فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


ليس من قبيل إطلاق التنبؤات أن يقول المرء وهو يمعن الفكر في العبارات الدقيقة والمحسوبة التي استخدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب "الإعلان عن الانسحاب من العراق"، إن حقبة دامية من المواجهة العسكرية بين المقاومة والقوات الأميركية توشك أن تبدأ.

وملامح هذه الحقبة واضحة إلى حدٍّ ما، فالأميركيون يريدون "ولادة من دون خطيئة"، أي أن يكسبوا الحرب في العراق دون دفع أي ثمن. ليس الدم الأميركي هو الثمن المطلوب، بل الحل العادل لمأزق مرّوع ومتواصل.

وهذا الحل له أسس وقواعد، منها أن العراق لكل العراقيين، وفي طليعتهم الذين قاوموا الاحتلال. هؤلاء ليسوا ولم يكونوا من الإرهابيين، كما كان الرئيس بوش يرددّ، حتى وهو يعرف "الفارق المفهومي" بين المقاومة والإرهاب.

"
الأميركيون يسعون وراء انتصار رخيص لا يكلفهم ثمن الحوار المؤلم مع المقاومة، حتى وإن كان الخروج المشرف من المستنقع يتطلب ذلك, فقد تجاهلوا مرة أخرى الحقائق الرهيبة التي تشكلت في أرض الواقع، ومنها أن المقاومة ستظل قادرة على مواصلة القتال
"
ولأن الأميركيين -كما يتبيّن من خطاب الرئيس أوباما- يسعون وراء "انتصار رخيص" لا يكلفهم ثمن الحوار المؤلم مع المقاومة، حتى وإن كان الخروج المشرّف من المستنقع يتطلب ذلك من الناحية الإجرائية، فقد تجاهلوا مرة أخرى الحقائق الرهيبة التي تشكلت في أرض الواقع، ومنها أن المقاومة ستظل قادرة على مواصلة القتال.

وفي الوضع الراهن، وبعد سنوات من القتال العنيف، يصعب تخيّل أي ظرف يمكن أن ينشأ منذ الآن، ويفرض على المقاومة العراقية التخلي عن "حقها في التفاوض" على مستقبل العراق. لقد دفعت هي الأخرى -كما دفع الأميريون- ما يكفي من الدم.

ولذلك، تصبح إمكانيات المواجهة الشرسة والمتوقعة أكثر بكثير من مجرد تكهنات أو نبوءات متشائمة. صحيح أن الخطاب أشاع جوّا من "الأمل" باقتراب نهاية الحرب، لكن الصحيح أيضا أنه جاء مُشبعا بهواجس اقتراب نذر مواجهة شرسة سوف تعقب عملية سحب القوات.

ولعل قراءة معمّقة في الخطاب يمكن أن تكشف هذا الجانب الخفي من هواجس المواجهة المرتقبة، فالرئيس لم يخف مخاوفه من ضياع ما أسماه "المكاسب الكبيرة" التي تحققت، ولذا فهو يريد انسحابا مدروسا بعناية وخاضعا للتطورات الميدانية كذلك.

وفي هذا المنحى من تنفيذ وعد الانسحاب الذي التزم أوباما بتحقيقه فور انتخابه، يمكن للمرء أن يتفهّم معنى الشكوك التي تنتاب الكثير من العراقيين اليوم حيال جدية الخروج الأميركي من العراق. وإذا شئنا تلخيص فكرة الخطاب الجوهرية، فسنلاحظ أنها تصب تماما في ما يعرف "بإستراتيجية الخروج من العراق" وهي إستراتيجية تتحدث عن "خروج تكتيكي" على مراحل متباعدة، خاضعة كليّا لفحص دوري للمعطيات الميدانية، ولكن من دون أيّ وعد "بترك العراق نهائيا".

لقد تنبأ الباحث والخبير الإستراتيجي الأميركي أنتوني كوردسمان في شهادته أمام الكونغرس عام 2005 أن تكون خيارات الأميركيين للخروج من العراق محدودة للغاية: إما خروج إستراتيجي، وهذا يعني الهزيمة العسكرية التي ستستدعي إعادة هيكلة وضع القوات والقواعد الأميركية في المنطقة وأجزاء واسعة من العالم، وهذا بالطبع خيار مستحيل عمليا ويمثل انهيارا للإمبراطورية الأميركية، وإما "خروج تكتيكي" مدروس ولكن حقيقي ومن دون أي تلاعب، وذلك من خلال القيام بما أسماه كوردسمان "فض الاشتباك السياسي مع العراقيين" بعد "فض الاشتباك العسكري" معهم.

خطاب أوباما في قاعدة كارولينا الشمالية مساء يوم الجمعة (27/2/2009) والذي أكد فيه التزامه بتنفيذ انسحاب تدريجي يبدأ في أغسطس/آب 2010 وينتهي بنهاية العام 2011، تضمن الكثير ممّا يمكن اعتباره "تصورات تنفيذيّة غامضة" لموضوع الانسحاب الشائك, ولهذا، فإذا ما اعتبرنا قرار الانسحاب تطبيقا لإستراتيجية "الخروج التكتيكي من العراق"، فإنه -في هذه الحالة- سيكون أول وأكبر محاولة لفض الاشتباك الحربي مع العراقيين.

"
من أجل تطوير الانسحاب التكتيكي يجب أن تجري بالتوازي معه عملية فض اشتباك سياسي ينتهي بتأسيس إطار لعملية سياسية جديدة وديمقراطية, بيد أن المعضلة التي سيصطدم بها هذا المشروع تكمن في رفض المقاومة لأي محاولة لفرض خيار الفدرالية
"
ولكن يتبقى من أجل تطوير هذا التكتيك أن تجري بالتوازي معه عملية فضّ اشتباك سياسي، ينتهي بتأسيس إطار لعملية سياسية جديدة وديمقراطية. بيد أن المعضلة التي سيصطدم بها هذا المشروع، تكمن في رفض المقاومة لأي محاولة لفرض "خيار الفدرالية"، وهو ما يسعى الأميركيون سرّا وعلنا إلى فرضه.

وعند هذه النقطة يمكن للمرء أن يتفحص "النبوءة" ليدرك حدود المجابهة المتوقعة بين الأميركيين والمقاومة في حقبة "الانسحاب التكتيكي". إن تفكيك خطاب أوباما ومعرفة خفاياه يتطلب ملاحظة الأمور التالية:

أولا- أن الخطاب يمثل من منظور الانسحاب التكتيكي نوعا من التراجع المحسوب بدقة عن وعد إنهاء الحرب بسرعة لصالح سياسة غير واقعية وغير عملية ومحفوفة بالمخاطر، تقوم على أساس إبقاء أكبر عدد ممكن من الجنود. ومن شأن هذه السياسة، بكل يقين، أن تؤدي مع تطور المواجهات على الأرض إلى إبطاء عملية "فضّ الاشتباك العسكري" أو تفريغها من مضمونها.

وما يؤكد ذلك استخدام الرئيس أوباما تعبير "انتهاء المهمات القتالية" وليس "إنهاء الحرب". لقد استعاد العراقيون وهم يصيخون السمع لكلمات أوباما عن "انتهاء العمليات الحربية" تلك الصيحة الهستيرية المنتشية بالنصر الزائف والتي أطلقها جورج بوش من فوق إحدى حاملات الطائرات في وقت مبكر من الاحتلال "أيها السادة، لقد انتهت المهمات القتالية في العراق".

يعني هذا وببساطة، أن أوباما لا يزال أسير "التراث الملفق" الذي تركه بوش، فهو على سبيل المثال أعاد التأكيد أن الاحتلال مكن العراقيين من التخلص من نظام صدام حسين، وهذه ذريعة لطالما استخدمها بوش في تبريره للغزو.

وفي هذا الإطار، بدا أوباما وهو يوجه كلامه مخاطبا العراقيين أن الولايات المتحدة ليست طامعة في أرضهم أو ثرواتهم، وأن كل ما فعلته إنما يصب في مصلحة التخلص من النظام السابق، والعيش في ظل نظام جديد أكثر ديمقراطية، وكأنه يكرر حرفيا واحدة من الجمل الأثيرة في "تراث بوش العراقي"، وهو تراث ضخم من الخطب والتصريحات المضللة والمخادعة عن مسار الحرب والنصر.

ثانيا- إن تعبير "انتهاء العمليات القتالية" المُعاد إنتاجه مع الإدارة الديمقراطية بقيادة أوباما، ليست له روابط وثيقة بإستراتيجية انسحاب شامل وحقيقي، بمقدار ما ينتمي إلى إستراتيجية "الانسحاب التكتيكي"، ذلك أن تكتيك الخروج من العراق يتطلب مرحلة انتقالية طويلة قابلة للمراجعة، ويمكن تكييفها وحاجات مواجهة الضغوط التي يمارسها المجمّع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة من أجل بقاء طويل الأمد للقوات، تماما كما يتلاءم وحاجات مواجهة الضغط الذي يمارسه الرأي العام الأميركي، المطالِب بقوة بوضع نهاية للحرب و"عودة الجنود إلى الوطن".

ثالثا- لذلك تبدو "التصورات التنفيذية الغامضة" التي وضعت لمشروع الانسحاب، وتماماً كما عبر عنها الرئيس أوباما في خطابه، وكأنها تعبّر عن القدر ذاته من الغموض الذي يشوب إستراتيجية "الخروج" هذه، إذ ما يزال -كما يبدو- أمام القوات الأميركية في العراق الكثير مما يجب عليها فعله.

ولعل عبارة "الحفاظ على المكاسب الكبيرة" تعني -قبل أي شيء آخر- أن الأميركيين يريدون حماية النموذج العراقي بوصفه نقطة الارتكاز في النظام الأمني الإقليمي. وعند هذه النقطة التي لامسها الخطاب، يمكن تفهم مغزى دعوة بلدان الجوار العراقي إلى الحوار والتعاون.

ويمكن التأكد من هذا المغزى بوضوح عند التدقيق في درجة الاستعداد والتأهب النفسي والسياسي للرئيس، من أجل المضي قدما في تحقيق الوعد بمغادرة هذا البلد تعيس الحظ.

في الواقع، لم ُيبدِ الرئيس أي استعداد حقيقي وكافٍ بالفعل لتنفيذ انسحاب شامل وعلى مراحل، فهو سيترك في المرحلة الانتقالية نحوا من خمسين ألف جندي، وهذا رقم كبير للغاية يتجاوز نطاق أي مهمات "تقليدية" تتعلق بالتدريب والحماية. وفي هذا الصدد ينبغي التركيز على أبعاد قرار الإبقاء على العدد الضخم من الجنود، فهو يرتبط بإستراتيجية ما بعد "الانسحاب التدريجي".

ليس خطاب أوباما في صيغته الاحتفالية التي ألقي بها في كارولينا الشمالية مجرد وعد ناقص بالانسحاب، بل لعله وعد غامض تمّت صياغته بحذر شديد، وبحيث يتبدى لأول وهلة كما لو أنه وعد نهائي وقاطع بمغادرة هذا البلد، بينما يمكن فهمه من جانبٍ مواز على أنه بقاء طويل الأمد.

"
العراقيون لم يقولوا إن أوباما لن يغادر، ولكنهم احتفظوا بما يكفي من الشكوك حيال التصورات الغامضة عن خروجه التكتيكي.. إنه أمر شبيه بعبارات الوداع القصيرة ولكن البليغة وذات الدالة التي يتبادلها الناس في حياتهم اليومية: وداعا.. إلى اللقاء
"
ولذلك لن يكون أمرا مفاجئا لو أن العراقيين اختلفوا فيما بينهم حول "جدية الأميركيين" في الانسحاب، وما إذا كانوا سيواصلون تحت ذرائع شتى مناورات البقاء لأمد طويل هناك، بل إن في وسعهم أن ينظروا إلى الوعد من منظورين متوازيين وأن يختلفوا حول مضمونه، فهو يمكن أن يكون "وعدا بنوع من انسحاب تدريجي لكنه ليس شاملا ولا نهائيا"، كما أنه يمكن أن يكون وعلى العكس "وعدا نهائيا بانسحاب شامل" أي من دون أن يترك الأميركيون قواعد عسكرية دائمة. وفي الحالتين سيكون بين أيدي الأميركيين ما يكفي من الوقت والقدرة لإعادة بناء النموذج العراقي كنموذج فدرالي تحت مظلة أمنية إقليمية.

لشدّ ما بدت النبرة التصالحية مع العراقيين من خلال الإشادة بالحضارة القديمة لهذا البلد ودوره في التاريخ البشري، وهي نبرة ميّزت بكل تأكيد خطاب أوباما عن تراث بوش وسائر الأدبيات السياسية الأميركية خلال سنوات الاحتلال المنصرمة وكأنها صيغت -هي الأخرى- بعبارات شديدة الاحتراس تجنبا للوقوع في التناقض الصارخ للأفكار، فالرئيس وهو يشيد بحضارة شعب بلاد ما بين النهرين، يجزم أن لا أطماع لبلاده في أرض هذا البلد التاريخي ولا في ثروته، ولكنه مع ذلك يخشى عليه ضياع المكاسب الكبيرة التي حققها الأميركيون بدمائهم. فماذا يعني ذلك؟

في الواقع لم يخل الخطاب في سياق تبرير الغزو، من إشارات خاطئة ومتناقضة هنا وهناك، منها أن الأميركيين كانوا على حق في غزو هذا البلد، وليسوا –بالطبع- مخطئين في التخلص من حاكمه الدكتاتور. وهذا يعني أن لا مسؤولية أخلاقية عن الموت المجاني اليومي الذي كان يحدث طوال السنوات الماضية.

في العبارة التي يتبادلها عادة المغادرون وهم يودعون مضيّفيهم، يقول أحدهم وهو يهم بالمغادرة: وداعاً، فيرّد الضيوف: إلى اللقاء. شيء شبيه من هذا المشهد حدث مساء الجمعة الماضي، فلم يقل أوباما وداعا واضحة، كما لم يقل بالضبط إنه سينسحب كليا في الموعد الذي حدده، بل قال إنه سيراجع المواعيد لضمان "انسحاب آمن" يحافظ على حالة القوات الأميركية وإنجازاتها.

والعراقيون من جانبهم لم يقولوا إنه لن يغادر، ولكنهم احتفظوا بما يكفي من الشكوك حيال التصورات الغامضة عن "خروجه التكتيكي". إنه أمر شبيه بعبارات الوداع القصيرة ولكن البليغة وذات الدالة التي يتبادلها الناس في حياتهم اليومية: وداعا، إلى اللقاء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك