حسن أبشر الطيب

غيب الموت مساء الأربعاء 18 فبراير/شباط 2009 الموافق 23 صفر 1430هـ بالعاصمة البريطانية الروائي المبدع، والمفكر العربي المستنير، والناقد الأدبي الحصيف الأستاذ الطيب محمد صالح بعد صراع طويل مع المرض، عن عمر ناهز الثمانين عاما، استطاع خلالها أن يثري المكتبة العربية والمؤتمرات والمنتديات الثقافية بإبداعاته التي حظيت باحتفاء الكثرة الغالبة من رموز الفكر والثقافة على المستوى العربي والدولي.

"
المتأمل لأعمال الطيب صالح الروائية يجد شاعرا كبيرا يمتلك في اقتدار أدوات فنه بالقدر الذي جعل له أسلوبه المميز وطريقته المتفردة في التعبير التي تتسم بالثراء الفكري والفني
"
لقد أحدثت وفاته حزنا ممضا، ودويا هائلا، في كثير من المحافل الفكرية والثقافية، وتبارى النقاد في تثمين أعماله الروائية الإبداعية.

الطيب صالح جدير بهذا الاحتفاء وأكثر، وبهذه المكانة الرفيعة التي تسنمها بحق وجدارة، فأنت تقرأ أعماله الروائية وغير الروائية فتلمس هذه القدرة على التأليف الأدبي الإبداعي المتكامل الذي يُعنى بالشكل والمضمون في آن.

إنك تعيش في كل أعماله هذا الفيض الزاخر من الأفكار والأطروحات المبتكرة المتجددة، وتطرب في الوقت ذاته لعذوبة لغته الشاعرة التي تتسم بالقدرة الباهرة في التشكيل اللغوي الموحي، والنسيج الشعري الشجي المرهف الذي يكتسي وهجا وفنا صادقا أخاذا، وقدرة عالية على الإيحاء.

وهو في كل ذلك يعبر عن قدر وافر من التجارب، احتضنها وتأمّلها واستكشف معانيها، وصاغها عملا جديدا مبدعا خلاقا، فيه ملامح الواقع ولكنه ليس الواقع الذي يمكن أن تنقله آلة التصوير الصمّاء بأي حال من الأحوال. إنه واقع أرحب وأعمق وأكثر تعبيرا عن ما يعتمل في نفس المؤلف من أفكار ومشاعر.

القارئ المتأمل لأعمال الطيب صالح الروائية يجد شاعرا كبيرا يمتلك في اقتدار أدوات فنه بالقدر الذي جعل له أسلوبه المميز وطريقته المتفردة في التعبير التي تتسم بالثراء الفكري والفني.

إن العمل الإبداعي ينبني في شكله وفي مضمونه على درجة كبيرة من الإدراك والفهم المتكامل للظاهرة التي يعنى بها، وتلك حال لا تتأتى إلاَّ بالاستئناس بها وبالتفاعل بما تنطوي عليه من ثراء.

ومن هنا يبرز إلى موقع الصدارة أثر البيئة السودانية الريفية في أدبيات الطيب صالح، فهو يتمثلها في معظم المواقف، شكلا وموضوعا.

ولعل ذلك يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة، أولها تلك الذكريات الدافئة الحميمة التي التصقت بذاكرة الطيب عن سنوات طفولته وصباه الباكر التي نعم فيها بالحياة في قريته تلك الوادعة الهانئة بين أحبائه وأترابه. قرية تماثل "ود حامد" في الشكل والجوهر.

وثانيا أن غربته لسنوات طوال قد عمقت في ذاته هذا الالتصاق الحميم ببيئته وكثفت اعتزازه بها لانتمائه الصادق لها ولما رأى من تناقضات لا تماثل طبعه وذوقه في بيئات أخرى.

وثالثا أن غربته قد منحته الفرصة للنظر من بعد بغية استقراء واستجلاء دقائق الحياة في بيئته تلك البريئة الوارفة الظليلة بعطائها الوافر ومواطنيها الطيبين. لواحد من هذه الأسباب، أو لكل هذه الأسباب مجتمعة، ظل الطيب صالح حفيا ولصيقا ببيئة قريته الوادعة الخيرة المسترخية على شاطئ النيل، وهو يتمثلها في الكثير من المواقف في كل أعماله الروائية.

ويبدو أثر البيئة بينا في أسلوب الطيب صالح حيث إنه لون وتصدر مقاطع شاعرية موحية وكان نبعا ثرا لإيحاءات بكر، وتشبيهات مبدعة، وتصوير بارع مفعم بالشفافية والقدرة على تجسيد الاستعارة، والاستعارة كما قال أرسطو هي دليل العبقرية.

ولقد اخترت لك هذه الومضات الإبداعية الخلاقة، دليلا على التصاق الأستاذ الطيب الحميم بالبيئة السودانية وقدرته على استكشاف عبقرية اللغة العربية للتعبير عنها:
جاء في عُرس الزين "رائحة الأرض.. تملأ أنفك، فتذكرك برائحة النخل حين يتهيأ للقاح. الأرض ساكنة مبتلة، ولكنك تحس أن بطنها ينطوي على سر عظيم. كأنها امرأة عارمة الشهوة تستعد لملاقاة بعلها".

ونقرأ في موسم الهجرة إلى الشمال: "وتفتح جمالها فجأة كما تنتعش النخلة الصبية حين يأتيها الماء بعد الظمأ. كانت ذهبية اللون مثل حقل الحنطة قبل الحصاد".

ولك أن تتأمل في هذا التصوير المبدع الذي جاء في بندر شاه: "كان القمر يبتسم بطريقة ما، وكان الضوء كأنه نبع لن يجف أبدا، وكانت أصوات الحياة في ود حامد متناسقة متماسكة تجعلك تحس بأن الموت معنى آخر من معاني الحياة لا أكثر. كل شيء موجود وسيظل موجودا. لن تنشب حرب ولن تسفك دماء.. وسوف تلد النساء بلا ألم والموتى سوف يدفنون بلا بكاء".

ولعلك تسمع بفضل روعة هذه اللغة الشاعرية أصوات وأنغام الفرح البهيج ليلة زواج ضوّ البيت "الليلة كل شاب عاشق، وكل امرأة أنثى، وكل رجل أبو زيد الهلالي. الليلة كل شيء حي، فاح العبير، وتم السرور، وشعشع الضوء ولاذت جيوش الكدر بالفرار، كل غصن تثنى، وكل نهد ارتعش، وكل طرف كحيل، وكل خد أسيل، وكل فم عسل، وكل خصر نحيل، وكل فعل جميل، وكل الناس ضوّ البيت".

"
هنا بيت القصيد. هنا تكمن الرسالة الأساسية التي يبثها الأستاذ الطيب صالح في كل أعماله الروائية. قضيته الجوهرية هي تأصيل المحبة والوئام والتسامح
"
هكذا يكون الالتصاق الحميم بالبيئة، والقدرة على تمثلها، والتعبير عن هذا العشق للوطن باستكشاف مواطن الجمال والحسن فيه، بهذه اللغة الشاعرية المبدعة المتفردة. فتأمل.

إن بناء الأفق الشعري للنثر وما يصحب ذلك من التعبير الروائي في لغة مشبعة بالحركة والخيال قد كان ولا يزال مذهبا فنيا للطيب صالح في جميع أعماله الروائية. ذلك مذهب يدفعه إليه طبعه وذوقه وقدراته الباهرة على التعبير بالقدر الذي جعل الشعر حاضرا وبصورة جلية في كل ما كتب.

يقول الطيب مؤكدا هذه الحقيقة "ربما قد يكون الشعر حاضرا في كل ما كتبت منذ البداية، ويظهر هذا بوضوح في أسلوبي الذي نميته وتعودت عليه والذي يكشف عن حبي للشعر، ويؤكد أيضا محبتي للغة العربية التي هي لغة شعرية بطبيعتها. وإذا اعتنى الكاتب -أي كاتب في اعتقادي- باللغة، بلغته، فلا مفر من أن يجد نفسه يكتب كتابة يمكن أن توصف بأنها شعرية".

وأبادر إلى القول بأن العديد من شخصيات الطيب صالح الروائية قد أصبح لها وجود حي ماثل في نفوس الكثير من القراء، وما كان ذلك إلا لقدرته المبدعة على رسمها رسما مشبعا بالحياة والحركة. وتلك سمة تميز بها الكثير من الأعمال الروائية والمسرحية الناجحة، سواء منها ما كتب باللغة العربية أو اللغات الأجنبية.

تذكر ذلك فتحضرك شخصية هاملت في مسرحية شكسبير، والسيد أحمد عبد الجواد وأمينة في ثلاثية نجيب محفوظ، وعبد الهادي في الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي، وعزيزة في الحرام ليوسف إدريس، وما ذلك إلا غيض من فيض.

غير أنه من الأهمية بمكان التأكيد على أن شخصيات الطيب صالح الروائية، كما هو الحال في كل عمل روائي إبداعي خلاق، ليست بصور لشخصيات حقيقية في الواقع المعيش. إنها شخصيات روائية. هي بمثابة نماذج لها أصل وشبيه في الحياة، لكنها في الرواية غير هذا الأصل الحياتي الواقعي، فالروائي المبدع يعيد خلقها في الرواية ويرسمها فنا مبدعا يأخذ من صورة الواقع بطرف ومن رؤية الفنان وخياله بطرف آخر.

يقول الطيب "قد يظن القارئ أن عرس الزين قد حدثت بالفعل، وأن أشخاصها أحياء، وأن الزين شخص حي يرزق. أما بالنسبة لي فإن شيئا من ذلك لم يحدث، والرواية عالم من تصوري، وأنا المسؤول عنه. أما التفاصيل فربما يكون بعضها حقيقيا اعتمدت فيه على واقع استلهمته من ذكريات بعيدة للمكان الذي نشأت فيه".

هذا ضرب من الفن الروائي الرفيع لا تستطيعه إلا قلة من الروائيين المبدعين الذين يمتلكون هذه القدرة الباهرة على بناء الشخصيات ورسمها. وذلك قول يؤمن به الطيب صالح إذ يقول: "كل كاتب يستحق اسمه لا بد أن يكون قادرا على خلق شخصياته، وابتكار أجواء وأشكال من حياة ليست بالضرورة مستقاة من حياته الشخصية".

نعيش ونسعد بلقاء الكثير من الشخصيات النابضة بالحياة في أعمال الطيب صالح الروائية. يأتي في طليعتها الزين ومصطفى سعيد. كما نتفاعل أيضا مع شخصيات محجوب وسيف الدين والطريفي ولد بكري وود الريس وبنت مجذوب وعبد الحفيظ وود البصير والطاهر وود الرواسي وسعيد البوم وشيخ عبد الصمد ومحيميد وفطومة وإبراهيم ود طه وشيخ علي والإمام ومريود وغيرهم.

ولك أن تتأمل هذه القدرة البارعة التي مكنت هذا الفنان الروائي المبدع من رسم شخصيتين متناقضتين، لكل منهما تفردها وخصوصيتها وأثرها الباقي، الزين ومصطفى سعيد.

لم يكن الزين جميلا. كان يحمل وجها مستطيلا. لم تكن له حواجب أو أجفان. وتحت هذا الوجه رقبة طويلة. كان بدرجة من الدرجات درويشا مجذوبا. يعرفه أهل ود حامد مهذارا يكاد أن يكون أبله، غير أن روحه مفعمة بالمحبة وغامرة بالفرح.

في المقابل كان مصطفى سعيد رجلا وسيما مكتمل الخلقة، يمتلك عقلية فذة، لكنه يتحرك برؤية ومشاعر قلب أجوف، تدفعه نزواته الجنسية والمادية، ولا يضيء أركان حياته التعاطف أو الحنان.

كان الزين برا حفيا بموسى الأعرج وعشمانة الطرشاء. كان عالما بوحدة بين كل العوالم المتناقضة في قرية ود حامد، يحتضنها جميعا بمحبته. ولهذا اجتمعت في عرسه كل تناقضات قرية ود حامد. كان فرحا كأنه مجموعة أفراح.

"
بالرغم من كثرة ما كتب وتنوعه وعمقه وأهميته، لا تزال هذه النصوص الروائية قابلة لإعادة القراءة، وللمزيد من التأمل والتحليل لاستشراف الجديد من الأبعاد الرحبة والغنية التي تقف شاهدة على فرادته وإبداعه وتميزه
"
في المقابل فإن مصطفى سعيد -النقيض من الزين- فقد نعمة القدرة على الحب والانتماء والعطاء. اغترب عن بلاده، ولم يراوده الحنين للعودة، فلم تعن بلاده بالنسبة له شيئا. كانت "مثل جبل ضربت خيمتي عنده، وفي الصباح قلعت الأوتاد، وأسرجت بعيري، وواصلت رحلتي". حتى علاقته بأمه كانت كعلاقة مع شخص غريب، جمعته به الظروف صدفة، ولهذا فعندما بلغه نبأ وفاتها وقد كان مخمورا قال "لم أشعر بأي حزن، كأن الأمر لا يعنيني في كثير أو قليل".

ولكل ذلك فقد أدرك القاضي أن المأساة الحقيقية لمصطفى سعيد تكمن في عدم قدرته على التعاطف الإنساني والمحبة أو حتى الاستجابة لها، فقال له "إنك يا مستر سعيد رغم تفوقك العلمي، رجل غبي. إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة. لذلك فقد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس. طاقة الحب".

هنا بيت القصيد. هنا تكمن الرسالة الأساسية التي يبثها الأستاذ الطيب صالح في كل أعماله الروائية. قضيته الجوهرية هي تأصيل المحبة والوئام والتسامح.

ولعلك كلما ازددت إمعانا في شخصية الزين ونقيضه مصطفى سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال ازددت إعجابا بهذه القدرة على تجسيد المعاني الموحية لرسالة المحبة والتعاطف الإنساني بل لعل في حديث الطاهر ود الرواسي لمحيميد ما يؤكد حرص المؤلف على تجسيد رؤياه للمعاني الظليلة الوارفة المعطاء لمعاني المحبة.

إن مسرح الأحداث لكل أعمال الطيب صالح الروائية قرية ود حامد التي تتمثل فيها ملامح القرى الساكنة على شاطئ النيل في الجزء الشمالي من السودان.

والمتأمل في أعمال الطيب صالح الروائية، وهي بترتيب صدورها، عرس الزين، وموسم الهجرة إلى الشمال، وبندر شاه بجزأيه ضوَّ البيت ومريود، يجد شخصياته تنمو وتتجدد وفقا لمتغيرات ومقتضيات الزمان والمكان.

فنجد مثلا شخصية سعيد البوم الذي كان مصدر سخرية في رواية عُرس الزين وهو القائل لزوجته "إنها امرأة جيفة. أمشي خدي دروس من بنات الناظر" نجده في بندر شاه، بعد أن دار الزمان دورته قد أصبح سعيد عشا البايتات بعد أن كان "بوما"، وتزوج بنت الناظر، وصار يعتلي مئذنة الجامع داعيا إلى الصلاة.

وتغير أسلوب حديثه ومنطقه واهتماماته، وأصبح القائل "أنا سعيد ود زايد ود حسب الرسول عربي حر، عليَّ اليمين أهلي في سودري يحجبو ضوء الشمس. مالي أنا مسلم موحد الله".

تأمل هذه القدرة الإبداعية المتفردة التي يمتلكها هذا الروائي الفنان الذي استطاع أن يجسد صورة حية لسعيد البوم وعشا البايتات في مرحلتين مختلفتين من عمره. ولقد تحدث سعيد في كل حالة بلسانه وفق ما تستوجبه مستوجبات الزمان والمكان.

لقد كتب عن أعمال الطيب صالح الروائية الكثير، ولكن بالرغم من كثرة ما كتب ومن تعدده وتنوعه وعمقه وأهميته، فلا تزال هذه النصوص الروائية قابلة لإعادة القراءة، وللمزيد من التأمل والتحليل لاستشراف الجديد من الأبعاد الرحبة والغنية التي تقف شاهدة على فرادته وإبداعه وتميزه.
__________________

كاتب سوداني

المصدر : الجزيرة

التعليقات