حامد بدوي

- البنية الشاملة والمحاور الرئيسية
- التفاصيل التكنيكية

لا يتسع المجال إلا للإشارات في مثل هذه العجالة، لذا سأخط مجرد إشارات لمقاربتين لعالم الطيب صالح الروائي، يمكن التوسع فيهما في فرصة أخرى ومجال آخر.

تسير المقاربة (أ) في اتجاه النظر إلى التجربة الإبداعية للطيب صالح في بنيتها الشاملة ومحاورها الرئيسية، كما تسير المقاربة (ب) في اتجاه التفاصيل التكنيكية لتجربته الإبداعية. ولضيق المجال هنا فسأعمد مباشرة إلى لب الإشارتين.

"
جعل الطيب صالح من قرية ود حامد سودانا مصغرا واشتغل عليه، موظفا قدرا هائلا من الشفافية والتلقائية والموهبة، لدرجة اختفاء الطيب صالح كصانع أو موجه للأحداث
"
(أ) البنية الشاملة والمحاور الرئيسية
يمكن إجمال محور البنية الشاملة في التجربة الإبداعية الروائية للطيب صالح في نقطتين جوهريتين تبدوان مدهشتين تماما بالنسبة لي على الأقل:

1- قدرة الكاتب على جعل الشؤون الحياتية الصغيرة أحيانا، لمجتمع بسيط في قرية متخيلة في شمال السودان، تسلك نفسها ضمن شمولية كونية وتكون قابلة لأن تقرأ وتمتع وتدهش في شتى أنحاء العالم وتترجم لعشرات اللغات.

ابتكر الطيب صالح قرية في منطقة معينة في شمال السودان، أسماها "ود حامد". والمنطقة التي اختارها بيئة لقريته، هي المنطقة الحاضنة للحضارات السودانية القديمة. ولا أعتقد أن هذا اختيار بقدر ما هو جزء من القدر الذي أوجد هذا الكاتب في هذا المكان في هذا الزمان، فالطيب صالح نفسه هو نتاج لهذه البيئة الغنية بالموروث الثقافي التي منحت رواياته هذا العمق وهذا الثراء.

من ناحية أخرى سهلت هذه البيئة الثرية بالموروث الثقافي، الاستدعاءات والإحالات إلى ذلك الماضي العميق، كما سهلت في الوقت نفسه التماهي مع الخارق والغريب والسحري. ولعل هذا يتجلى أوضح ما يتجلى في الجزء الأول من ثنائية بندرشاه-مريود.

وهذا البعد الواقعي السحري هو أحد العوامل التي جعلت أعمال الطيب صالح قادرة على أن تنسلك ضمن شمولية كونية، من حيث إن الإرث السحري الغامض خاصية حضارية إنسانية مشتركة، فكل إنسان في كل مكان هو ناتج لأسطورة أو أساطير متجذرة في ذلك المكان.

وحيث ثبت أن للتراث الأسطوري البشري خطابا عاما وبنية عامة مشتركين، فإن إضافة أبعاد أسطورية إلى العمل الروائي من الأسباب التي تسلكه في شمولية كونية وتعطيه القدرة على الإمتاع والدهشة أينما قرئ.

"سرت وراء الصوت في جوف الظلام وأنا لا أدري هل أنا أسير إلى الوراء أم إلى الأمام. كانت قدماي تغوصان في الرمل، ثم أحسست كأنني أسير في الهواء، سابحا دون مشقة، والأعوام تنحسر عن كاهلي، كما يتخفف المرء من ثيابه. ارتفعت أمامي قلعة ذات قباب عالية، يتوهج الضوء من نوافذها.. ارتفعت كجزيرة سابحة في لجة. وصلت الباب يحدوني الصوت، فتحوا الباب، كأنهم ينتظرون قدومي، وسرت وراء الصوت في دهليز طويل ذي أبواب، على كل باب حرس، حتى انتهينا إلى قاعة واسعة مضاءة بآلاف القناديل والمصابيح والشموع.. وكان في صدر القاعة، قبالة الباب، منصة مرتفعة، عليها عرش، كرسي عن يمين وكرسي عن شمال، وعلى الجانبين وقف أناس طأطؤوا رؤوسهم.. كان المكان صامتا، لا كما تنعدم الضجة. لكن كأن النطق لم يخلق بعد".

وأعتبر هذه الرواية بجزأيها ما هي سوى مراوحة بين ذلك الماضي الأسطوري السحري وبين الحاضر المتشبث بالواقع وحضارة العصر، وهنا قد يبرز صراع ومنازعة نفسية سببها التجاذب بين الأسطوري والواقعي.

ومن هنا يجيء ذلك الحيز الكبير الذي أفرده الطيب صالح للعلاقة بين الجد والحفيد، (الماضي والمستقبل) والعلاقة التصالحية بينهما على حساب الأب (الحاضر).

وهذه إشارة خطيرة إذا لم نسلم بأن مثل هذا الصراع لازمة إنسانية، لأنه يصير في هذه الحالة لازمة عربية إسلامية. وفي هذا تفسير لوجود تلك القوى التي لا تني في محاولتها رسم المستقبل على صورة الماضي (حذوك النعل بالنعل).

إذن ففي العالم الروائي المتخيل كما في الواقع المعاش، يجيء الحفيد صورة طبق الأصل للجد. نتعلم ونأخذ بأسباب حضارة العصر ومنظوماتها السياسية والاجتماعية، وعند أول منعطف يتساقط كل ما اكتسبنا، فإذا نحن بين ليلة وضحاها نعود سيرتنا الأولى وندخل في جلود أجدادنا.

هنا نذبح الحاضر قربانا للصلح بين الماضي والمستقبل، وتتساقط القشور التي اكتسبناها من حضارة العصر عند أول هبة ريح كأننا كنا نلبس ثوبا مستعارا اضطررنا لخلعه.

وتقودني هذه الإشارات المرتبطة بالواقع، مباشرة إلى النقطة الثانية:

2- قدرة الكاتب صالح على جعل نفس هذه الشؤون الحياتية الصغيرة أحيانا، لمجتمع بسيط في قرية متخيلة في شمال السودان، مدخلا مدهشا لاستبطان الحراك الداخلي الخفي للمجتمع السوداني بكل تبايناته وتعدديته وعمقه، بدرجة تصل حد التنبؤ.

فقد جعل الطيب صالح من "ود حامد" سودانا مصغرا واشتغل عليه، موظفا قدرا هائلا من الشفافية والتلقائية والموهبة، لدرجة اختفاء الطيب صالح كصانع أو موجه للأحداث. ونحن نرى في ذلك السودان المصغر، الصفوة الحاكمة، وهي تعربد دون إحساس بالتهديد وكل شيء في البلاد طوع بنانها، ثم وهي ترى وعي الناس يتنامى من حولها ويبدؤون في مساءلتها والتشكك في أمرها، ثم مقاومة هذه الصفوة لهذا الوعي المتنامي، وأخيرا هزيمتها واستسلامها.

"
موسم الهجرة إلى الشمال هي قصة الراوي الذي نجد له ظلالا في شخصية محيميد في بندرشاه، الراوي الذي تتكشف من خلال وعيه أحداث الرواية
"
وهنا يحدث شيء غريب على صعيد التجربة الإبداعية للطيب صالح، فثنائية "بندرشاه-مريود" تتحول إلى ثلاثية "عرس الزين-بندرشاه-مريود". وفي هذه الثلاثية نرى "عصابة محجوب" في جميع أطوارها، من السيطرة المطلقة إلى المقاومة وانتهاء بالهزيمة.

"وعلى العشاء تناوب ود الرواسي وسعيد قص القصة على محيميد. كان سعيد غاضبا حين بدأ وغاضبا حين انتهى. وكان ود الرواسي يروي بلهجة من لم يعد يدهشه شيء. قالا إن الحكاية بدأت بنزاع حول أرض، فإن أم أولاد بكري هي أخت محجوب. كان محجوب يظن أن الأرض أرضه، ولكن أولاد بكري تصدوا له فجأة، وهو شيخ قد طعن في السن، وهم شباب في أوج رعونة الشباب. ظلوا ينازعونه حولا بأكمله يطلعون لمحكمة وينزلون من محكمة، خسروا الأرض ولكنهم قوضوا سلطان محجوب. بدؤوا يقولون جهارا ما كان الناس يقولونه سرا أو لا يقولونه البتة. وكأنما البلد كانت مستعدة للتغير. زاد الهمس وارتفع اللغط.

وكان الطريفي ولد بكري يتصدى لمحجوب في المجالس ويقول على مسمع منه "هذه العصابة، محجوب وجماعته، متى يتخلون عن زمام الأمور في ود حامد؟ هؤلاء جماعة انتهوا.. كفاية أكلوا البلد أكثر من ثلاثين سنة".

وتصل مقدرة الكاتب على جعل الشؤون الحياتية والصغيرة، لمجتمع بسيط في تلك القرية المتخيلة في شمال السودان، مدخلا مدهشا لاستبطان الحراك الداخلي الخفي للمجتمع السوداني، تصل هذه المقدرة إلى درجة معجزة تبلغ حد التنبؤ في مريود.

ففي هذه الرواية يصنع الطيب صالح حدثا روائيا متخيلا يتحقق على أرض الواقع بعد ما يزيد عن العشرين عاما. أما كيف حدث ذلك؟ فهذا ما لا نجد له اسما سوى العبقرية والقدرة على استبطان المجتمع وتوقع استقطاباته الخطيرة القادمة.

ففي أواخر الستينيات كان الطيب صالح يعمل في الجزء الثاني من ثنائيته "بندرشاه-مريود" فكتب، "كان السؤال على طرف لسان محيميد منذ أول ليلة. لكنه لم يرد أن يسأل، وكان يأمل أن يجيء الجواب من تلقاء نفسه. هو، محيميد، أيضا مهزوم، هزمته الأيام وهزمته الحكومة. إن طال الزمن وإن قصر سيسألونه، سيسأله ود الرواسي في الغالب، سيقول له ما بالك تقاعدت وأنت لم تبلغ سن التقاعد؟ سيقول له أحالوني إلى التقاعد لأنني لا أصلي الفجر في الجامع، سيقول ود الرواسي هل هذا جد ولا هزار؟ سيقول محيميد عندنا الآن في الخرطوم حكومة متدينة، رئيس الوزراء يصلي الفجر حاضرا في الجامع كل يوم وإذا كنت لا تصلي أو كنت تصلي وحدك في دارك، فسيتهمونك بعدم الحماس للحكومة. أن تحال للمعاش كرم منهم؟".

وبعد عشرين عاما شهد السودان كله، من قرأ هذه الرواية ومن لم يقرأها، ما كتبه الطيب صالح يتحقق أمام عيونهم في حملة ما سمي حينها الصالح العام التي أحيل بموجبها الآلاف من موظفي الخدمة المدنية وضباط الشرطة والجيش إلى التقاعد.

(ب) التفاصيل التكنيكية
يعمد الطيب صالح إلى دس وإخفاء تفاصيل سحرية بين طيات أعماله الروائية، تفاصيل تتكشف من خلال الإعادات في القراءة والتأمل المستمر. وهذه في اعتقادي إحدى سمات الأدب العظيم، وإلا لما ظل الناس حتى اليوم يكتشفون الجديد في أعمال شكسبير مثلا.

ومن أجل أن أعطي مثالا سريعا هنا، أشير إلى الرواية التي شغلت النقاد كثيرا، "موسم الهجرة إلى الشمال". ففي هذه الرواية، في تقديري، يمارس الطيب صالح من إخفاء الكنوز ما يصل إلى حد التضليل وحد اعتبار الرواية رواية مخادعة.

رسم الطيب صالح شخصية مصطفى سعيد بكثير من الألوان والتشويق الذي يقترب من تشويق أبطال القصص البوليسي، لذا يجعل قارئه يلهث مسرعا وقد انصرف بكامل ذهنه تجاه هذه الشخصية المثيرة وتفاصيلها ومصيرها. لهذا يظن كل قارئ لهذه الرواية أنها قصة مصطفى سعيد، وما هي كذلك.

"
شخصية مصطفى سعيد، بكل ألوانها وزخمها وحيويتها، ما هي سوى قمة جبل الجليد التي تلمع في ضوء الشمس مخفية ما هو أعظم. ففي نفس القرية ود حامد يعيش مصطفى سعيد حقيقي وراسخ ومتجذر في المجتمع السوداني.. إنه ود الريس
"
في تقديري أن موسم الهجرة إلى الشمال هي قصة الراوي الذي نجد له ظلالا في شخصية محيميد في بندرشاه، الراوي الذي تتكشف من خلال وعيه أحداث الرواية.

فذلك شخص عادي قادته صدف الحياة أو قاده تدبير من مصطفى سعيد إلى أن يغوص في سيرة حياة الأخير فيتكشف أمام وعيه عالم مثير لم يكن يفطن لوجوده، مع أنه مثل مصطفى سعيد، قد عاش ودرس في الغرب.

وتهز تجربة حياة مصطفى سعيد كل قناعات الراوي ويبدأ في رؤية الحياة من زاوية جديدة. وهو يغرق في هذه الرؤية الجديدة وفي انهيار قناعاته ومسلماته إلى حدود التوهم.

"مرة أخرى ذلك الإحساس، بأن الأشياء العادية أمام عينيك تصبح غير عادية. رأيت نافذة قمرة القطار وبابها يلتقيان، وخيل لي أن الضوء المنعكس على نظارة الرجل، في لحظة لا تزيد عن طرفة العين، يتوهج توهجا خاطفا كأنه شمس في رابعة النهار. ولا بد أن الدنيا في تلك اللحظة بدت مختلفة بالنسبة للمأمور المتقاعد أيضا".

"في لحظة لا تزيد عن مقدار ما يشيل البرق ثم يختفي، رأيت في عيني الشاب الجالس قبالتي شعورا حيا ملموسا بالذعر، رأيته في اتساع حدق العينين وارتعاش الجفن وارتخاء الفك الأسفل. إذا لم يكن خائفا فلماذا سألني هذا السؤال "هل أنت ابنه؟ سألني هكذا دون أن يدري هو الآخر لماذا نطق بهذه الكلمات الثلاث، وهو يعلم تمام العلم من أنا".

إذن، هذا شخص عادي متفاعل مع مجتمعه يعيش كل تفاصيل حياة القرية العادية، ثم فجأة تدخل وعيه تجربة مصطفى سعيد بكل زخمها فيبدأ في التحول وتتحطم قناعاته. ومصطفى سعيد، بكل الألوان والزخم الذي رسمت به شخصيته في الرواية، لم يظهر في الرواية إلا من أجل توصيل هذه التجربة المثيرة إلى وعي الراوي.

لهذا نجد أن مصطفى سعيد شخصية غير متحولة أو متطورة ضمن واقع الحكي الروائي، وإن تحولاته وتطوراته تاريخ بالنسبة لهذا الواقع في القرية. ولهذا نجد أن مصطفى سعيد ينسحب من عالم الرواية بهدوء بعدما اكتملت مهمته في توصيل تجربته إلى الراوي.

الطيب صالح، ومن خلال تفاصيل تجربة مصطفى سعيد، يزرع داخل قارئه، كما زرع داخل الراوي وداخل المأمور المتقاعد والشاب المحاضر في الجامعة، خوفا من نوع ما. فكل قارئ لهذه الرواية، يحس بصورة غامضة أنه يعرف هذه الشخصية.

لكن ما هذا الوهم الغامض والخوف الغامض، سوى نتيجة لأن داخل كل منا جزء من مصطفى سعيد. وهذا أيضا أحد أسباب الانشداد والانجذاب تجاه هذه الشخصية.

لكن ضمن كل هذا، يمارس الطيب صالح لعبة الإخفاء.. إخفاء الكنوز الحقيقية، فشخصية مصطفى سعيد، بكل ألوانها وزخمها وحيويتها، ما هي سوى قمة جبل الجليد التي تلمع في ضوء الشمس مخفية ما هو أعظم. ففي نفس القرية "ود حامد" يعيش مصطفى سعيد حقيقي وراسخ ومتجذر في المجتمع السوداني.. إنه ود الريس.

"... وسمعت أنه كان في شبابه آية في الحسن وأن قلوب الفتيات كانت تخفق بحبه قبلي وبحري، أعلى النهر وأسفله. كان كثير الزواج والطلاق لا يعنيه في المرأة إلا أنها امرأة، يأخذهن حيثما اتفق، ويجيب إذا سئل: الفحل ما عواف".

وأذكر من زوجاته دنقلاوية من الخندق، وهدندوية من القضارف وإثيوبية وجدها تخدم عند ولده الأكبر في الخرطوم، وامرأة من نيجيريا عاد بها من حجته الرابعة.. وأثناء حياتها معه تزوج بامرأة من الكبابيش".

ويشاء الطيب صالح أن يلتقي الشبيهان في حب حسنة بنت محمود، وأن يموت ود الريس مطعونا على صدر حسنة، وإن تردد مصطفى سعيد في الليلة الأخيرة مع جين مورس.
__________________
ناقد سوداني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك