ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

عوامل صعود فتح
مسارات الانحسار
نظرة نقدية لأزمة فتح

تشهد حركة فتح التي أسّست للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وأطلقت الكفاح المسلح (في الأول من يناير/كانون الثاني 1965)، وقادت العمل الفلسطيني في المرحلة الماضية، أزمة حادة في البنية والسياسة والقيادة.

ففي هذه المرحلة تبدو الحركة أقرب إلى تجمعات غير واضحة المعالم، غير قادرة على تجديد شبابها وحيويتها ورؤاها، وهي عاجزة حتى عن عقد مؤتمرها العام.

الأنكى من كل ذلك أن هذه الحركة خسرت كثيرا من مكانتها القيادية والتمثيلية، بحسب نتائج الانتخابات التشريعية (عام 2006)، ولم تنجح في مجمل الخيارات التي أخذتها على عاتقها، من المقاومة إلى التسوية، ومن الانتفاضة إلى المفاوضة، ومن تجربة قيادة المنظمة إلى تجربة قيادة السلطة.

عوامل صعود فتح
عند البداية بدا أن حركة فتح تمثّل حالة نقدية ونقلة نوعية في الأوضاع السياسية والحزبية في فلسطين، وفي البلدان العربية، بامتلاكها العديد من الميزات، أهمها:

1- تمثلها للوضع الفلسطيني: السياسي والاجتماعي والثقافي، حيث جاءت فتح على شكل حركة تحرر وطني/ جبهة، مبتعدة في ذلك عن الصيغ الحزبية، أو تلك التي تعبر عن مصالح طبقية أو فئوية محددة. وبطبيعتها تلك فإن فتح حينها شكّلت استجابة لحاجة الشعب الفلسطيني لحركة وطنية توحده، وتعبر عنه، وتقود كفاحه، في مواجهة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني لأرضه فلسطين؛ وهي لذلك أشبه حركة بشعبها.

2- عكست فتح، في بناها ومنطلقاتها العامة، واقع التنوع والتعددية في المجتمع الفلسطيني، إذ نأت بنفسها عن اعتناق أيديولوجية أو عقيدة معينة، وبدت بمثابة تجمع لجميع التيارات والألوان الفكرية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، وهذا ما ميزها عن القوى الأخرى.

3 ـ شكلت انطلاقة فتح ميلاد الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وقد حرصت على إعادة القضية إلى أحضان شعبها، بعد أن تاهت في توظيفات النظام الرسمي العربي ومزايدات الأحزاب السائدة.

فعلى الرغم من أن قضية فلسطين قضية عربية، بالنظر لاستهداف الكيان الصهيوني للأمة العربية في وجودها ومستقبلها، فإن تمثل هذه الحقيقة في الوعي والممارسة السياسيين، على الصعيدين الرسمي والعربي لم يرق إلى مستوى التحديات التي تطرحها هذه القضية.

 كما أن إبراز البعد الفلسطيني شكل تحديا للمشروع الصهيوني الذي تأسس في أحد مرتكزاته على نفي وتغييب وجود الشعب الفلسطيني.

"
حركة فتح استطاعت أن تحقق إنجازات وطنية كبيرة للشعب الفلسطيني، فهي التي أحضرت هذا الشعب من الغياب، ووضعته على الخريطة، وعملت على استنهاضه وتوحيده، وصاغت هويته الوطنية، في مواجهة المشروع الصهيوني
"
4- إن مبادرة فتح لإطلاق الكفاح المسلح شكلت جاذبية كبيرة لها، إذ بدت حركة نضالية، اعتبرت في المزاج الجماهيري ردا على عربدة إسرائيل، كما اعتبرت نوعا من التمرد على الواقع الرسمي العربي.

5- مزجت فتح بين كونها حركة ثورية وكونها حركة سياسية واقعية ومرنة، لشعب مشتت يواجه عدوا فريدا من نوعه، فهذه الحركة أطلقت الكفاح المسلح، وأولت العمل السياسي والدبلوماسي اهتمامها.

وقد عملت على التخلص من وصاية الأنظمة لكنها ظلت ترسخ العلاقة مع النظام الرسمي العربي. وسعت لتطوير العلاقة مع الاتحاد السوفياتي السابق ولكنها ظلت تعمل على تنمية العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

كما نحت نحو التسوية ولكنها لم تتخل عن حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، وكذلك فهي لم تنس مخاطبة مجتمع العدو (الإسرائيلي) بتبنيها مفهوم الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين كحل للمشكلتين الفلسطينية واليهودية اللتين خلقتهما الحركة الصهيونية.

وقبل الحديث عن أزمة فتح، ينبغي الاعتراف بأن هذه الحركة استطاعت أن تحقق إنجازات وطنية كبيرة للشعب الفلسطيني، فهي التي أحضرت هذا الشعب من الغياب، ووضعته على الخريطة، وعملت على استنهاضه وتوحيده، وصاغت هويته الوطنية، وأسست كيانيته السياسية، في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يتأسس في أحد مرتكزاته على تغييب الفلسطينيين، وإلغاء وجودهم.

مسارات الانحسار
لم تكن مسيرة حركة فتح سهلة البتة، فهذه الحركة عملت في ظروف صعبة ومعقدة، على الصعيدين الذاتي والموضوعي، فهي حركة تعمل خارج أرضها، وشعبها مشتت في عدة بلدان، وبرنامجها يختلف، أو يصطدم مع النظام العربي السائد، وموازين القوى بينها وبين عدوها جدّ مختلة لغير صالحها، والمعطيات العربية والدولية غير مواتية لها.

على ذلك فقد واجهت هذه الحركة تعقيدات ومداخلات ومشكلات كبيرة، إذ وجدت نفسها في احتكاك مع النظام العربي للتماثل معه، وهو ما تجسّد في اصطدامات سبتمبر/أيلول (1970) في الأردن وخروجها منه، محرومة بذلك من العمل في أكبر ساحة جماهيرية لها.

كما تمثل ذلك، فيما بعد، في التحول من هدف التحرير (تحرير فلسطين)، إلى هدف الدولة في الضفة والقطاع (1974)، للتماثل مع الشرعيتين العربية والدولية.

وبعد ذلك اندلعت الحرب الأهلية في لبنان (1975) التي وجدت فتح نفسها جزءا منها، مما أدخلها في مواجهات مجانية مضرة للبنان وقضية فلسطين، مع ما تبع ذلك من تبعات سلبية في علاقة هذه الحركة مع سوريا.

وبعد ذلك حدث غزو لبنان (1982) الذي أدى إلى خروج قيادة وقوات منظمة التحرير منه إلى تونس. ثم حصلت الانتفاضة الأولى (1987-1993)، التي جاءت في مناخ انهيار عالم القطبين وسيادة القطب الأميركي على النظامين الدولي والإقليمي، وفي مناخ تفكك النظام العربي بعد احتلال العراق للكويت (1990)، وهي تطورات سهلت عقد مؤتمر مدريد للتسوية (1991)، ومن ثم أفضت إلى عقد اتفاق أوسلو بين المنظمة (وقيادة فتح بالطبع)، وبين إسرائيل (1993).

"
التحولات التي شهدتها فتح أدت إلى تخليها عن كيان المنظمة وتغييبها، لصالح كيان السلطة، كما أنها كادت تخسر الكيانين فهي همّشت المنظمة، ولم تنجح في بناء كيان السلطة بسبب الهيمنة الإسرائيلية وهشاشة مؤسسات السلطة وانقسام الكيان الفلسطيني
"
وقد نتج عن الانخراط في عملية التسوية عدة تحولات، من ضمنها: 
1- انتقال جسم وثقل الحركة الوطنية الفلسطينية من الخارج إلى الداخل، وقد عكس ذلك نفسه على بنى هذه الحركة ورؤاها السياسية وعلاقاتها مع مجتمعها.

2- تراجع حركة فتح عن تبني برنامج المقاومة المسلحة (ولو من الناحية النظرية على الأقل).

3- أدى قيام كيان السلطة في الضفة والقطاع إلى تماهي حركة فتح مع بنى السلطة، واعتبارها حزبا للسلطة؛ مما أدى إلى اتهامها بلوثة التسوية والسلطة، بما لذلك من معان تتعلق بالفساد السياسي والمسلكي.

4- أدت التحولات المذكورة إلى تخلي حركة فتح عن كيان المنظمة (منظمة التحرير) وتغييبها، لصالح كيان السلطة، والواقع أن حركة فتح تكاد تخسر الكيانين، فهي همّشت المنظمة، ولم تنجح في بناء كيان السلطة بسبب الهيمنة الإسرائيلية، وهشاشة مؤسسات السلطة، والانقسام الحاصل في الكيان الفلسطيني.

وفي معمعة هذه المسيرة خسرت فتح عددا كبيرا من مؤسسيها وقيادييها الذين استشهدوا في عمليات اغتيال إسرائيلية، من مثل: أبو يوسف النجار وكمال عدوان وماجد أبو شرار وأبو جهاد وأبو الوليد، واستشهد أبو علي إياد في جرش بالأردن، وتوفي أبو صبري وخالد الحسن، واغتيل أبو إياد وأبو الهول في تونس. وكانت خسارة فتح كبيرة جدا باغتيال قائدها وزعيمها ياسر عرفات، الذي صاغ حركة فتح والساحة الفلسطينية بطريقته.

نظرة نقدية لأزمة فتح
من كل الاستعراض الموجز السابق لمسارات حركة فتح، يمكن القول إن ثمة معوقات موضوعية حدت من قدرة هذه الحركة على إنجاح خياراتها السياسية، في المقاومة أو التسوية ومن الانتفاضة إلى المفاوضة، وفي بناء المنظمة وبناء الكيان.

ومع الاعتراف بكل ما قدمته هذه الحركة من منجزات وطنية فثمة أيضا معوقات ذاتية تكوينية، أدت إلى عدم تمكن فتح من تحقيق المهمات الملقاة على عاتقها.

هكذا مع الزمن يبدو أن فتح مثلها مثل كل الحركات التي يشتد عودها وتسيطر على السلطة، استمرأت موقعها القيادي في العمل الفلسطيني، واتكأت على تاريخها الكفاحي وعلى إمكانياتها وعلاقاتها ونفوذها، ولم تعمل على تنمية هذه المكانة وعلى تطوير هذا الرصيد، لتعزيز دورها والارتقاء في خطاباتها وأشكال عملها ووسائل نضالها.

فمع تعقيدات ومداخلات الصراع ضد إسرائيل، والاحتكاكات مع الواقع العربي، بدا أن فتح باتت غير قادرة على الحفاظ على تميّزها، بل إن بعض الميزات التي ذكرناها، أصبحت تشكل كابحا أمام تطور هذه الحركة، وأمام قدرتها على التجدد.

بل يمكن القول إن الميزات التي تمتّعت بها هذه الحركة، لحظة تأسيسها ونهوضها، من أواخر الخمسينيات إلى السبعينيات، هي بالضبط العوامل التي أصبحت تشكل بعد ذلك (أي من الثمانينيات إلى الآن)، عوامل عطبها واستفحال أزمتها، بما في ذلك قصور قدرتها على تجديد بناها وتطوير طرق عملها ونمط تفكيرها. ويمكن تمثّل ذلك في الجوانب التالية:

"
الميزات التي تمتّعت بها حركة فتح لحظة تأسيسها ونهوضها من أواخر الخمسينيات إلى السبعينيات، هي بالضبط العوامل التي أصبحت تشكل بعد ذلك (أي من الثمانينيات إلى الآن)، عوامل عطبها واستفحال أزمتها
"
1- إن مفهوم حركة التحرر الوطني/الجبهة لم يجر تطويره في فتح، ولم ينضج بالتحول إلى ثقافة سياسية وتنظيمية لدى قيادات وأطر وأعضاء الحركة.

وفي الواقع فإن هيئات وأجهزة الحركة تبنى بطريقة مزاجية وفوضوية وعلى قاعدة المحسوبية (على الأغلب)، وليس على أساس معايير تنظيمية أو نضالية أو معايير تتعلق بالكفاءة، وليس ثمة محاسبة ولا مراجعة، ولا أحد يسأل أحدًا عن أي إنجاز.

وفي الأخير فإن هذه الحركة تحولت إلى مجموعة أجهزة، أو إلى جماعات وتكتلات (مصلحية وليست سياسية أو فكرية كما في مرحلة السبعينيات).

ومشكلة فتح أنها طالما افتقدت هيكلية تنظيمية، إذ لا أحد يعرف حدود العضوية في هذه الحركة، فهي حركة مفتوحة وهيولية، وليس ثمة تراتبية واضحة فيها، ولا مرجعية تنظيمية أو سياسية (إلا بالشكليات) لذلك صعب عليها حتى عقد مؤتمر لها بعد غياب مؤسسها ومشكلها ياسر عرفات.

وهكذا فإن ميزة فتح، باعتبارها ليست حزبا، ولا تتبنى أيدلوجية معينة، لم تعد تحسب لها، وإنما أصبحت تحسب عيبا فيها، لأن هذا الوضع أدى إلى تحولها إلى تجمع شعبوي عشوائي، بروابط سطحية وضعيفة، مما أوصل هذه الحركة لاحقا إلى نوع من الشللية ومراكز القوى.

وهذا التحول حصل في عهد الرئيس الراحل قائد فتح ياسر عرفات، ولكنه في حينه كان يجمع كل الخيوط لديه بفضل ميزاته الخاصة، وعوامل السيطرة التي جمعها في شخصه. وبعد غياب ياسر عرفات أصبحت فتح حقيقة تفتقد الزعامة والقيادة والمرجعية السياسية الشخصية والمؤسسية.

2- لم يجر إنضاج مفهوم التعددية والتنوع على شكل تعايش واضح وسليم وبناء بين التيارات المتمثلة أو المنضوية في فتح بسبب غياب الثقافة الديمقراطية والعلاقات المؤسّسية وضعف علاقات التفاعل والتواصل الداخلية، لصالح العلاقات الأبوية والبيروقراطية، وهو ما أشاع الفردية والمزاجية في إدارة الحركة لأوضاعها ولنشاطاتها.

وهكذا افتقدت فتح روحها بوصفها حركة وطنية تعددية متنوعة، وصارت حكرا على اتجاه واحد. وهذا ما يفسر أن الخلافات الفتحاوية الآن هي على المناصب والامتيازات، وليست على تطوير فتح، أو العمل الفلسطيني. لذلك كله أصبحت فتح بمثابة حركة جامدة متكلسة، لاسيما بعد تراجع البعد النضالي فيها.

3- لم تطور فتح شعاراتها ومنطلقاتها ولذلك فهي لم تنتج خطابا سياسيا/ ثقافيا، يعبر عن روحها بوصفها حركة تحرر، وبقيت هذه المسألة المهمة تخضع لتجاذبات واجتهادات متباينة في الحركة مما انعكس سلبا على توحدها وعلى توجهاتها السياسية، وهذا الأمر يتعلق بفهم فتح للمرحلية في العمل الفلسطيني وللعلاقة بين المرحلي والإستراتيجي ومفهوم الدولة الديمقراطية العلمانية، وإشكالية عملية التسوية، والعلاقة بين القطري والقومي، وأشكال النضال.. إلخ.

4- شكلت هيمنة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية إشكالية كبيرة للحركة لم يجر التعامل معها بطريقة نضالية خلاقة، بسبب غياب العلاقات الديمقراطية وطريقة إدارة قيادة “فتح” للمنظمة، حيث عممت هذه القيادة طريقتها الفوقية والمزاجية في قيادة الحركة على طريقة قيادتها للمنظمة، مما أدى إلى تعويم أطر المنظمة وإضعاف مؤسساتها وشل فعاليتها.

6- إن تحول الحركة إلى حزب للسلطة (على حساب طابعها باعتبارها حركة تحرر وطني) وانخراط أعضائها في الأجهزة والمؤسسات، ولاسيما الأمنية منها، وضعها أمام شبهات منها:
أ- اتهامها بأنها تخلت عن كفاحيتها بعد أن اتجهت نحو التسوية وبعد أن تماهت مع السلطة.

ب- انتشار ظواهر الفساد والمحسوبية في إطار السلطة مما أثار الشبهات حول تنظيم “فتح” وأضعف صدقية الحركة في الشارع الفلسطيني.

"
فتح بوصفها حركة وطنية سياسية تقف اليوم أمام مسارين متعاكسين، فإما النضوج والنهوض على قاعدة من التجديد والتطوير السياسي والتنظيمي، وإما اعتماد الطرق السابقة في القيادة والإدارة مما يؤدي إلى قيادة الحركة ولكن نحو المزيد من الترهل والتفسخ
"
ج- سيادة علاقات الأجهزة البيروقراطية والزبونية على العلاقات السياسية والتنظيمية. والحاصل أن فتح لم تميّز نفسها عن السلطة، إذ سرعان ما تماهت معها، وباتت بمثابة حزب لها، وبذلك أصيبت فتح بلوثة السلطة، بعد أن أصيبت بلوثة التسوية.

النتيجة أن فتح لم تعد ميزتها أنها تضم العناصر الأكثر وطنية ونضالية وكفاءة في الشعب الفلسطيني، بقدر ما تضم المنتفعين، والذين يريدون استغلال وجودها.

على ذلك فثمة تحديات وتعقيدات كبيرة تواجه قيادة فتح في هذه المرحلة، ولا نبالغ إذا قلنا إن فتح بوصفها حركة وطنية سياسية تقف اليوم أمام مسارين متعاكسين، فإما النضوج والنهوض على قاعدة من التجديد والتطوير السياسي والتنظيمي، وإما اعتماد الطرق السابقة في القيادة والإدارة مما يؤدي إلى قيادة الحركة نحو المزيد من الترهل والتفسخ.

وبديهي أن مقاربة قيادة فتح للمسار الأول من شأنها تسهيل عملية التحول والتطور في الحركة، أما مقاومة القيادة له، فربما تؤدي إلى زيادة فقدانها السيطرة، وإلى إضعاف قدرة فتح على مواجهة التحديات الراهنة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات