إبراهيم حمّامي

عوامل النجاح
آليات تنفيذ محددة وبسقف زمني واضح
إبعاد العناصر التوتيرية
وسيط نزيه وقادر
تقليص الدور الأمني الفلسطيني لصالح الاحتلال
استبعاد قوى فلسطينية من الحوار والاتفاق
الحوار.. إلى أين؟

ما من شك أن انطلاق الحوار الفلسطيني الفلسطيني الأخير في القاهرة قد أعاد روح التفاؤل والاستبشار لدى المواطن الفلسطيني الذي كان الضحية الأولى والأبرز من حالة الانقسام والمواجهة بين الفرقاء، تفاؤل له ما يبرره وإن كان من السابق لأوانه التكهن بنتائج هذا الحوار، لكنه ربما يكون الفرصة الأخيرة وفي الوقت الضائع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو ليكون بديل النجاح حالة من الفوضى العارمة وانهيار كامل للمنظومة الفلسطينية بكل مكوناتها.

عوامل النجاح
فشل العديد من الجولات السابقة في تحقيق المصالحة الفلسطينية، أو إنهاء حالة الاستعصاء والتنافر، انطلاقاً من اتفاق القاهرة عام 2005 ومروراً بوثيقة الوفاق الوطني 2006 واتفاق مكة 2007 -الذي لم يعمر كثيراً- ووصولاً لاتفاق صنعاء الذي نُقض قبل أن يجف الحبر الذي وقع به ومن على شاشات الفضائيات، وفشل هذه الجولات يعود لعدة أسباب يطول شرحها ولا تخفى على المتابع للشأن الفلسطيني، لكنها وبالتأكيد تصل إلى نتيجة واحدة مفادها أن للنجاح أسبابا وعوامل عدة.

والحديث هنا ليس أن نشق على قلب هذا أو ذاك، لأن الظاهر للعام هو الأساس، ولأن الجميع يعلن حرصه على إنجاح الحوار وحرصه على المصلحة العامة، لكن صدق النوايا وحسنها يكون عبر سلسلة من الإجراءات، أي الأفعال لا الأقوال، بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين مثلاً أو وقف الحملات الإعلامية وغيرها من الإجراءات المتبادلة التي تمهد لأي حوار.

"
الأجواء الحالية مهدت للتغلب على الضغوط المزعومة لتحقيق المصالحة الفلسطينية، خاصة بعد تغيير الإدارة الأميركية، وبعد فوز اليمين المتطرف في "إسرائيل"، وبعد الانفتاح الأوروبي الملحوظ على الداخل الفلسطيني بكل مكوناته بعد انتصار غزة
"
في الجولة الأخيرة للحوار والتي انطلقت قبل أيام تم اتخاذ بعض هذه الإجراءات من قبيل إطلاق بعض المعتقلين السياسيين والاتفاق على وقف الحملات الإعلامية، وهي من العلامات الإيجابية لنجاح محتمل.

أما الإملاءات الخارجية والتي كانت عائقاً حقيقياً أمام تحقيق المصالحة، بل أمام انطلاق جلسات الحوار قبل أشهر في القاهرة، تلك الإملاءات أو "الفيتو" لابد من وضع حد لها وتغليب المصلحة الوطنية على أي مصلحة أخرى، والأجواء اليوم مهدت للتغلب على الضغوط المزعومة، خاصة بعد تغيير الإدارة الأميركية، وبعد فوز اليمين المتطرف في الانتخابات الأخيرة في "إسرائيل"، وبعد الانفتاح الأوروبي الملحوظ على الداخل الفلسطيني بكل مكوناته بعد انتصار غزة الأخير على العدوان الإجرامي، والتخلص من "الفيتو" والإملاءات الخارجية هو أيضاً من العوامل المساعدة لنجاح محتمل في هذه الجولة من الحوار.

آليات تنفيذ محددة وبسقف زمني واضح
الجولات السابقة للحوار ركزت على اتفاقات عمومية وبخطوط عريضة وبعيداً عن التفصيل والتحديد، وكان هذا سبباً لفشلها وبسرعة شديدة، بعضها بعد التوقيع مباشرة من خلال الخلاف على تفسير كلمة أو جملة، والبعض الآخر بعد استكمال بعض إجراءاتها كما حدث بعد اتفاق مكة 2007، ولنجاح أي حوار لا بد من تحديد آليات تنفيذ لكل ما يتم الاتفاق عليه، وبطريقة الرزمة الكاملة أي لا تنتظر الأطراف تطبيق جزئية معينة قبل البدء بما يليها، وكذلك ضمن تواريخ محددة للتنفيذ لا تكون مجالاً للتشكيك والمماطلة كما حدث سابقاً.

في الجولة الأخيرة للحوار تم الاتفاق على تشكيل لجان خمس لحل العالق من الأمور، وحدد لها سقف زمني يبدأ من 10 مارس/آذار وينتهي قبل نهاية أبريل/نيسان، لكن المطلوب لنجاح الحوار أن تكون نتائج وتوصيات هذه اللجان على نفس الالتزام الزمني، أي أن تخرج محددة وبوضوح، لا أن تترك الأمور للجان تتلوها لجان، وأن يتم التنسيق بين كل اللجان لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه ودون تعارض أو تضارب.

إبعاد العناصر التوتيرية
لا يحق لأي طرف أن يحدد أعضاء وفد الطرف الآخر، هذه حقيقة يُسلّم بها الجميع، لكن إذا أريد للحوار النجاح فإن ذلك لن يكون إلا بإبعاد أسباب الفرقة والتنافر، وإبعاد من كانوا سبباً في الانقسام عبر أفعال وأقوال يعرفها الجميع، لأنه لا يعقل أن تخلص النوايا كما سبق ذكره، ثم يؤتى بمن يفسد أجواء الحوار ويسممها.

بصريح القول خرج البعض من المعادلة السياسية الفلسطينية بعد ما قاموا به ضد مصلحة وحقوق شعبنا، ولن يقبل كثير من أبناء شعبنا أن يعودوا ليفسدوا من جديد، لأن ذلك هو من عوامل الفشل لا النجاح.

في الجولة الأخيرة للحوار كانت هناك محاولة لإقحام بعض العناصر التوتيرية في الوفود المحاورة، لكن تم تجاوز ذلك، وهو ما يُنظر إليه كأحد عوامل نجاح الحوار، واستيعاب لدروس الماضي، وإقرار ضمني بمسؤليتهم.

وسيط نزيه وقادر 

"
جمعت قطر كل الفرقاء وعلى قدم المساواة وبمستوى الصف الأول ودون تمييز بين فريق وآخر، بينما مصر حاولت في جولة شهر نوفمبر/تشرين الثاني أن تغلّب فريق على آخر، وتتحدث عن شرعية لطرف على آخر
"
للأسف الشديد فشلت مصر الرسمية في رعاية الحوار الفلسطيني ولأكثر من مرة، لأنها وبوضوح لم تكن على مسافة واحدة من الأطراف، ولأنها حاولت فرض حلول جاهزة الإعداد كما حدث في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي عندما وزعت ورقة "مبادرة وحل" مصرية للتوقيع عليها ثم مباشرة الحوار، وهو ما أفشل جولة الحوار في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ولأنها لم تأخذ بالنقاط السابقة الضامنة لنجاح أي حوار.

مثال شديد الوضوح على النجاح فيما فشلت فيه مصر حتى اللحظة على الأقل، دولة قطر نجحت في حل الاستعصاء اللبناني العام الماضي، وبشكل أثار إعجاب الأمين العام لجامعة الدول العربية، وهو ما يبرر التساؤل: لماذا نجحت قطر لبنانياً ولم تنجح مصر فلسطينياً؟ وللإجابة نٌذكر بالنقاط التالية التي تتفق تماماً مع العوامل سابقة الذكر لنجاح أي حوار:

*جمعت قطر كل الفرقاء وعلى قدم المساواة وبمستوى الصف الأول ودون تمييز بين فريق وآخر، مصر حاولت في جولة شهر نوفمبر/تشرين الثاني أن تغلّب فريق على آخر، وتتحدث عن شرعية لطرف على آخر، وأرادت لرئيس تنظيم أن يلقي كلمة ويغادر، وضغطت على طرف دون آخر عبر خنقه في معبر رفح.

* في الدوحة كل الملفات كانت على الطاولة للحوار المفتوح والمعمق، والقاهرة أرادت من الأطراف التوقيع على اتفاق معد مسبقاً قبل الحوار، ومن الصعب معرفة ماذا تبقى للحوار بعد التوقيع على الاتفاق؟

* التدخل القطري كان فقط لتقريب وجهات النظر فيما استعصى من مواضيع، والتدخل المصري الرسمي كان للضغط وفرض الإرادة.

* اتفاق الدوحة اللبناني حدد وبوضوح الخطوات التنفيذية وآلياتها ومواعيدها، انعقاد المجلس النيابي اللبناني يوم كذا لانتخاب الرئيس على سبيل المثال، تحديد شكل الحكومة القادمة وتوزيع حقائبها، تقسيم دائرة بيروت الانتخابية محط الخلاف بالشارع والحارة، بينما تحدثت الاتفاقات الفلسطينية السابقة دون استثناء عن خطوط عامة لا تفصيل ولا تحديد فيها.

* مباشرة بعد اتفاق الدوحة وقبل أن يغادر المحاورون مكانهم اتخذت خطوات عملية كبوادر حسن نية من نوعية رفع الاعتصام من وسط بيروت، وإزالة كافة الشعارات "المعادية" من على الجدر والحوائط، وحتى انطلاق الجولة الأخيرة من الحوار لم يكن هناك أي مبادرات فلسطينية من هذا النوع، بل إصرار وتعنت في المواقف التي كانت في بعض الأحيان تدعم مصرياً من خلال إغلاق معبر رفح.

"
الجولة الأخيرة من الحوار الفلسطيني في القاهرة تجاوزت الكثير من أسباب الفشل، وابتعدت عن الاشتراطات المسبقة، مما يؤهلها أن تكون جولة ناجحة إن أخذت بعين الاعتبار ما تبقى من عوامل النجاح
"
هذه باختصار عوامل النجاح، مع مقارنة بين جهد قطري وآخر مصري، ومحاولات فلسطينية هنا وهناك فشلت حتى اللحظة في إنهاء الفرقة والانقسام، لكن الجولة الأخيرة من الحوار الفلسطيني تجاوزت الكثير من أسباب الفشل، وابتعدت عن الاشتراطات المسبقة، مما يؤهلها أن تكون جولة ناجحة إن أخذت بعين الاعتبار ما تبقى من عوامل النجاح، وإن انتبه المتحاورون لبعض النقاط الأخرى التي من الممكن أن تتحول لعوامل فشل ذريع مستقبلاً ومنها:

ولتوضيح تلك النقطة نفترض سيناريو محدد، وهو أن يتم الاتفاق على حكومة مؤقتة "توافق، وفاق أو اتفاق وطني" لا يهم، لكن الخطورة تكمن في تحولها إلى حكومة دائمة، تفشل في إجراء الانتخابات، وتصبح حكومة أمر واقع لا فكاك منها، خاصة في ظل حكومة احتلال يمينية لن تسمح بإجراء انتخابات بأي حال من الأحوال.

تقليص الدور الأمني الفلسطيني لصالح الاحتلال
مرة أخرى عامل الاحتلال يتواجد دائماً مع كل اتفاق فلسطيني، وما يٌقصد في هذه النقطة تحديداً، هو ما ذهب إليه الكاتب سلامة عطا الله حين قال: "فما عادت إسرائيل تعول على أجهزة فلسطينية ترعى مصالحها الأمنية في القطاع، فجيشها قادر على فعل ذلك بنفسه، ومن باب "زيادة الخير" سيصار إلى تعزيز تواجد الأجهزة المحسوبة على تيار التسوية نوعاً لا كماً، وسيقتصر حضورها على المرافق المهمة، كالمعابر وما يربط الفلسطينيين بالمؤسسات الإسرائيلية معيشيا واقتصاديا، لتستخدم هذه الأجهزة إذا ما تعثر المشروع وفق الهوى الإسرائيلي، في المناكفات".

وتحت ذرائع وحجج كثيرة، والتجارب السابقة لا تبشر بالخير، أي أن من الممكن نجاح الحوار وتطبيق كل عوامل النجاح، ثم التراجع لاحقاً والارتداد على القرارات إن لم تتوافق مع مصالح ورغبات معينة، أو رضوخا لضغوط قد تتجدد، أو لصراعات داخلية في أروقة فريق أو آخر.

استبعاد قوى فلسطينية من الحوار والاتفاق
الشعب الفلسطيني ليس فصائل فقط، أغلبيته لا تنتمي لهذا الطرف أو ذاك، وقد تم في جولة الحوار الأخيرة استبعاد بعض الفصائل والقوى، رُصد منها أربعة فصائل في دمشق، وواحد على الأقل في غزة، واستبعاد الشتات الفلسطيني بكل قواه ومكوناته، واقتصار مشاركة "المستقلين" على شخصيات معروفة بارتباطاتها التنظيمية.

المواضيع المطروحة للبحث والحوار ليست فقط حالة خلاف بين فصيلين، بل أوسع واعم ومنها مثلاً شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني "ملف منظمة التحرير الفلسطينية"، وبدون مشاركة الجميع لن يكون هناك تمثيلاً حقيقياً للشعب الفلسطيني، وستبقى المشكلة تراوح في مكانها.

الحوار.. إلى أين؟

"
قد لا يقبل البعض أن يجالس البعض الآخر، وقد يرفض البعض الآخر محاورة من يصافح ويعانق المحتل، لكن لا بديل عن الحوار الفلسطيني إلا الحوار الفلسطيني، وضمن مبادئ وأسس وثوابت الشعب الفلسطيني
"
هو حوار الفرصة الأخيرة، قد يفضي لإنهاء مرحلة مأساوية من التاريخ الفلسطيني في حال نجاحه، لكن عواقب فشله وخيمة وأكثر مأساوية وسوداوية، وهو ما بات يدركه الجميع دون استثناء، ومهما حاولنا أن نتفاءل أو نتشاءم فإن ما سيحسم الأمور هو ما يدور في الغرف المغلقة بعيداً عن الأضواء والعدسات، ومقدار وحجم التنازلات التي ستقدمها الأطراف من خلال عقلانية وواقعية، بعيداً عن العواطف الحزبية ودون الانجرار للتراشق والاتهام.

ورغم الخلاف الشديد والتنافر التام بين البرامج السياسية للأطراف واستحالة التوصل إلى برنامج سياسي مشترك، فإن هذا لا يمنع التوصل للحد الأدنى من التفاهم الذي ينهي الانقسام ويحفظ الدماء، ويضمن تسيير الأمور الحياتية للمواطن الفلسطيني.

قد لا يقبل البعض أن يجالس البعض الآخر، وقد يرفض البعض الآخر محاورة من يصافح ويعانق المحتل، لكن لا بديل عن الحوار الفلسطيني إلا الحوار الفلسطيني، وضمن مبادئ وأسس وثوابت شعبنا غير القليلة للتصرف أو التلاعب.

على الجميع إدراك حقيقة واحدة أننا ما زلنا تحت الاحتلال وأن أولى الأولويات هو إنهاء الاحتلال وتحقيق التحرير والعودة، وهذا هو لب الحوار والصراع.
ـــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك