ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

تزداد الشواهد على أن الولايات المتحدة عازمة على إسكات تلك الأصوات التي تزعجها في أكثر من مكان، وبالطبع حتى لا تتواصل معادلة الاستنزاف التي يمكنها تقويض أية إمبراطورية مهما كانت قوتها، بدليل أن التورط في أفغانستان كان مقدمة لسقوط ومن ثم تفكك الاتحاد السوفياتي.

"
الإستراتيجية الأميركية في وضع مختلف، كما ظهر عمليا قبل إجراء الانتخابات الأخيرة، وما كان ليختلف الأمر لو فاز جون ماكين
"
عندما تتوسع الإمبراطوريات على نحو لا تطيقه، وتكثر حروبها يبدأ الاستنزاف، ومن ثم يتواصل إلى درجة لا يكون بالإمكان احتمالها، الأمر الذي يؤدي إلى التراجع، وهو تماما ما وقع للإمبراطورية الأميركية التي استلمها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش من سلفه بيل كلينتون وهي تتمتع بقوة سياسية وعسكرية واقتصادية لم تعرفها إمبراطورية أخرى في التاريخ البشري.

بوش هو الذي ورط بلاده في أفغانستان، ومن ثم في العراق، وصولا إلى الصومال، ولا تسأل عن تورطه المباشر في الشؤون الفلسطينية واللبنانية والإيرانية، وبالطبع لحساب الأجندة الإسرائيلية التي تعارضت في كثير من الأحيان مع المصالح الأميركية.

الآن تبدو الإستراتيجية الأميركية في وضع مختلف، كما ظهر عمليا قبل إجراء الانتخابات الأخيرة، وما كان ليختلف الأمر لو فاز جون ماكين، وإن اقتنع المعنيون بأن الرئيس الأميركي باراك أوباما أقدر على تنفيذ تلك الإستراتيجية، وقبل ذلك تسويقها، من رجل له ملامح بوش الذي كرس صورة الولايات المتحدة بوصفها دولة إمبريالية بامتياز في الوعي البشري.

هذا ما عكسته استطلاعات رأي مهمة (استطلاع الاتحاد الأوروبي 2002 الذي قال فيه 59% من الأوروبيين إن إسرائيل ومن ثم الولايات المتحدة هما الدولتان الأكثر خطرا على السلام العالمي)، كما يعرفه جميع المعنيين بالشأن العالمي من سياسيين وإعلاميين.

عندما يمدد أوباما لروبرت غيتس في منصب وزير الدفاع، وينقل الجنرال بتراوس صاحب مشروع الصحوات في العراق إلى أفغانستان، في حين يعين جيمس جونز مستشارا للأمن القومي، فذلك يعني أن الإستراتيجية قد أقرت بالفعل، بل ربما دخلت حيز التنفيذ قبل الانتخابات.

ولو علم المعنيون أن أوباما سيغير بتراوس لما عينوه قبل أسابيع قليلة. وهنا لا يستبعد أن يذهب كثيرون إلى أن تفاهما ما قد عقد مع الرجل قبل فوزه بشأن هذه الملفات المحورية.

من المؤكد أن الأزمة المالية قد رفعت الإستراتيجية الجديدة من مستوى الحاجة إلى مستوى الضرورة (في هذا السياق تأتي تصريحات مدير المخابرات المركزية عن أن الأزمة المالية أكثر خطرا على الولايات المتحدة من الإرهاب).

"
من العراق إلى فلسطين إلى أفغانستان إلى الصومال، مطلوب إسكات أصوات السلاح ووقف معادلة الاستنزاف القائمة، الأمر الذي ثبت أنه لن يتم بسطوة القوة، بل بالوسائل السياسية
"
لكن عدم اندلاعها لم يكن ليغير الكثير في وقت بدت فيه الهيبة الأميركية الدولية في وضع مختلف إثر الحرب الجورجية الروسية التي أكدت صعود روسيا إلى مرتبة القوة الدولية المنافسة، حتى لو تراجعت بين حين وآخر تبعا لحسابات جديدة، وفي ظل الصعود الصيني الذي لا تخطئه العين، على الصعيد الاقتصادي والعسكري رغم ما تفرضه بكين على هذا الصعيد الأخير من تعتيم تفضحه أرقام الإنفاق العسكري المعلنة، لاسيما حين تؤخذ بمقياس الاقتصاد الصيني وكلفة الفرد هناك، وليس بالقياس المجرد مع الإنفاق العسكري الأميركي.

من العراق إلى فلسطين إلى أفغانستان إلى الصومال، مطلوب إسكات أصوات السلاح ووقف معادلة الاستنزاف القائمة، الأمر الذي ثبت أنه لن يتم بسطوة القوة، بل بالوسائل السياسية، ربما إلى جانب ضرب قوى "السلاح"، إن جاز التعبير بعضها ببعض، من دون أن يعني ذلك أن الحرب ستتوقف في حال إصرار الطرف الآخر عليها.

والسبب أن الإمبراطوريات الكبيرة لا تعترف بهزيمتها العسكرية بسهولة، لما يعنيه ذلك من تأثيرات على قوتها ونفوذها وهيبتها.

في الصومال نجح القوم في شق قوى المقاومة، واستقطاب بعضها، وبالطبع بعد أن تأكدوا أن الحسم العسكري في حرب عصابات في بلد مدجج بالفوضى مثل الصومال سيكون بالغ الصعوبة، هذا إذا كان ممكنا من الأساس.

على هذه الخلفية تمت صفقة شيخ شريف الذي منح الرئاسة على طبق من ذهب بمباركة أميركية، وبعد ذلك تعيين رئيس الوزراء الذي يبدو أنه تم بمباركة أميركية كذلك، وتبقى مهمة إسكات أصوات الآخرين الذين رفضوا الصفقة.

في العراق جرى ابتكار تجربة الصحوات لمواجهة القاعدة وضرب فكرة المقاومة برمتها، عبر تحويل جحافل من كوادرها إلى مسار جديد.

وعندما حان أوان قبض الثمن عجز المحتلون عن فرض ما يريده قادة الصحوات بل حتى بعض ما يريدونه، على التحالف الشيعي، فكان أن تم التوافق على استيعابهم في المؤسسة المدنية والعسكرية فيما عرف بوثيقة الإصلاحات السياسية التي بررت بها جبهة التوافق تصويتها لصالح الاتفاقية الأمنية.

الآن، يجري فتح بعض القنوات مع ما تبقى من فصائل العمل المقاوم التي ما زالت تحمل السلاح ولها وزنها في العراق، عبر وسطاء من الدول العربية المحسوبة على محور الاعتدال، من دون أن يتضح الثمن الذي سيدفع لها إذا ألقت سلاحها وانخرطت في العملية السياسية.

"
مسلسل التفاوض يبقى قائما تبعا لرؤية القيادة الإسرائيلية الجديدة، في ظل اقتناع أميركي بأن ظروفا موضوعية تنضج في الدولة العبرية في اتجاه التسوية، رغم مسيرة اليمين التي تقدمت خلال الانتخابات الأخيرة
"
لكن الموقف لن يختلف كثيرا عن تجربة الصحوات، والأرجح أن الثمن الذي سيدفع لها سيكون من جيب الفئة التي تعاونت مع الاحتلال من العرب السنة، أي مجرد فتات لا يغير من بؤس التركيبة التي صاغها الاحتلال، لاسيما أن حصة الفئة المذكورة ما زالت بائسة لا تتعدى بحسب بعض دوائرهم حدود 6% من مؤسسات الدولة، على الرغم من أن "الكوتا" التي حددت لهم في نظام المحاصّة الطائفية كانت 20%.

في فلسطين، عجزت المؤامرات عن إسقاط حكم حماس في القطاع، كما فشلت الحرب العسكرية، ولذلك ستتم تسوية الملف من خلال التهدئة وبعد ذلك المصالحة، من دون استبعاد الإجراء العسكري تبعا لحقيقة أن القرار هنا إسرائيلي أكثر مما هو أميركي.

أما مسلسل التفاوض فيبقى قائما تبعا لرؤية القيادة الإسرائيلية الجديدة، في ظل اقتناع أميركي بأن ظروفا موضوعية تنضج في الدولة العبرية في اتجاه التسوية، رغم مسيرة اليمين التي تقدمت خلال الانتخابات الأخيرة، وكذلك الحال بالنسبة للفلسطينيين الذين يتمتعون بقيادة لا مثيل لها في القدرة على تقديم التنازلات والإيمان بالتسوية ورفض المقاومة.

في أفغانستان، ليس ثمة وعود واضحة لكن الموقف لن يتجاوز حصة سياسية لطالبان تحت حكم الرئيس الحالي حامد كرزاي، من دون استبعاد تغييره إذا رتبت معادلة أفضل، وهو عرض يرفضه الملا محمد عمر.

وقد يتغير الأمر إذا تمكنوا من التخلص منه، ما دام هو الذي يقود تيار التشدد في الحركة بحسب الدوائر الأميركية، أو نجحوا عبر الوسطاء السعوديين في إقناعه بالحوار وإلقاء السلاح، مع العلم بأن الاتصالات على هذا الصعيد لم تتوقف.

في ضوء ذلك، ليس أمام القوى المشار إليها سوى المضي في برنامج المقاومة، ليس فقط بسبب هزال العروض المقدمة ما لم يثبت عكس ذلك، بل أيضا لأن تعزيز حالة التراجع التي تعيشها الولايات المتحدة وصولا إلى نشوء تعددية قطبية في العالم هو الخيار الأفضل، لها (أعني لقوى المقاومة)، ولعموم الأمة ومعها كل المستضعفين في الأرض.

وهنا يتبدى الدور الذي على القوى الإسلامية الحية أن تقوم به في سياق إفشال محاولات إجهاض مشروع المقاومة، عبر التواصل مع قواها وعدم تركها وحيدة في مواجهة دهاقنة السياسة العربية والدولية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك