عبد الستار قاسم

- السعي نحو القطبية
- العضوية في الرباعية
- تأييد إسرائيل
- شك روسيا في الأحزاب والدول الإسلامية
- التجربة السوفياتية مع العرب

هل علمت روسيا بأن إسرائيل قد شنت حربا على غزة؟ يبدو أن الروس قد تعمدوا تجاهل الحرب على غزة على الرغم من أنهم عضو في الرباعية الدولية التي من المفترض أنها ستأتي بحلول للقضية الفلسطينية.

لم نسمع خلال الحرب من قادة الروس تعليقات إلا النزر اليسير الذي لا يشكل سياسة روسية أو موقفا روسيا واضحا تتبناه موسكو وتدافع عنه. فقد قال أحد قادة الروس بأن على حماس أن تتوقف عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل، لكن هذا القول لم يرتق إلى سياسة روسية تؤدي إلى حراك سياسي ونشاط دبلوماسي.

وقف الإعلام الروسي مع إسرائيل إلا فضائية روسيا اليوم التي تبث بالعربية وبعض وسائل الإعلام غير الأساسية، ودافع عن أهداف إسرائيل من ضرب المقاومة والقضاء على الصواريخ.

وقال بمجمله إن الإرهاب الفلسطيني هو السبب في الحرب، وإن من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها بمختلف الوسائل.

أما فضائية روسيا اليوم فوقفت إلى جانب الفلسطينيين، ولم يتوان محررو نشراتها في إبراز القتل والتدمير الذي أحدثته إسرائيل في غزة وضد السكان المدنيين.

روسيا لم تصمت لأنها أرادت أن تكون غائبة، وإنما أرى أن عوامل عدة قد أدت إلى هذا الموقف الذي من الممكن أن يتغير مستقبلا.
من هذه العوامل:

"
روسيا الآن في حالة بناء هادئ نحو استعادة جزء من هيبة الاتحاد السوفياتي السابق، وهي تعمل بهدوء على بناء ركائز دور عالمي فاعل."
السعي نحو القطبية
روسيا الآن في حالة بناء هادئ نحو استعادة جزء من هيبة الاتحاد السوفياتي السابق، وهي تعمل بهدوء على بناء ركائز دور عالمي فاعل، ويتطلب الدور العالمي، أو التطور إلى قطب عالمي آخر قدرة عسكرية متطورة وعلى كفاءة عالية، وبرنامج عمل أو أيديولوجيا، أو مجموعة أهداف، وقدرة اقتصادية كبيرة.

القطبية ليست مسألة سهلة، وليس من المتوقع أن تتبلور بين ليلة وضحاها، وهي تتطلب وضوحا في الرؤية وقدرة على الإنفاق واستقطاب المؤيدين.

إذا كان لروسيا هذا الطموح الذي عبر عنه بالفعل الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف فإنه ليس من المتوقع أن تضع روسيا نفسها في موقف تفقد فيه جزءا من ماء الوجه. أي أنه ليس من المتوقع أن تزج روسيا بنفسها في مواقف لا تستطيع أن تحرز فيها نوعا من الإنجاز.

وذلك لأن الفشل سينعكس سلبا على صورتها العالمية وبالتحديد لدى الذين يتطلعون إليها كلاعب مستقبلي يمكن أن يعتمد عليه. وهذا ربما هو ما يفسر انحسار الترحال إلى روسيا من قبل قادة دول يرغبون في التخلص من النير الأميركي، ويتطلعون إلى روسيا كحبل إنقاذ.

لاحظنا بعد قيام روسيا بدحر جورجيا مع اكتفاء أميركا بالإدانة فقط تحمّس بعض قادة الدول ومن ضمنها سوريا وفنزويلا وقيامهم بزيارات لروسيا عسى أن يكون هناك تغيير في السياسة الخارجية الروسية، وعاد هؤلاء القادة إلى دولهم وهم لا يتمتعون بدرجة التفاؤل التي ذهبوا بها.

روسيا بالتأكيد ليست مستعدة حتى الآن للعب الدور الذي يتطلع إليه زعماء دول معينة، وهي ليست مستعدة لتبني سياسات قد تجد مقاومة غربية قوية تفشلها.

العضوية في الرباعية
تدرك روسيا أنها عضو هامشي في الرباعية الدولية المعنية بتطبيق خريطة الطريق المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وهي على دراية تامة بأن أميركا وإسرائيل تحتكران البحث عن حل مع الفلسطينيين والعرب، وأنهما لا تستعينان بدول أخرى إلا وفق المصلحة لا بناء على رغبة في التعاون مع الآخرين.

منذ عام 1967، والدولتان تعملان على إبعاد تأثير الدول الأخرى ما أمكن، وقد ضغطتا باستمرار على الاتحاد السوفياتي من أجل الإبقاء على ميزان القوى بين العرب وإسرائيل راجحا لمصلحة إسرائيل، وعملتا على تجاوز القرارات الدولية، والقفز عن الأمم المتحدة ما أمكن، أو استعمالها ما أمكن.

وقد برز هذا الوضع جليا في قرار مجلس الأمن 338 الذي أكد على ضرورة البحث عن حل من خلال الأطر المناسبة أو الملائمة، دون ذكر للأمم المتحدة.

إشراك دول أخرى في البحث عن حل لم يكن إلا من قبيل الكياسة الدبلوماسية من قبل إسرائيل وأميركا حتى لا تشعر دول مثل دول الاتحاد الأوروبي بالاغتراب أو الإهمال.

وما يؤكد ذلك هو أن الدور الأوروبي بقي هامشيا حتى الآن، وهو يقتصر في الغالب على دفع الفواتير الخاصة بإعمار ما تدمره إسرائيل، والإشراف الجزئي على صرف رواتب الموظفين الفلسطينيين، والزيارات المتكررة للمنطقة وإطلاق التصريحات ذات القيمة السياسية المحدودة جدا.

إشراك روسيا لا يختلف جوهرا عن إشراك الأوروبيين، لكنه يتصف أيضا بالكثير من النظرة الدونية، إذ إن روسيا بعيدة جدا عن الهموم العالمية، ودورها لا يتناسب مع قوتها العسكرية، ولم تُعط من قبل الغرب إلا الدور الذي يتناسب مع القالب الذي وضعت نفسها فيه.

قررت روسيا أن تكون ذات وزن محدود، فلم تحصل في الرباعية إلا على دور محدود، واقتصرت مشاركتها على حضور الجلسات الرسمية للرباعية دون أن يكون لها فاعلية في اتخاذ قرار، كما أعطت لنفسها فقط حق الموافقة على ما تطرحه أميركا، مثلها مثل الأعضاء الآخرين.

ما زالت روسيا حتى الآن تحضر اجتماعات الرباعية، لكنها لا تمارس إلا حق الموافقة على ما يتم طرحه أميركيا. وهي عادة ما تغطي قلة الاكتراث هذه أو عدم القدرة بتكرار موقفها المؤيد لإقامة دولة فلسطينية على الأرض المحتلة 67 دون أن تعطي تفصيلا لما تعنيه بالأرض وماهية الدولة.

"
من الصعب أن تقف روسيا مع الإسلاميين في مواجهتهم ضد الاستعمار أو ضد الاحتلال الصهيوني، لأنها ترى فيهم طرفا محرضا على التمرد على موسكو، ومصدرا للمتاعب السياسية والأمنية لروسيا
"
تأييد إسرائيل
تردد الاتحاد السوفياتي المنهار على مدى الزمن في إعطاء العرب أسلحة هجومية، ذلك لأنه لم يكن على استعداد لتعريض بقاء إسرائيل للخطر، والمغامرة بمواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة.

كان الاتحاد السوفياتي مع قيام دولة إسرائيل ومع استمرارها، على الرغم من أنه كان يغازل حقوق اللاجئين بالعودة أحيانا.

على ذات الشاكلة، روسيا مع بقاء دولة إسرائيل قوية، ومع السياسات الدولية الرامية إلى المحافظة على أمنها واتخاذ الإجراءات المتناسبة مع تحقيق الهدف.

ربما لا تقوم روسيا بدور عملي فاعل في هذا الاتجاه الآن، لكنها معه على الأقل من الناحية النظرية، ولهذا لا يظهر أنها على استعداد للدفاع عن حقوق فلسطينية يمكن أن تؤدي تلبيتها إلى تعريض أمن إسرائيل للخطر.

المعنى أنه على العرب ألا يذهبوا بعيدا في تحليلاتهم إذا قررت روسيا أن أميركا يجب أن لا تبقى هي القطب الوحيد في العالم.

روسيا قد تتحدى أميركا في الكثير من المجالات، لكن هذا التحدي يبقى موضع شك كبير عندما يأتي الأمر إلى الحقوق الفلسطينية.

شك روسيا في الأحزاب والدول الإسلامية
روسيا ليست مطمئنة للدول التي تتبنى الإسلام مثل إيران، ولا الأحزاب الإسلامية مثل حزب الله والإخوان المسلمين لأن الإسلاميين يسعون إلى إقامة حكم إسلامي يؤثر على النسيج العلماني الرأسمالي الحر الذي باتت تؤمن به كمنهج حياة.

روسيا ليست متحمسة للمتدينين من كافة الأديان على الرغم من أنها ليست ضد حرية ممارسة الشعائر الدينية، وهي ترى في الإسلاميين نهجا انقلابيا على النظام الذي صنعته الرأسمالية، أو على الأقل نهجا يشكل تحديا كبيرا للنظام الرأسمالي وللتحررية.

ومن الكتاب الروس من يرى أن طموحات الإسلاميين لا تتوقف عند حدود بلدانهم، وإنما تمتد نحو الطموح العالمي بحيث يحلم الإسلاميون بتوسيع الدعوة الإسلامية ليكون الإسلام بديلا عن كل النظريات والنظم السياسية والاجتماعية.

روسيا متشككة في الإسلاميين لأنهم يؤيدون الحركات الإسلامية في كل مكان بمن فيها الحركات الإسلامية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي المنهار، وفي بعض المناطق في روسيا مثل الشيشان وأنغوشيا.

من الصعب أن تقف روسيا مع الإسلاميين في مواجهتهم ضد الاستعمار أو ضد الاحتلال الصهيوني، لأنها ترى فيهم طرفا محرضا على التمرد على موسكو، ومصدرا للمتاعب السياسية والأمنية لروسيا. والمسألة ليست بحاجة إلى اجتهاد لأن الإسلاميين وقفوا مع البوسنة المسلمة ضد صربيا، ومع الشيشان ضد روسيا، وهم على استعداد لمشاركة في المجهود العسكري في تلك المناطق حتى تحقيق الاستقلال.

فهل يمكن لروسيا أن تتخذ موقفا ضد إسرائيل إذا كان الإسلاميون هم الطرف الآخر من معادلة الصراع؟ ربما تثق روسيا بإيران بعدما تتبين لها حقيقة النوايا الإيرانية، وكذلك حقيقة القدرات الإيرانية.

إذا صمدت إيران وأثبتت قدرتها على الاكتشاف العلمي والتطوير التقني والتحديث على كافة أوجهه فإن روسيا ستجد نفسها أمام مصلحة كبيرة في توثيق العلاقات مع إيران. وفي كل الأحوال ستبقى روسيا حذرة في تطوير العلاقة مع إيران لكي لا تستفز كثيرا العداء الأميركي.

"
روسيا لها حساباتها الإقليمية والدولية، وهي ليست جاهزة بعد لأن تكون لها كلمة مسموعة في كل أنحاء الأرض، إذ هناك ما تقدر عليه مثل جورجيا، وهناك ما يدعوها إلى التريث مثل التدخل الواسع في أميركا الجنوبية
"
التجربة السوفياتية مع العرب
عانى الاتحاد السوفياتي كثيرا من العرب لعدة أسباب منها:
1- بقي الاتحاد السوفياتي عرضة لتآمر أنظمة عربية كثيرة على الرغم من أنه كان يقدم دعما عسكريا للعرب للدفاع عن أنفسهم في مواجهة إسرائيل.

2- كانت أنظمة عربية تتلقى الدعم العسكري السوفياتي تقوم بملاحقة الشيوعيين وإيداعهم في السجون.

3- كان العرب يمدون أيديهم للاتحاد السوفياتي للحصول على السلاح، وينفقون أموالهم في البلدان الغربية المعادية له.

4- لم يحترم العرب السلاح السوفياتي وذلك بعدم استعماله وفق الأسس العلمية، وأيضا بتسليم نماذج من هذا السلاح لإسرائيل إما من خلال الجواسيس الذين جندتهم إسرائيل، أو من خلال الفرار من المعركة وترك السلاح للعدو.

5- نكث العرب بالاتحاد السوفياتي عندما قررت مصر طرد الخبراء السوفيات لا لسبب واضح والانحياز بعد ذلك للولايات المتحدة والسير في ركب التسوية من خلال الولايات المتحدة.

تجربة الاتحاد السوفياتي تقول بأن أنظمة العرب ليست أهلا للثقة، وهناك من يقول إن العرب ليسوا أهلا للثقة، فهل روسيا تأخذ دروسا من التجربة السوفياتية، ومن ثم تتردد في التودد للعرب؟

أعتقد نعم. روسيا حذرة، ولا أخالها مقدمة على أية خطوة كبيرة وإستراتيجية مع العرب قبل أن تتأكد من أن الخُلُق السياسي العربي قد تبدل، وأن أنظمة العرب قد أصبحت موضعا للثقة.

الخلاصة
لم يكن من المتوقع أن تثور أعصاب روسيا ضد إسرائيل نتيجة عدوانها، وهناك في أقطاب الحكم الروسي من يرى أن حماس والمقاومة الفلسطينية هي المعتدية.

روسيا لها حساباتها الإقليمية والدولية، وهي لا ترغب في اتخاذ قرارات هناك شك في استمرارية نهج تتطلبه، وهي ليست جاهزة بعد لكي تكون لها كلمة مسموعة في كل أنحاء الأرض، إذ هناك ما تقدر عليه مثل جورجيا، وهناك ما يدعوها إلى التريث مثل التدخل الواسع في أميركا الجنوبية.

هذا ينطبق على منطقتنا العربية الإسلامية التي يضاف إليها خذلان الأنظمة العربية لشعوبها، وعدم جديتها في مواجهة إسرائيل. (ولو) كنت روسيا لسألت نفسي: لماذا أقدم دعما لمقاومة عربية تقف أنظمة عربية ضدها، وتشجع إسرائيل على محاربتها؟
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك