صالح السنوسي

لعل المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم استجابة للمؤثرات الإستراتيجية الغربية منذ أن دخل إليها الغرب غازيا ومستعمرا وحتى اللحظة الراهنة.

هذه الاستجابة المفرطة تجاه ما تمليه أجندة الغرب من قضايا وإشكاليات، ترتبط –في تصورنا- بظاهرة عجز الشعوب وفقدانها لروح الفعل الجماعي من ناحية، وبقوة الأنظمة السياسية واستئسادها في مواجهة محكوميها في كل قطر مع ضعفها وخضوعها لمشيئة القوى الأجنبية من ناحية أخرى، ولذا فإن الغرب لا يجد الصعوبة التي يواجهها في أجزاء أخرى من العالم، عندما يحاول استثمار التمايزات والتعددية داخل تلك المجتمعات كمتغير تابع لإستراتيجيته.

"
التفاعلات التي نتجت عنها الصراعات والانقسامات التي يحفل بها تاريخ المنطقة لم تكن ناتجة عن تصادم في الرؤيا بين قوى سياسية, بل كان صراعا بين أنظمة سياسية تدافع عن وجودها واستمراريتها مرتدية جبة الدفاع عن دولة ذات سيادة وهمية "
كل التفاعلات التي نتجت عنها الصراعات والانقسامات التي يحفل بها تاريخ المنطقة لم تكن ناتجة عن تصادم في الرؤية بين قوى سياسية تعبر عن مصالح كتل اجتماعية تمثل ثقلا ديموغرافياً وثقافيا سياسيا في المجتمع, بل كان صراعا بين أنظمة سياسية تدافع عن وجودها واستمراريتها مرتدية جبة الدفاع عن دولة ذات سيادة وهمية وعن مجتمع لم يفوضها ولم تخترها الأغلبية من أفراده بحرية لكي يباشروا الفعل والتصرف نيابة عنهم.

لقد ترتبت على ذلك عدة نتائج منها:
أولا: إن أي خلاف سياسي إيديولوجي أو ديني مذهبي، لابد أن يتحول إلى نوع من الصراع العبثي الذي يتخذ شكل نزيف ينال من قوة جميع الأطراف المشاركة بحيث لا يستسلم أحد ولا ينتصر آخر فالمهم أن تستمر طاحونة الصراع إلى أن يغير الغرب تجاه الرياح، عندما يرى أنه لم تعد ثمة حاجة للمياه التي يدفع بها في قناة مصالحه.

ثانيا: إذا حقق أحد الأطراف المتصارعة أي نتيجة مهما كانت متواضعة قد تشكل استفزازا أو إزعاجا لمصالح الغرب، فإن الطرف الآخر في الصراع لابد أن يعتبرها خسارة له هو أيضا حسب منطق الصراع العبثي المفروض على جميع الفرقاء، ولهذا فإن التحالف مع إستراتيجية الغرب يصبح بالنسبة لهذا الطرف أمرا بديهيا تقتضيه أبجديات قانون الصراع المنفلت من أي مرجعية عليا والمحتكم فقط إلى عقلانية العصبة القابضة على زمام السلطة، المدفوعة بغريزة الاستمرارية والبقاء وإن كان ثمن ذلك هو الخراب ونعيق البوم.

كان من الممكن لهذا الصراع بين الأنظمة أن يكون مدخلا وبابا مفتوحا لنشوء تفاعلات مصدرها كتل اجتماعية تستطيع أن تغير مسارات الصراع وأهدافه, غير أن مثل هذا الاحتمال لم يكن حدوثه ممكنا في ظل حضور الغرب الطاغي والمهيمن على مجمل تفاعلات الواقع, بحيث أصبح صراع الحكام نفسه مجرد استجابة لإملاءات الإستراتيجية الغربية التي ارتبط بها مصير هذه الأنظمة بصرف النظر عن طبيعتها السياسية.

فقد انقسمت الخارطة السياسية للأنظمة العربية بالنسبة للغرب إلى نوعين، حكام مستبدين موالين للغرب وحكام مستبدين يناصبهم الغرب العداء، فإذا رضي الغرب عن أحد من حكام الطائفة الثانية ودخل في حظيرة إستراتيجيته، فإن حكام الطائفة الأولى لا يستطيعون له ردا وقد ينتهي الصراع بينهم وبينه.

"
انقسمت الخارطة السياسية للأنظمة العربية بالنسبة للغرب إلى نوعين، حكام مستبدين موالين للغرب وحكام مستبدين يناصبهم الغرب العداء، فإذا رضي الغرب عن أحد من حكام الطائفة الثانية, فإن حكام الطائفة الأولى لا يستطيعون له ردا وقد ينتهي الصراع بينهم وبينه
"
لقد ترتبت على هذه الهيمنة والتغلغل نتيجتان لهما أسوأ الأثر على المنطقة. أولاهما الاستجابة المفرطة لمؤثرات الإستراتيجية الغربية بشكل تندر مقارنته مع أي استجابة أخرى تجاه هذه الإستراتيجية في مناطق العالم الأخرى إلى الحد الذي جعل الغرب يتخذ من المنطقة العربية مختبرا ومن استجابتها الطيعة لأجندته الإستراتيجية مثلا يشير إليه لترهيب وتحفيز الرافضين والمترددين أمام إملاءاته في مناطق العالم الأخرى.

فعندما قررت الولايات المتحدة إجراء أول تمرين على تطبيق نظرية القوة الوحيدة في العالم التي لا تحتاج إلي تفويض من المنظمة الدولية لغزو بلد من البلدان إذا ما قررت ذلك بإرادتها المنفردة، اختارت المنطقة العربية ليس فقط لأن العراق يمثل أهمية كبرى بالنسبة للإستراتيجية الأميركية المتعلقة بالنفط وإسرائيل وخرائط سايكس/بيكو، بل أيضا هناك أسباب تتعلق بتوافر أفضل الشروط لنجاح التمرين الأول.

فصناع القرار الأميركي يدركون مدى تبعية وخضوع المنطقة وبالتالي تصبح استجابة كثير من الأنظمة بالانضمام إلى مشروع الغزو أمرا مؤكدا سواء بدافع خوف وانصياع بعضها أو بسبب الصراع والتآمر بين بعضها البعض.

أما النتيجة الثانية وهي الأسوأ فتتمثل في اختيار الغرب وانتقائه لإشكاليات وقضايا الصراع حسب مقتضيات مصالحه الإستراتيجية، فالتربة العربية لا شك خصبة بالإشكاليات والتمايزات والاختلافات والتي في ظروف معينة يمكن أن تصبح مصدرا للإثراء والتكامل، ولكنها في ظل سيطرة وتحكم قوى خارجية تتحول إلى أرض بكر تزرع فيها هذه القوى ما تشاء من بذور الشقاق والصراع التي ترى أن ثمارها وغلتها تعود بأفضل الفوائد على مصالحها.

ولعل أفضل مثال على ذلك هو قضايا وإشكاليات كالدين والقومية والمذاهب، التي وجدت في الحضارات والتجارب السياسية للأمم الأخرى -بفضل فسحة تاريخية وبيئة خالية من الضغوط الخارجية- حلولا وتفاهمات بين القوى المختلفة، فأرست قواعد وأنتجت ثقافات اجتماعية وسياسية احتوت واستوعبت هذه الاختلافات، بينما ظلت مثل هذه القضايا في المنطقة العربية تقوم بدور المتغيرات التابعة للمتغير الرئيسي في إستراتيجية الغرب تجاه المنطقة.

فعندما احتدم الصراع بين أنظمة تحمل لواء الإسلام وأخرى تحمل لواء القومية العربية لم تكن نتائج الصراع تتحكم فيها الأطراف المتصارعة آنذاك، فرغم أن الإشكالية لم يصنعها الغرب فإنه هو الذي اختار توقيت تفعيلها وتبنى معادلة الإسلام في مواجهة القومية، وبالتالي فقد دفع وعاضد الأنظمة التي رأت يومها أن ضرورة بقائها تقتضي الوقوف تحت راية الدين والتصدي للأنظمة التي تقف في الطرف الآخر من المعادلة.

كانت مصالح الغرب تقتضي أن يكون الصراع دينيا قوميا باعتبار أن العامل القومي بدا في تلك المرحلة فتيا ومتدفقا وجاذبا لمعظم الكتل الاجتماعية في المنطقة، وواعدا بالتخلص من هيمنة وإذلال داما قرونا، متصادما في أطروحاته مع ثوابت إستراتيجية الغرب العريقة في المنطقة بصرف النظر عن الطبيعة السياسية للأنظمة التي كانت ترفع راياته.

لقد شاءت مصالح الغرب أن يتوحد صف القوى التي تقف تحت راية الدين دون أي تفاصيل أخرى، فالمهم هو خلق كتلة متراصة يدفع بها في مواجهة تيار يرى فيه عدوا لدودا، ولذا فقد اصطفت تلك الأنظمة تحت راية الإسلام التي اختارها الغرب ووضع شروطها واقتضت وجودها أيضا ضرورة بقاء هؤلاء ولم يجرؤ أي منهم يومها على مجرد التلميح إلى وجود طوائف ومذاهب، ولم يكن ذلك بسبب أن تلك تفاصيل صغيرة داخل الدين الواحد، وهذا لا شك هو عين الحقيقة.

"
أصبح الإسلام في هذه المرحلة بالنسبة للغرب هو العدو اللدود والشرير الذي يجب قتله لأنه يحمل خطابا لا يختلف عن خطاب عدوه السابق (القومي)فيما يخص إستراتيجيته وهيمنته على المنطقة
"
ولكن السبب الحقيقي هو أن إستراتيجية الغرب لم تكن تتطلب تفعيل هذا المتغير في تلك المرحلة على عكس متطلبات المرحلة الراهنة حيث يجري الصراع والحشد والاصطفاف على الصعيد الرسمي تحت رايات المذهبية.

لأن الغرب حسب تقديره لم يعد يرى في العامل القومي مصدرا يهدد هيمنته ومصالحه غير المشروعة في المنطقة بعد أن أفرغته من محتواه ممارسات الأنظمة التي كانت تستظل به وأحبطه غياب روح الفعل الجماعي لدى الجماهير التي كانت تتحمس له وأصبح الإسلام في هذه المرحلة بالنسبة للغرب هو العدو اللدود والشرير الذي يجب قتله لأنه يحمل خطابا لا يختلف عن خطاب عدوه السابق فيما يخص إستراتيجيته وهيمنته على المنطقة.

ولذا ينبغي تحريك الآليات واستنهاض القوى والأنظمة التي ترى فيه عاملا مهددا لبقائها وذلك من أجل بلورة توليفة مذهبية قادرة على تفجيره من الداخل ومستجيبة في الوقت نفسه لمتغير إستراتيجية الغرب الرئيسي في منطقة مفرطة في استجابتها إلى حد التهافت ومفتوحة على مصراعيها.
ـــــــــــ
كاتب ليبي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك