريو العراقي بعد حصار وعقوبات تدوم سنوات، ولعل السودان والعالم أجمع في تلك الإجراءات سيواجه مأساة جديدة تزيد خطورة عن المأساة الراهنة.

وقد يدفع مجلس الأمن الدولي بعض أعضائه لتنفيذ القرار، وهنا يلوح خطر اختطاف البشير، سواء أثناء وجوده في السودان أو أثناء مغادرته بهدف تسليمه إلى القضاء الدولي، حتى وإن اقتضى الأمر إجبار طائرته على الهبوط، وإن كان مثل هذا الإجراء غير قانوني.

لكن بعض أعضاء مجلس الأمن، الذين يريدون معاقبة السودان بأي ثمن، سيجدون مبررات لفعلتهم المحتملة ولمغامرتهم المتوقعة بعد التحجج بذرائع كثيرة سيتم تقديمها.

يذكر أن الذين يتهمون الرئيس السوداني بارتكاب الجرائم يقولون إنه خلال الأعوام الخمسة ونيف الماضية شنت الحكومة السودانية هجمات ضد حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة وجماعات مسلحة أخرى معارضة للحكومة، لا سيما بعد الهجوم على مطار الفاشر عام 2003، وذلك بمشاركة قادة سياسيين وعسكريين وبقرارات وأوامر من البشير مباشرة، واستمرت حتى 14 يوليو/تموز 2008، وهو تاريخ تقديم المدعي العام طلبا بتوقيفه.

وخلص قرار المحكمة إلى أن البشير بوصفه رئيس السودان وقائد القوات المسلحة هو المسؤول عن تنسيق وتخطيط الحملة ضد "المتمردين" وتنفيذها.

"
السعي لتوقيف الرئيس السوداني وهو في قمة السلطة السياسية لا يمكن النظر إليه، حتى بوجود ارتكابات خطيرة وجسيمة، من زاوية قانونية فحسب، وإنما لا بد من أخذ الجوانب السياسية والإنسانية بنظر الاعتبار
"
من الناحية القانونية، يعتبر قرار محكمة روما بتوقيف البشير ملزما لجميع أعضاء الأمم المتحدة، لا سيما وقد صدر القرار بالإحالة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي سيضطر المجتمع الدولي إلى التعاطي معه، وبخاصة في حال رفض السودان الامتثال والتعاون مع المحكمة التي بدورها تطالب حاليا بتسليم الرئيس السوداني ومتهمين سابقين هما أحمد هارون وعلي كوشيب اللذان صدرت بحقهما قرارات اعتقال منذ مايو/أيار 2007 ورفضا تسليم نفسيهما، كما رفض الرئيس البشير تسليمهما وأقسم بأغلظ الإيمان بأنه لن يفعل ذلك.

الجديد في معادلة القانوني والسياسي والتداخل والتباعد بينهما أحيانا هو ردود الفعل التي بدرت من 37 دولة أفريقية بالانسحاب من وثيقة التأسيس لمحكمة روما، الأمر الذي يضع المحكمة في مأزق قانوني دولي، ولعله مأزق سياسي خطير أيضا، حيث سيخفض هذا الانسحاب "الجماعي" من الثقل السياسي والقانوني والقضائي للمحكمة ويضعف من مهنيتها وصدقيتها.

وفي الوقت نفسه سيكون هذا القرار غطاء قانونيا وسياسيا لعدم تعاطي الدول الأفريقية وتعاونها مع المحكمة وقراراتها وقد يشجع دولا أخرى. كما أن جامعة الدول العربية طلبت من مجلس الأمن تعطيل تنفيذ قرار المحكمة بتوقيف الرئيس السوداني، وطالبته بأن يقوم بدوره والمحكمة بدورها حيال الجرائم الإسرائيلية المرتكبة في غزة مؤخرا.

يعتبر الرئيس السوداني عمر البشير هو الرئيس الوحيد الذي يلاحقه القضاء الدولي وهو في السلطة، فقد سبقته في عام 2003 اتهامات ضد الرئيس الليبيري تشارلز تايلور بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب الأهلية في سيراليون، التي أدت إلى مقتل أكثر من 120 ألف إنسان بين 1991 و2001، وكان تايلور الذي انتخب في 1997 قد استقال من منصبه في أغسطس/آب 2003 وانتقل إلى الإقامة في المنفى (نيجيريا) حيث اعتقل في مارس/آذار 2006.

أما الرئيس الثاني فهو الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش الذي اتهم من قبل المحكمة الدولية الخاصة بارتكاب جرائم حرب في يوغسلافيا السابقة وجرائم ضد الإنسانية في البوسنة وكوسوفا وكرواتيا بين عامي 1991 و1999، وكان قد رشح نفسه لانتخابات عام 2000 ولكنه لم ينجح، وتم تسليمه إلى القضاء في يونيو/حزيران 2001 وتمت محاكمته ولكنه توفي في السجن يوم 11 مارس/آذار 2006، قبل صدور الحكم عليه.

وكان الرئيس الثالث هو ميلان ميلوتيسنوفيش الذي اتهم رسيما في مايو/أيار 1999 بارتكاب جرائم حين كان رئيسا لصربيا بين ديسمبر/كانون الأول 1997 وديسمبر/كانون الأول 2002، وقد تم تقديمه للمحكمة الجنائية الخاصة للنظر في جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة في يناير/كانون الثاني 2003، ومثل مع خمسة متهمين في يوليو/تموز 2006 إلى أغسطس/آب 2008 أمام القضاء بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب كوسوفا (1998-1999).

وقد جرى اعتقال زعيم صرب البوسنة رادوفان كاراديتش بطلب من المحكمة الجنائية الدولية (الخاصة) ليوغسلافيا السابقة في العام المنصرم 2008 بتهمة قتل الآلاف من أبناء البوسنة في حروب البلقان خلال التسعينيات ولا سيما في مجزرة سريبرنيتشا الشهيرة عام 1995، حيث يقدر عدد الرجال والأطفال المسلمين الذين قتلوا بحوالي 8000 إنسان.

إن السعي لتوقيف الرئيس السوداني وهو في قمة السلطة السياسية لا يمكن النظر إليه، حتى بوجود ارتكابات خطيرة وجسيمة، من زاوية قانونية فحسب، وإنما لا بد من أخذ الجوانب السياسية والإنسانية بنظر الاعتبار، لا فيما يتعلق بمسألة دارفور المنكوبة فحسب، بل ما يتعلق بالمشكلة السودانية ككل.

وهذا يعني دخول عامل جديد ذي بعد إنساني وسياسي في الإشكال القانوني القائم ومستقبله، علما بأن هناك أكثر من 350 دعوى قضائية مقامة ضد إسرائيل لارتكاباتها السافرة والصارخة في غزة خلال عدوانها الذي استمر 22 يوما مؤخرا، ناهيكم عن دعاوى بشأن عدوانها ضد لبنان عام 2006 أو ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون بشأن مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982 لدى محاكم بلجيكا.

"
تحقيق العدالة يتطلب مساءلة جميع المتهمين طبقا لمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء وعدم الكيل بمكيالين، لا سيما أن الكثير من الجهات المتنفذة والمتسيدة في العلاقات الدولية لا تخفي أطماعها بشأن موارد دارفور وثرواتها
"
وإذا كانت المادة 16 من نظام محكمة روما تعطي الحق في تجميد أو إسقاط التهم الموجهة إلى المتهم، فالأمر قد لا يدخل في باب القانون بقدر دخوله في باب السياسة والجوانب الإنسانية، وقد يحدث مثل هذا التبدل في حال حدوث اتفاق بين الحكومة والجماعات المسلحة أو بحصول صفقة سياسية مع القوى الغربية، بتسليم المتهمين وإسقاط التهم بحق الرئيس.

ولكن هذا الأمر بعد وصوله إلى القضاء الدولي يجعل إمكانات نجاحه محدودة، إلا بحصول تبدلات كبيرة لدى الجهات المتنفذة التي يمكنها أن تؤثر على قرارات مجلس الأمن، حسب نظام المحكمة.

ولكن من سيكون إلى جانب الضحايا وكيف السبيل لمقاضاة المتهمين بغض النظر عن مواقعهم!؟ تتحدث التقارير الدولية عن عمليات قتل طالت في غضون السنوات الخمس ونيف الماضية أكثر من ثلاثين ألف ضحية مباشرة في القتال ونحو مائتي ألف بسبب الظروف المأسوية الناجمة عن الحرب، فضلا عن نزوح مليوني إنسان من إقليم دارفور المنكوب، إضافة إلى عمليات اغتصاب للنساء والأطفال.

وسواء قللت الحكومة السودانية من عدد الضحايا حيث تقول إنهم لا يتجاوزون عشرة آلاف أو بالغت بعض الجهات الخارجية في أرقامهم لأهداف سياسية بجعلها نحو 300 ألف إنسان، فإن هناك ارتكابات قد حدثت بلا أدنى شك، وهي بحاجة إلى نظام موضوعي لتطبيق العدالة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإنزال العقاب بالجناة.

يمكن القول إن القسم الأكبر من الضحايا هم من الدارفوريين الأفارقة الذين كانوا هدفا لهجوم قوات الجنجويد الذين يحظون بدعم الحكومة والجهات الرسمية المسؤولة، الأمر الذي يضعها في إطار المساءلة القانونية.

ويذهب سيناريو المساءلة للقول بما أن الرئيس هو المسؤول فهو من سيكون في دائرة الاتهام حسب مسؤولياته الرسمية، لكن هذه المسؤولية لا تعفي من مساءلة الآخرين، لا سيما المرتكبين من الحركات المسلحة التي هي الأخرى قامت بارتكابات ضد القبائل العربية، ويمكن هنا مساءلة دول جوار السودان المتورطة مثل تشاد التي ساهمت في إذكاء نار الصراع.

وتترتب مسؤوليات على المجتمع الدولي الذي تأخر في رفع صوته واستخدام نفوذه لوقف المجازر ولا سيما تأخره في إرسال قوات لحفظ السلام في دارفور.

إن تحقيق العدالة يتطلب مساءلة جميع المتهمين طبقا لمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء وعدم الكيل بمكيالين، لا سيما أن الكثير من الجهات المتنفذة والمتسيدة في العلاقات الدولية لا تخفي أطماعها بشأن موارد دارفور وثرواتها بشكل خاص والسودان بشكل عام.

إن الجرائم الواقعة في دارفور لم تأت من فراغ وهي جرائم وقعت بالفعل، ولا يمكن التهاون بشأنها أو إغفالها ولا بد من مساءلة مرتكبيها، أيا كانوا وأيا كانت مواقعهم، لكي يكونوا عبرة للأنظمة القمعية والحركات الإرهابية وللأجيال القادمة، فقد كانت تلك الارتكابات والمجازر بدون رقيب ولا حسيب، لا على صعيد القضاء الوطني السوداني، الذي كان عليه أخذ المبادرة ولا على الصعيد القضائي الدولي الذي لا ينبغي له توظيف العدالة سياسيا لأغراض أنانية ضيقة.

وتبقى مسألة احترام حقوق الإنسان وتأمين مستلزمات العدالة فوق كل اعتبار وفوق جميع التبريرات والمزاعم والمسوغات سواء كانت سياسية أو قانونية أو غيرها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك