وائل مصطفى

وائل مصطفى

من مواليد كفردان بجنين في الضفة الغربية بتاريخ 30/8/1971م يعمل بقسم العلوم الصحية في كلية العلوم الطبية المساندة بالجامعة العربية الأميركية بفلسطين المحتلة.


موقف تركيا "غير المسبوق" من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والمتمثل في تصريحات وتحركات رئيس الوزراء وزعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم رجب طيب أردوغان، ورغم كل الجهود التي سبق أن بذلتها أنقرة وما زالت من أجل مساعي السلام في المنطقة العربية والتي كان آخرها مشهد التوسط بين سوريا وإسرائيل، فإنها من وجهة نظر الغرب أضحت وكأنها لم تعد حليفا إستراتيجيا.

وصار يكال لتركيا ولحزب العدالة والتنمية الحاكم وزعيمه الاتهامات الواحدة منها تلو الأخرى، وصار يقال "همزا ولمزا" بأن تركيا ناطقة باسم حماس والجهاد وغيرهما، وأنها محابية "للإرهاب والإرهابيين" في المنطقة تعزل بنفسها عن حلفائها الغربيين التقليديين، وتتنازل رويدا رويدا عن قيمها العلمانية والديمقراطية، بل تخاطر وتغامر بطموحاتها كعضو دائم في الاتحاد الأوروبي، وشرف الانتماء إلى منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)!!

"
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا، ومنذ أن رفض الأتراك السماح لأميركا باستخدام أراضيها وما فيها من قواعد عسكرية لضرب العراق عام 2003 والضوء مسلط على هذا البلد وعلى من يحكمون فيه
"
من وجهة نظر غربية وكما عكسته وما زالت تعكسه المواقف الصريحة والمعلنة في العديد من الصحف ووسائل الإعلام على اختلافها، ومنها على سيل المثال لا الحصر: واشنطن بوست، وول ستريت، نيويورك تايمز، إنترناشيونال تريبيون، ديلي تلغراف، ذي غارديان، ينظر إلى تركيا خاصة بعد وصول حزب العدالة والتنمية في 2002 إلى السلطة على أنها تغيرت في النهج والسياسة -الخارجية منها والداخلية- وكأن الأمر ليس من حق الدول والحكومات المستقلة وذات السيادة! وبأن القائمين على شؤون الناس في هذا البلد همهم الأوحد هو تشريب العقول والنفوس التركية القيم الدينية الإسلامية لا القيم العلمانية الغربية، وكأن تركيا ليست ببلد إسلامي الجذور والهوية!

بل صارت الأضواء تسلط على من يستقبل ويودع في هذا البلد من زعامات وقيادات كالزعيم السوداني عمر حسن البشير والإيراني أحمدي محمود نجاد اللذين زارا تركيا في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2008 على التوالي، وكأن تركيا لم تستقبل ولن تستقبل إلا أمثال هؤلاء الزعماء ومن على شاكلتهم! وصار ينظر وبشيء من التحقيق والتدقيق وبالمجهر الإلكتروني إلى ما توقعه تركيا من اتفاقيات وتفاهمات مرحلية وإستراتيجية مع السودان وإيران وغيرهما من دول العروبة والإسلام، وكأن تركيا لم توقع ولن توقع أي اتفاقيات وتفاهمات مع غير تلك الدول في المنطقة أو العالم!

نعم، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا، ومنذ أن رفض الأتراك السماح لأميركا باستخدام أراضيها وما فيها من قواعد عسكرية لضرب العراق في 2003، والضوء مسلط على هذا البلد وعلى من يحكمون فيه.

خطاب أردوغان الناريّ في الخرطوم أمام الزعماء العرب في قمة مارس/آذار 2006، واتهامه المباشر والصريح للغرب ببيع الأسلحة للعرب والمسلمين بحجج وذرائع واهية كأكذوبة ما اصطلح عليه "محاربة الإرهاب"، زاد من فرص التشكيك في تركيا ونهجها السياسي في تناول القضايا المحلية والإقليمية والدولية المعاصرة.

تقارب العلاقات التركية الروسية خاصة بعد الاجتياح الروسي لجورجيا في أغسطس/آب 2008 وتحطيم تبليسي عسكريا واحتلال بعض أراضيها ونواحيها، رغم إدانة أوروبا وأميركا الشديدة اللهجة لهذا الفعل والمطالبة العلنية بعزل موسكو، أثار حفيظة الغرب خاصة الأميركان، إذ كيف تدعو الحليفة أنقرة العضو في حلف شمال الأطلسي وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى زيارة تركيا للتشاور في مسائل الطاقة وما يتعلق بالأمر من سياسات إقليمية ودولية؟!

قول رئيس الوزراء التركي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 في سياق الرد على أسئلة بعض الصحفيين الغربيين في واشنطن "بأن من يعارضون البرنامج النووي الإيراني عليهم أن لا يمتلكوا الخيارات النووية"، أخرج الكتاب الغربيين عن صمتهم إلى أن أخذت الصحف الأوروبية والأميركية والأسترالية وغيرها تتهم الرجل بالتحيز إلى إيران وبرامجها اللاسلمية ونظام حكمها الديني، وكأن الغرب غير متحيز إلى دول هنا وهناك كإسرائيل وبرنامجها النووي السري وديمقراطيتها الزائفة غير القابلة للنقد، ودعمها من حين إلى آخر بحق المطالبة "بدولة يهودية نقية!!".

وكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير عندما وقف أردوغان موقف الرجال بعيد ابتداء العدوان الإسرائيلي على غزة في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2008، حيث صرخ وبصوت عال مدو ملأ الدنيا وفراغاتها السياسية تقدمية وعدلا، إن لم يكن هزها وأيقظها من سباتها العميق.. ذلك الموقف التركي الرسمي "غير المسبوق" في زمن التخاذل والتراجع العربي والإسلامي غير المسبوق أيضا!!

لقد وصفها الرجل ومنذ البداية بالحرب "الوحشية واللاإنسانية على الفلسطينيين في قطاع غزة المنهك والمحاصر أصلا"!!

"
عندما أعلن أردوغان عن مبادرته لوقف العدوان على غزة ثارت ثائرة النفعيين من كتاب الأعمدة في العديد من الصحف الغربية وغير الغربية، وصارت تتعالى أصوات المتحاملين على العروبة والإسلام، لا لعلة إلا لكون أردوغان قد أغضب إسرائيل
"
وعندما أعلن عن مبادرته لوقف العدوان على غزة والمتمثلة بداية في جولة مكوكية قصيرة إلى كل من سوريا والأردن ومصر والسعودية مع تجاهل إسرائيل بصفتها معتدية متعجرفة ومفرطة في استخدام القوة، ثارت ثائرة النفعيين من كتاب الأعمدة في العديد من الصحف الغربية وغير الغربية (منها العبرية والعربية)، وصارت تتعالى أصوات المتحاملين على العروبة والإسلام، لا لعلة إلا لكون أردوغان قد أغضب إسرائيل والداعمين لها والمتفرجين على فعلها في مواجهة ومحاربة "الإرهاب الفلسطيني العتيد".

عبارات مثل "إن الله سيعاقب إسرائيل على أفعالها"، "وإن ما تفعله إسرائيل سيجلب لها الحتف والدمار"، "وإن ما يحدث في غزة من قبل إسرائيل عدوان سافر"، "وإنه نقطة سوداء في تاريخ البشرية والإنسانية"، "وإنه تعامل وحشي فظ غليظ" "وفظائع واقتراف مذابح"، "وإن من لم يدينوا الهجوم على غزة مزدوجو معايير"، وغيرها الكثير لم ترق للكتاب الغربيين وغير الغربيين ممن هم أعراب ومستعربون. وصار ينظر إلى الموقف التركي الرسمي متمثلا في أردوغان وكأنه ناطق باسم من يسمونهم "الإرهابيين."

كل هذا وكأن الرجل غريب عن الساحة في المنطقة العربية والإسلامية ولا يمت إليها بصلة! بل وهذه النظرة اللاواقعية والموقف المحتدم في غزة هاشم وما اعتراه من تجويع وترويع وتخريب بيوت وتدنيس وتقتيل وسفك دماء وبعثرة أشلاء وكأن الرجل لا تعرف عروقه شيئا من قيم الإسلام العظيم الذي جاء في أحد أحاديث نبيه عليه الصلاة والسلام "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

تساؤلات أردوغان يوم 16/1/ 2009 في لقاء صحفي كبير عن جدوى استمرارية إسرائيل كدولة في الأمم المتحدة واتهامها بمهاجمة المدنيين الفلسطينيين في غزة عن سابق اصرار وترصد، لم تبق لمناهضيه ذرة من شرف مهنية أو عفة قلم، وكان بأن نفذ الصبر والتحمل، وما بقي لهم لو كان ممكنا ومستطاعا إلا المطالبة باعتقاله ومحاكمته بتهم الحض على الكراهية ومعاداة السامية وإنكار المحرقة اليهودية وغيرها من التهم المغلفة والمعلبة التي تليق بمقاضاة الزعامات والمفكرين والكتاب الأحرار في أوروبا وأميركا وغيرها من الرقاع والبقاع.

وكانت لحظة الانفجار يوم 29/1/ 2009 وفي قلب العاصمة السويسرية جنيف، ومن على منبر منتدى دافوس الاقتصادي، وفي وجه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز ومسانديه ومساعديه والمعجبين به من الغربيين وغير الغربيين كنموذج حرية وداعية سلام، حيث قال أردوغان في سياق الرد على ما جاء من ادعاءات وأكاذيب بيريز الكثير، ومن جملة ما قاله "حينما يتعلق الأمر بالقتل فأنتم تعرفون جيدا كيف تقتلون، وأنا أعرف جيدا كيف قتلتم أطفالا على الشواطئ في غزة!".

عدم تحمل الموقف التركي "غير المسبوق" تجاه الظلم والعدوان الإسرائيلي الواقع على أهل غزة، والكيد والكيل لتركيا واتهام من يحكمون فيها بمحاباة "الإرهابيين" والداعمين لهم، والمدافعة عنهم من على المنابر المحلية والإقليمية والدولية، والاتهام بالمراوحة والمراوغة، والاتجاه نحو العزلة، والتفريط بالعلمانية وقيم الديمقراطية، والمغامرة والمخاطرة، والتدخل في الشؤون الداخلية، والتشكيك وعدم الرضا عن هذا التقارب أو ذاك، والاتهام بالتحيز لهذا الطرف أو ذاك وما إلى غير ذلك، أضحى مع كل أسف المشهد المسيطر اليوم في الغرب الرسمي وما يصدر عنه من صحف ومجلات رسمية ناطقة بلسان السياسات الخارجية وزلاتها.

كل هذه النظرات إلى تركيا ويتناسى الغرب -ومن فيه من دعاة المؤاخاة والمساواة والعدل والحرية، والاهتمام بالإنسان وحقوقه وقضايا الإنسانية- بأن تركيا العثمانية هي من احتضنت اليهود ذات يوم، ووفرت لهم الأمن والحماية لأكثر من 400 عام، بعدما استهدفتهم محاكم التفتيش الصليبية في الأندلس (إسبانيا والبرتغال اليوم)!!

لقد كان اليهود آنذاك والمسلمون معا يقيّدون ويسحبون ويسحلون ويصلبون ويحرقون أحياء، وتفعل بهم الفظائع والأفاعيل على أيدي من شوهوا ولوثوا الرسالة السمحة للسيد المسيح!!

إلى من ليس لديه ذرة علم، لقد فر اليهود بدينهم ودنياهم إلى دولة الخلافة الإسلامية في القسطنطينية آنذاك، حيث عوملوا كغيرهم من مواطني ورعايا الدولة العثمانية، وعلى أحسن صورة وأكمل سيرة ومسيرة.

ويتعامى الغرب عن حقيقة مفادها أن تركيا في القرون الغابرة خاضت حروبا شرسة مع أعتى وأشرس شاه عرفته إيران في حينه، الشاه إسماعيل الصفوي، إضافة إلى محاربة أباطرة روسيا القيصرية وجباريها.

لكنها المواقف التركية النبيلة في الحالات كلها، خاصة عندما تقتضي الضرورة الدفاع عن العزة والكرامة وعما هو حق مبين.

كل هذا يحدث والقيادات الغربية تعلم علم اليقين أنها تخلصت من غالبية من اضطهدوا من اليهود في بلادهم عبر الأزمنة والعصور، بل إنها تعلم يقينا أنها تسخرهم وتوظفهم وتستخدمهم أيّما تسخير وتوظيف واستخدام بغية الإبقاء على جسد الأمة والعروبة والإسلام مستباحا ومستنزفا وممزقا!!

ويدرك العديد من نخب اليهود وقياداتهم الدينية والفكرية هذه الحقيقة "الصارخة" غير المعلنة، ويتمنوا لو أنهم لم يخلقوا!!

وما موقف حركة كارتي ناطوري اليهودية وزعاماتها في كل من القدس ولندن ونيويورك والمناهضة لاسرائيل ووجودها عنا ببعيد. بل سمع العالم الغربي وغير الغربي مؤخرا، صوت المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند الذي أدان فيه الحرب على غزة بكل ما أوتي من قوة الحكمة والعقل والمنطق.

"
الغرب يريد لتركيا بغض النظر عمن يحكم فيها وما هي خلفيته القومية أو العرقية أو الدينية أو الأيديولوجية، أن تكون مربوطة وحتى النخاع بسياسات واشنطن وبروكسل كما هو حال إسرائيل وغيرها لا أن تتمرد وتقول لا
"
وما كان منه وعن رضا وطواعية إلا أن كال الاتهامات لبلاده إسرائيل واعتبرها فاقدة لكل ضابط ووازع ديني وأخلاقي، بل دعاها بوضوح وصراحة إلى الكف عن التحدث باسم يهود العالم. كما ذهب إلى أبعد من ذلك، إلى قول ما لم يجرؤ على قوله زعيم غربي أو عربي أو ناطق باسم حكومة هنا أو هناك "إن إسرائيل زرعت الخراب والأسى في كل مكان في غزة، وقتلت النساء والأطفال لغايات انتخابية!!".

وعود على بدء، الغرب فقط يريد لتركيا بغض النظر عمن يحكم فيها وما هي خلفيته القومية أو العرقية أو الدينية أو الأيديولوجية أن تكون مربوطة وحتى النخاع بسياسات واشنطن وبروكسل، كما هو حال إسرائيل وغيرها لا أن تتمرد وتقول لا.

المشاركة في عزل إيران ومحاصرتها، والمشاركة في عزل روسيا ومقاطعتها، ومساواة الزعيم السوداني عمر حسن البشير بمجرم الحرب رادوفان كرادتش وسلفه، واعتبار حركات "المقاومة والتحرر" حيثما وأينما وجدت منظمات "إرهاب"، هو المطلب الأول والأخير من تركيا الحديثة ومن يحكمون فيها، وإلا "لا رحمة من أحد في الأرض ولا تنزل الرحمة على أحد".

من هنا أصبح التساؤل الغربي الكبير الذي تجاوز في صداه ومداه المعقّد والمركب أروقة الصحافة والإعلام إلى الأروقة السياسية الكبرى في أوروبا وأميركا: هل ما زالت تركيا حليفا إستراتيجيا للغرب وعضوا حقيقيا وفعالا في الناتو؟ وهل تصلح لأن تكون بحق عضوا في الاتحاد الأوروبي ومرآة لسياساته الداخلية والخارجية أم ماذا؟

نعم إنه لتساؤل مقلق محير يُطرح في الغرب الآن، وهو ما ستكشف لنا الأيام القادمة عن فحوى الإجابة عليه، كيفا وكما ونوعا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك