جلال ورغي

تبدو الساحة السياسية في منطقة المغرب العربي حبلى بالأحداث والتطورات. وفي ظل أزمة مالية واقتصادية دولية مستفحلة، لن تكون دول المنطقة في منأى عن تداعيات وآثار هذه الصعوبات الاقتصادية، لا سيما في ظل ضعف الإمكانيات الاقتصادية لبعض دول المنطقة، وتأثر أخرى بانكماش أسعار النفط إلى أكثر من 70% عن السعر المسجل قبل أشهر، والذي أنعش ميزانيات كل من الجزائر وليبيا وضخ عشرات المليارات من الدولارات في خزينتها.

فكلما أشارت بعض الأحداث والقرارات إلى تحولات إيجابية في الساحة المغاربية، على غرار الانتخابات العامة التي جرت في موريتانيا عام 2007 وجاءت بنتائج ذات معقولية وحد كبير من المصداقية والتمثيلية، وما تعهد به الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بالمضي قدما في المصالحة الوطنية، والقطع مع السنوات الدموية التي عاشتها الجزائر، وإفراج ليبيا عن مئات المساجين السياسيين وتدشين حوار مع قادة الجماعة الليبية المقاتلة، بعيدا عن المقاربة الأمنية، بعدما جرى إطلاق المئات منهم.

وهو مسار يبدو أن المغرب أيضا يحذو حذوه بعض الشيء وفق بعض التقارير غير المؤكدة، إلى جانب -طبعا- إقدام السلطات في تونس على إطلاق بقية مساجين حركة النهضة المعتقلين منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، في خطوة تطلع الكثير من المراقبين إلى أن تكون طيا لصفحة من المواجهات مع التيار الإسلامي المعروف باعتداله، والمضي في خطوات للانفتاح السياسي.

"
الساحة السياسية في المغرب العربي تراوح مكانها في أحسن الحالات بين الاستبداد الشامل والتحكم الكامل، إن لم تنتكس في بعض الدول على غرار المغرب إلى الوراء، تنكبا عن مكاسب هلل لها الكثير من المراقبين واعتبروها انطلاقة لمسار الديمقراطية في المنطقة
"
بيد أن هذه المؤشرات الإيجابية في الساحة المغاربية، خالطتها الكثير من الأحداث والسياسات أشارت إلى أن الساحة السياسية في المغرب العربي تراوح مكانها في أحسن الحالات، بين الاستبداد الشامل والتحكم الكامل، إن لم تنتكس في بعض الدول على غرار المغرب إلى الوراء، تنكبا عن مكاسب هلل لها الكثير من المراقبين واعتبروها انطلاقة لمسار الديمقراطية في المنطقة.

انتكاسة تجلت في أبرز مظاهرها في الانقلاب العسكري الذي أطاح في الأسبوع الأول من أغسطس/آب الماضي 2008 بالرئيس المنتخب ديمقراطيا في موريتانيا عبد الله ولد سيدي الشيخ وإيداعه السجن، قبل نقله لاحقا خارج العاصمة في شبه عملية نفي وإقامة جبرية، ليحل محله مجلس عسكري أعاد الأوضاع السياسية في البلاد إلى المربع السياسي الذي كانت عليه في عهد الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.

أما في المغرب فتجمع النخبة السياسية على أن مرحلة الانفتاح السياسي والإعلامي التي سادت البلاد لنحو عقد من الزمن بدأت تتراجع وبنسق متسارع، صاحبه استشراء للفساد واستفحال لأزمة اجتماعية واقتصادية تهدد السلم الاجتماعي في البلد، مع استمرار التوتر في علاقتها مع جارتها الشرقية الجزائر على خلفية الموقف من الصحراء الغربية.

وقد تحول المغرب الذي بدا ألمع وأبرز دول المنطقة مضيا في مسارات الإصلاحات والانفتاح واحترام حقوق الإنسان.. تحوّل إلى شبح في هذا الصدد، وتراجعت النخبة السياسية المستقلة بقوة داخل البلاد لصالح تيارات يدور أغلبها في فلك نظام سياسي متحكم فيه إلى حد كبير.

أما الجزائر فقد تحول خلال العامين الأخيرين إلى مسرح لأحداث عنف دامية، قادها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي واستهدف فيها مؤسسات ورموزا سيادية في البلاد، على غرار مقر الحكومة ومراكز عسكرية وأمنية عديدة إلى جانب مقر الأمم المتحدة.

وإزاء هذا العنف المتصاعد اتجه النظام الجزائري إلى التمسك بالسياسات المتبعة، رافضا بقوة أي حديث عن تطوير لمضامين مشروع المصالحة، أو إنهاء لحالة الطوارئ التي لا تزال معلنة منذ سنوات التسعينيات الدموية.

بل قد لا نبالغ إذا قلنا إن المشهد السياسي الجزائري سجل تراجعا حقيقيا مع انفجار وانقسام لأهم الأحزاب السياسية الفاعلة -لا سيما تلك التي تتخذ مسافة من السلطة الحاكمة- انقسامات يجمع الكثير من المراقبين على أن لجهات نافذة في الحكم يدا فيها بشكل أو بآخر.

وقد تكرس هذا التراجع في المشهد السياسي مع قرار بوتفليقة -بتزكية من أحزاب "التحالف الرئاسي"- تعديل الدستور وإلغاء تحديد العهدات الرئاسية، بما يفسح له المجال للترشح لدورة جديدة رغم الصعوبات الصحية التي يعانيها.

هذا التعديل الدستوري سبقته إليه الجارة الشرقية تونس التي ارتأى نظامها أن يتخلى هو الآخر عن تحديد العهدات الرئاسية لتمكين الرئيس زين العابدين بن علي من الترشح لعهدة خامسة، مع تعديلات دستورية أخرى تحدد بدقة من يكون منافسوه في الانتخابات الرئاسية القادمة، ما حوّل الدستور -على حد تعليق القانوني التونسي عياض بن عاشور- إلى دستور خطابي يعدل مع كل خطاب رئاسي أو استحقاق انتخابي.

"
الاتحاد المغاربي يملك إمكانيات ضخمة تستطيع تحويل منطقة المغرب العربي إلى قوة اقتصادية وإقليمية معتبرة، إلا أنه يعاني من حالة تفكك وشلل غير مسبوقة، بعدما ارتهن تقدم بنائه بتحسن العلاقات الثنائية التي تخيّم عليها حالة التوتر شبه الدائم بين أهم عضوين فيه هما الجزائر والمغرب
"
إلى جانب ذلك يبدو المشهد السياسي العام في تونس يراوح مكانه، مغلقا في وجه الأحزاب المعارضة، منفتحا على مجموعة من الأحزاب الإدارية الموالية، ومجموعة من النخب تسعى للحفاظ على مصالحها، بينما تعبر منظمات حقوقية محلية ودولية عن قلقها العميق من الانتهكات المستمرة لحقوق الإنسان في البلاد.

وحتى ليبيا التي أقدمت خلال السنوات الأخيرة على انتهاج "ليبرالية في السياسة الخارجية" وتحول في الخطاب السياسي بعيدا عن مقولات اللجان الشعبية والثورية الجماهيرية، فإنها تبدو غير قادرة على التحول الجدي في سياساتها، في ظل استمرار سطوة قوى متنفذة ربطت على مدى عقود مصير الحكم بمصالحها، فاستحالت عقبة في وجه أي عملية إصلاح أو تغيير، حتى وإن صدرت عن رموز محسوبة على الحكم على غرار نجل الزعيم الليبي سيف الإسلام الذي أعلن -ولو بشكل مؤقت- انسحابه من المشهد السياسي بسبب ما قال إنها قوى ردة تحول دون المضي في إنجاز الإصلاحات المطلوبة في النظام السياسي القديم في الجماهيرية.

مصير سبقه إليه رئيس الحكومة الليبرالي شكري غانم الذي تناقلت أوساط مطلعة معلومات عن استبعاده قبل عامين من رئاسة الحكومة، على خلفية الإصلاحات التي أقدم عليها ومسار الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي الذي وضع عليه قاطرة البلاد.

هذا المشهد السياسي العام في منطقة المغرب العربي يعاني -بجانب ما أشرنا إليه- من تفسخ للعلاقات بين دول المنطقة، حيث يعاني الاتحاد المغاربي رغم ما يتضمنه من إمكانيات ضخمة تستطيع تحويل منطقة المغرب العربي إلى قوة اقتصادية وإقليمية معتبرة، من حالة تفكك وشلل غير مسبوقة، بعدما ارتهن تقدم بنائه بتحسن العلاقات الثنائية التي تخيّم عليها حالة التوتر شبه الدائم بين أهم عضوين فيه هما الجزائر والمغرب.

فالتوتر الذي يسود العلاقات المغربية الجزائرية دفع العاهل المغربي محمد السادس إلى اتهام الجزائر بمحاولة بلقنة المنطقة بسبب إصرارها على عدم فتح الحدود وعقدها لصفقات أسلحة متطورة رأى المغرب أنها موجهة إليه دون غيره.

اتهامات ترفضها الجزائر جملةً وتعتبرها محاولة من جارتها الغربية التهرب مما تسميه استحقاقات تصفية الاستعمار، في إشارة إلى ملف الصحراء الغربية. وفعلا فقد طالبت مديرة مكتب شؤون نزع التسلح لدى الأمم المتحدة الدول المغاربية بوقف سباق التسلح والالتفات إلى التنمية والقضاء على الفقر.

تصريحات جاءت بعدما كشف تقرير أميركي أن المغرب يخصص 3.8 مليارات دولار من ميزانية العام 2009 لاقتناء أسلحة متطورة، أي نحو 10% من قيمة الميزانية العامة، بينما خصصت الجزائر 6.2% من ميزانية العام 2009 للتسلح، وهي مبالغ ضخمة لا سيما في ظل الأوضاع الاجتماعية المتردية التي يعيشها شعبا البلدين.

وقد يعمق إطلاق الاتحاد المتوسطي من أزمة الاتحاد المغاربي، لا سيما إذا اتجهت بعض الدول الأعضاء للاستعاضة بالمتوسطي عن المغاربي الذي لا يبدي قادة دوله أي إرادة في تطويره أو التقدم به.

وسيكون الوضع أسوأ عندما تعرف دول المغرب العربي بأن أيا منها لن يكون له نصيب مقر الأمانة العامة، بعدما جرى تنافس محموم عليها بين كل من المغرب وتونس.

ويجد الاتحاد المغاربي اليوم نفسه متخلفا إقليميا عن التجمع الذي يضم الدول الخليجية ضمن مجلس التعاون الخليجي.

"
إذا لم تتجه منطقة المغرب العربي إلى الاندماج في منظومة موحدة، وترفع الحواجز والحدود، انسيابا لحركة التنقل بين دولها، وسعيا لتكامل اقتصادي وتواصل اجتماعي تدريجي، فإنها ستتحول إلى طاقة تدمير ذاتي تتفجر فيها ظواهر من العنف والتصارع
"
هذا الوضع الذي يطبع المشهد المغاربي في عمومه، يحمل في طياته الكثير من عوامل التوتر وعدم الاستقرار، سواء على صعيد كل دولة أو على الصعيد الإقليمي عموما.

ويُخشى في ظل حالة الانغلاق السياسي الداخلي والتشرذم الإقليمي تحولُ منطقة المغرب العربي إلى بؤرة للتوتر والعنف وبروز ظواهر عنف عابرة للحدود، لا سيما مع وجود جماعات قادرة على تغذية مثل هذه الظواهر، على غرار تنظيم القاعدة في البلاد المغرب الإسلامي الذي توسعت تحركاته خارج الجزائر منذ أكثر من عام.

ولا شك في أن التوتر الحاصل بين المغرب والجزائر قد يتحول هو نفسه إلى ثغرة تستغلها الجماعات المسلحة لتكثيف نشاطاتها.

وقد لا نبالغ إذا قلنا إن منطقة المغرب العربي التي يبلغ عدد سكانها نحو 100 مليون نسمة وتمتد على مساحة جغرافية تزيد على 5 ملايين كلم2 وتحتوى على موارد وإمكانيات طبيعية وبشرية هائلة ومتنوعة ومتكاملة.. هذه المنطقة إذا لم تتجه إلى الاندماج في منظومة موحدة وترفع الحواجز والحدود، انسيابا لحركة التنقل بين دولها، وسعيا لتكامل اقتصادي وتواصل اجتماعي تدريجي، فإنها ستتحول إلى طاقة تدمير ذاتي تتفجر فيها ظواهر من العنف والتصارع قد تتخذ أشكالا مختلفة..

ليس فقط -كما يعتقد البعض- مجرد عنف إرهابي تقليدي، أو طرقا آمنة لتهريب المخدرات أو هجرة سرية إلى أوروبا، وإنما أيضا توترات على خلفيات ثقافية وجغرافية، لا سيما وهي الواقعة تحت تأثير مباشر لقوى دولية قد تختار في لحظة من اللحظات تحريك ملفات ترى فيها ورقات ضغط على هذه الحكومات والدول المتخاصمة مع شعوبها، المنقسمة في ما بينها.
ــــــــــ
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك