الطيب بوعزة

كاتب مغربي


الانتقال إلى مجتمع المعرفة
في الطبيعة المعرفية للمجتمع المعاصر

كثيرة هي الأحاديث المتداولة اليوم في مقالات الرأي في الصحف الأميركية الواصفة للمجتمع المعاصر بكونه "مجتمع المعرفة". ولم يبق هذا الوصف مجرد دلالة على قيمة الفكرة في البناء المجتمعي، وإنما تجاوز ذلك إلى تمرير نمط في الثقافة نراه يمسخ دلالة المعرفة ذاتها!

ونحن وإن كنا معتقدين قيمة وفعالية الفكر في المجتمع، فإننا ننظر بحس نقدي إلى طبيعة النمط الثقافي المراد له أن يعولم ويسود تحت عناوين معرفية جذابة, ولذا نقف في مقالنا هذا لتحليل متأن لشعار مجتمع المعرفة لدرس مضامينه وغاياته.

لقد كانت المعرفة وستبقى محددا أساسيا لكينونة الإنسان ووجوده النفسي والاجتماعي، لكن تطور الحياة البشرية رفع اليوم من تأثير الفكرة، وجعلها من أقدر أدوات التغيير وأكثرها فعالية. والنظر إلى التطور الجذري الذي لحق تقنيات الاتصال في زمننا الراهن، لابد أن يخلص إلى أن البشرية مقبلة في قادم الأيام والسنين على تحولات نوعية ستشمل مختلف بنياتها وقواعد انتظامها، فضلا عن قيمها وأعرافها وأذواقها.

ومثل هذا التحول النوعي، الذي ذوب الحواجز المكانية وقارب بين المسافات الجغرافية الفاصلة بين الشعوب، لابد أن يجعل من المعرفة نقطة ارتكاز لهذا الفضاء التواصلي الذي يتمدد وينفتح على الكرة الأرضية بكامل أقطارها.

وفي هذا السياق الباحث عن ماهية وملامح هذا التحول الجديد الذي ارتسم في حياة الإنسان المعاصر يرى الكثير من الباحثين مثل بيتر دراكر، ورودولف ستيشوي وميشيل كارتيي أن البشرية قد شهدت اليوم ميلاد نمط مجتمعي جديد هو "مجتمع المعرفة"، الذي يؤشر إلى لحظة انتقال وتحول جذريين.

بيد أن السؤال الذي يطرح هو هل معنى هذا أن المجتمعات القديمة لم تكن مجتمعات معرفة؟ هل معنى لفظ الانتقال هذا أن المعرفة لم تكن تشكل من قبل عنصرا مكونا في البناء المجتمعي؟

الانتقال إلى مجتمع المعرفة

"
المجتمع الإنساني يتميز بمحض طبيعته عن المجتمع الحيواني بكونه لا يسلك تلقائيا وفق صوت الغريزة، بل له رؤيته المعرفية والقيمية التي يوجه بها نفسه، ويُنَمْذِجُ بها أساليب الاستجابة إلى حاجاته الغريزية
"
إن عبارة "الانتقال إلى مجتمع المعرفة" تحتاج بلا شك إلى إيضاح لمدلولها حتى لا تلتبس المعاني. ولعله من باب تكرار البداهات القول بأن المعرفة كانت دوما قاعدة السلوك والبناء في المجتمع البشري، وعنصرا رئيسا في عملية التشكيل النفسي والثقافي للفرد والجماعة، بصرف النظر عن طبيعة تلك المعرفة وقيمتها ونوعيتها.

فالمجتمع الإنساني يتميز بمحض طبيعته عن المجتمع الحيواني بكونه لا يسلك تلقائيا وفق صوت الغريزة، بل له رؤيته المعرفية والقيمية التي يوجه بها نفسه، ويُنَمْذِجُ بها أساليب الاستجابة إلى حاجاته الغريزية.

وهذا الفارق الملحوظ بين المجتمعين الحيواني والبشري يؤكد بلا ريب حضور المعرفة في الاجتماع الإنساني، كيفما كانت درجة تطوره. وهذا ما تؤكده الملاحظات الأنثروبلوجية في مقاربتها لأنماط الاجتماع، حتى تلك التي تنعت بأنها بدائية.

لكن صواب هذه الملحوظة لا يعني خطأ الكلام عن وجود انتقال إلى مجتمع المعرفة، بل إن الحديث عن هذا الانتقال له ما يبرره ويؤكده. فلو رجعنا إلى صيرورة انتقال البشرية ولحظات تطورها يمكن القول إنه منذ اختراع المطبعة وشيوع الكتاب أخذت البشرية تشهد ظاهرة انتشار أوسع للمعرفة. حيث تكاثرت الكتب وتمدد حقل تداولها.

ومنذ تحول المعرفة العلمية إلى معرفة تقنية، وتجسيد الفكرة في الآلة، أخذت تبرز بوضوح تلك المقولة الديكارتية الناظرة إلى المعرفة بوصفها "قوة"! وهي ذات المقولة التي ستتكرر مع فرنسيس بيكون في القرن السابع عشر، ثم لاحقا مع نيتشه في نهاية القرن التاسع عشر.

وفي القرن العشرين ومع ظهور صناعة الحاسوب وتقنية الاتصال أصبحت المعرفة موضوعا للتداول على نحو أوسع وأكثر كثافة. وهذا التحول هو ما جعل البعض يشير إلى وجود نقلة نوعية وليس مجرد فعل تراكمي. فالمفكر الأميركي بيتر دراكر يشير في كتابه "مجتمع ما بعد الرأسمالية" إلى أن التحول التاريخي الذي يعتمل اليوم في الواقع العالمي تحول جذري ينقل البشرية إلى الانتظام وفق نمط مجتمعي جديد بالقياس على سابقه من الأنماط، هو نمط "مجتمع المعرفة".

ودلالة مفهوم "التحول النوعي" والإيقاع الزمني الناظم لحدوثه، كان قد أوضحهما دراكر من قبل في العديد من كتبه ومنها كتابه "الواقع الجديد". لكن سواء في هذا الكتاب أو غيره يميل هذا الباحث الأميركي إلى تقطيع الصيرورة التاريخية، والوقوف عند لحظات منتقاة على نحو لا يخلو من اعتساف!

وللتمثيل لهذا الاعتساف في تأويل التاريخ نحيل هنا إلى مقدمة كتابه "مجتمع ما بعد الرأسمالية"، حيث يشير إلى أنه تقريبا في كل خمسين أو ستين سنة يحدث في سياق التاريخ الغربي انفصال أو قطيعة، انفصال يصل إلى حد تغيير النظرة إلى العالم وتبديل القيم الأساسية والنظم الاجتماعية والآداب والمؤسسات!!

ثم يستدل دراكر على وجود هذه التحولات المفصلية في صيرورة التاريخ الأوروبي، بالتقاط أحداث ووقائع تدل عليها. لكن الحاصل من تأملي في نظريته هو أنها لا تخلو من اعتساف على لحظات التاريخ وافتعال في تقطيعها وتعليبها.

فالتاريخ لا تنتظم صيرورته وفق عقارب الساعة، حتى إذا وصل العَدُّ إلى خمسين أو ستين سنة يقفز قفزة نوعية جذرية تصل إلى حد تغيير النظرة إلى العالم وقلب القيم الأساسية كما يزعم دراكر! فإيقاع التاريخ -إن كان بالفعل ينتظم بمنطق الصيرورة والتطور- أعتقد أنه ليس معلبا في تجاويف أرقام محددة.

"
دراكر: في كل خمسين أو ستين سنة يحدث في سياق التاريخ الغربي انفصال أو قطيعة، انفصال يصل إلى حد تغيير النظرة إلى العالم وتبديل القيم الأساسية والنظم الاجتماعية والآداب والمؤسسات!!
"
صحيح أن دراكر يحاول التخفيف من قالبية رؤيته لكنه حتى بذلك لم يتحرر من الانزلاق في وهم إمكان تعليب التاريخ البشري في إطارات زمنية محددة، وهو الوهم ذاته الذي سقطت فيه الكثير من فلسفات التاريخ، مثل فلسفة أوجست كونت التي حقبته إلى مراحل ثلاث، أو الرؤية الماركسية التي قولبت التاريخ الأوروبي في إطار نظرية "المادية التاريخية" إلى خمس مراحل! ثم لما عجزت عن الإمساك بصيرورة تواريخ الشعوب غير الأوروبية، اضطرت إلى ابتداع نظرية "نمط الإنتاج الآسيوي".

لكن بعد هذا النقد الذي نستهدف منه الاحتراس من تلقي التحقيب الزمني الذي قدمه دراكر، أو غيره من المنظرين المسكونين بنزوع تعليب التاريخ في نماذج قبلية جاهزة، ثمة فائدة هامة نراه قد أشار إليها، وأكدها قبله العديد من المفكرين، وهي النظر إلى الواقع البشري الراهن بكونه آخذا في تجذير نمط حياتي نوعي، تحتل فيه المعرفة مرتبة الأولوية في سلم أدوات الإنتاج.

لكن السؤال الذي بإمكانه أن يفتح مجالا أمام التفكير النقدي هو أي نوع من المعرفة هذا الذي يشيع ويتداول في واقع البشرية اليوم؟ أي نوع من المعرفة هذا الذي يتم تأسيس المجتمع المعاصر على أساسه؟ أليس السائد هو نمط من المعرفة التقنية التشييئية؟

في الطبيعة المعرفية للمجتمع المعاصر
نرى أن الحديث الشائع اليوم الواصف للنقلة النوعية الآخذة في الاعتمال والتجذر في واقع البشرية، بكونها نقلة إلى "مجتمع المعرفة"، حديث يخفي تحت لغة الشعار والابتهاج التقريظي بهذا التطور الكثير من الإشكالات والمآزق التي يجب الكشف عنها ونقدها.

وجوابا عن السؤال السابق نتأمل أولا التحليل الذي قدمه أشهر دعاة "مجتمع المعرفة" في الفكر الأميركي الراهن، أقصد بيتر دراكر الذي يستحضر تصنيفا قديما لأنماط المعرفة يختزلها في نوعين اثنين هما: معرفة نفسية، ومعرفة عملية.

وعند تحليله لمدلولهما لا ينسى دراكر أن يشير إلى أن المعرفة النفسية هي تلك التي تتأسس على اعتقاد أن الوظيفة الأساسية للعملية الفكرية هي معرفة النفس. ويستحضر مثالا عليها الفيلسوف اليوناني سقراط الذي كان -كما هو معلوم- شعار فلسفته هو حكمة معبد دلفي "اعرف نفسك بنفسك".

أما المعرفة العملية فيحددها دراكر بكونها تجعل "الغاية من المعرفة هي جعل مكتسبها فاعلا من خلال تمكينه من معرفة ماذا يقول وكيف يقول ما يعرف". ثم يضيف أن الرمز الفلسفي المعبر عن هذا الموقف هو "الذكي والمثقف بروتاغوراس".

ويبدو أن دراكر نسي أن يضيف لتوصيف بروتاغوراس صفة "السفسطائي الأكبر"! ونحن نقول: حسنًا فعل عندما جعل السفسطة البروتاغوراسية مرجعية لنمط المعرفة العملي الذي يراه مقدمة لنمط المعرفة الجديد، ونحن نوافقه على هذه الإحالة، وإن اختلفنا معه بشدة في موقفه التقريظي منها.

في تحليله لوجه الاختلاف بين النمط القديم للمعرفة والنمط الجديد يشير دراكر إلى أن فرديرك تايلور هو أفضل من يعبر عن "استخدام المعرفة في ميدان العمل"، قائلا عنه "قلائل هم الذين استطاعوا أن يؤثروا في التاريخ الثقافي أكثر مما فعله تايلور" ص 64. بل يصل دراكر إلى حد القول: "يُنظر إلى الثلاثة داروين وماركس وفرويد على أنهم هم الذين شكلوا العالم المعاصر. وإذا كانت توجد عدالة في هذا العالم فإنه ينبغي استبدال ماركس بتايلور".

لكن الذي يتغافل عنه دراكر في تقريظه المبالغ فيه لتايلور مبتدع طريقة العمل المتسلسل هو أن هذه الطريقة في العمل هي بالضبط تعطيل قدرة التفكير في العامل وجعله مجرد أداة. وقد حلل فلاسفة عديدون باقتدار وعمق أكبر مما فعل دراكر ظاهرة العمل المتسلسل، فأبصروا ما فيها من دلالة على تغييب للتفكير وتشييء للكائن الإنساني.

وأحيل هنا خاصة على المعالجة النقدية الهامة التي قدمها الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر، والسوسيولوجي جورج فرديمان الذي رغم كونه لا يرفض طريقة العمل المتسلسل، بل يدافع عنها وعن ضرورتها، نراه بلور في كتابه "المشكلات الإنسانية لنظام الآلية في الصناعة" رؤية أكثر اتزانا وإدراكا لهذه الظاهرة، حيث يعترف بالخلل النفسي الكامن فيها، وإن انتقد بشدة المقاربة الأخلاقية لها.

"
مكمن إفلاس الثقافة في الزمن المعاصر هو أنها أصبحت ذات مدلول نفعي, حيث يُختزل فعل التفكير في الإنتاج بمدلوله الاقتصادي، الأمر الذي يؤكد أن هذا النمط المعرفي الذي يتم التبشير به اليوم، قائم على رؤية اختزالية لمعنى المعرفة ولمعنى الإنسان على حد سواء
"
لكننا لا نريد بما سبق اختزال نقدنا لنمط المعرفة الجديد في إبراز سلبيات أسلوب التنظيم التايلوري، بل إن الأمر أوسع وأخطر من مجرد طرائق لتنظيم وإدارة العمل؛ فنمط المعرفة الجديد الذي يختصر دراكر معناه في كونه "تطبيق المعرفة من أجل المعرفة" هو في حقيقته مسخ للعملية المعرفية ومقاصدها؛ حيث يختزلها في المعنى الإجرائي, وبالنظر إلى مجمل نظرية دعاة مجتمع المعرفة نرى أن نوعية المعرفة التي يعلي من شأنها هي المعرفة الأداتية المحصورة في تحقيق الإنتاجية.

وهي معرفة نراها ذات مدلول نفعي قصير الرؤية مفرغ من كل بعد قيمي وأخلاقي. وهذا ما نعتقد أنه المحدد الفعلي لطبيعة معرفة نمط "مجتمع المعرفة".

وهو مكمن إفلاس الثقافة في الزمن المعاصر. حيث يُختزل فعل التفكير في الإنتاج بمدلوله الاقتصادي، الأمر الذي يؤكد أن هذا النمط المعرفي الذي يتم التبشير به اليوم، قائم على رؤية اختزالية لمعنى المعرفة ولمعنى الإنسان على حد سواء، حيث يُختزلُ في "الإنسان/الجسد"، وتُختصر قصديةُ المعرفة في معرفة أداتية تُنصت إلى مطالب الجسد فحسب.

المصدر : الجزيرة

التعليقات