عبد الله البريدي

تحذير ثقافي: إن أولئك الذين لا يستطيعون تذكّر التاريخ محكوم عليهم بأن يكرروه بأخطائه وهفواته ومآسيه.. محكوم عليهم بألا يستخلصوا منه الدروس والعبر... محكوم عليهم بـ"فقدان الذاكرة".. فلا تراكمية البتة لا في أفكارهم ولا في مشاريعهم!

لا أحسب أننا نبالغ حين نقول بأن ما حدث في غزة مفصل تاريخي يتجاوز تخوم عدوان جديد للثقافة الصهيونية على الشعب الفلسطيني، فما حصل هو تحول نوعي في مجريات كثير من الأمور، لا سيما أنه أكد غلبة "عالم المعاني" على "عالم الأشياء"، وهذه حقيقة متماسكة.

فعالم المعاني هو ما دفع الصهاينة إلى التوافد من "الشتات" إلى "أرض الميعاد" في عملية "ترانسفير" مقدسة، وهو ما يبرر لهم كل أفعالهم القبيحة وعدوانهم القذر على كل ما هو عربي وإسلامي، وليس شيئا آخر غير "عالم المعاني" يحرك -في المقابل- الفلسطينيين لاستعادة الأرض والمقدسات والكرامة.

"
نحن بأمس الحاجة إلى "صناعة" كتاب كبير، يمكن أن نسميه "كتاب غزة" بغية الاحتفاظ بـ"ملفات غزة" في ذاكرتنا الجمعية بل في ذاكرة الإنسانية جمعاء، على نحو يكرس لعدالة قضيتنا وطهوريتها وبما يلهمنا نحن ويحرج أعداءنا, أعداء العدالة والطهارة
"
إذا تقرر ما سبق، فإنه يكون لزاما علينا أن نعمل جاهدين بغية الاحتفاظ بـ"ملفات غزة" في ذاكرتنا الجمعية بل في ذاكرة الإنسانية جمعاء، على نحو يكرس لعدالة قضيتنا وطهوريتها.. وبما يلهمنا نحن ويحرج أعداءنا.. أعداء العدالة والطهارة.. إذن نحن بأمس الحاجة إلى "صناعة" كتاب كبير يمكن أن نسميه "كتاب غزة".

كتاب يجعلنا قادرين على "تحنيط" صور "القذارة الصهيونية" من جهة، و"تخليد" ملاحم المقاومة والصمود والانتصار لعالم المعاني من جهة ثانية..

ثمة أمور منهجية كثيرة ينبغي مراعاتها بشكل دقيق لصناعة كتاب يرقى لمستوى "مفصلية" تلك المرحلة وانعكاساتها في المستقبل القريب والبعيد، من هنا أومئ على عجل إلى بعض من تلك الأمور المنهجية:

1-إن "كتاب غزة" هو كتاب حقائق عن غزة، مما يجعلنا نطالب بتوخي الدقة في المعلومة والعرض والتحليل، مع وجوب التركيز على "التوثيق المصوّر"، فالصور لها دلالات كبيرة ومباشرة، كما أن ذلك يعين على الاختصار في الجانب السردي الذي قد يكون مظنة الخطأ أو عدم الدقة أو عدم الاكتمال.

2- إن "كتاب غزة" هو لكل غزة وليس كتاب دعاية لفصيل بعينه، لأننا نروم أن يكون كتابا يحظى بالقبول العام (مع علمنا بأن البعض مدمن لسياسة التنغيص على الأعمال الحقيقية! ولكن أولئك أقل شأنا من أن نكترث لهم!).

3- أن يتم إنجاز الكتاب وفق منهجية علمية محكمة يشرف عليها خبراء، مع الحرص على "ترصيع" الكتاب بالثوابت الكبرى للقضية الفلسطينية، كما يجب أن يتسم الكتاب بجودة العرض وذكاء الاختصار.

ويستهدف "كتاب غزة" التوثيق الكامل بالحقائق والصور لتلك المرحلة المفصلية، ما يجعلنا قادرين على أن نفكر بطريقة أفضل وأن نحتفظ بملفات ذاكرتنا الجمعية بشكل أكثر انتظاما وفعالية.. ونحن حين نقول "كتاب غزة" لا نقصد أنه كتاب واحد بل هو عمل تاريخي فكري ضخم مكون من أجزاء متعددة، مع تأكيدنا على الأمور التالية:

"
من الضروري تخصيص أجزاء من الكتاب للموضوعات الهامة، والتي قد يكون من بينها أجزاء تخص شهداء العدوان الصهيوني، وكافة المصابين جراء العدوان, والتلفيات التي أصابت المعالم الأساسية في القطاع, والتعريف بالعدوان الصهيوني وهمجيته   
 "
أ- ضرورة أن يستهدف "كتاب غزة" جميع الشرائح على اختلاف الأعمار والمستويات العلمية والفكرية.

ب- أن يتم تخصيص أجزاء للموضوعات الهامة، والتي قد يكون منها أجزاء:

* لكافة شهداء العدوان الصهيوني، على أن يكون ذلك في شكل ملف تعريفي مختصر (أو ما يعرف بـ"بروفايل" Profile)، ويمكن أن يتضمن: الاسم– الجنس- العمر– المؤهل– العمل– سبب الاستشهاد.

* لكافة المصابين جراء العدوان، مع استخدام فكرة الملف التعريفي أيضا، وذكر نوع الإصابة والإشارة فيما إذا كان المصاب يحتاج إلى عناية صحية إضافية خاصة (لفتح الباب لمن يريد الإسهام في علاج بعض المصابين).

* للأسلحة الفتاكة التي استخدمها العدو الصهيوني، مع ذكر مصدر السلاح وأضراره، والإشارة إلى ما إذا كان ضمن الأسلحة المحظورة أو المحرمة، ووضع ملحق يحتوي على بعض الصور التي تعكس حجم التدمير والفتك بالإنسان والبيئة بكافة محتوياتها.

* للتلفيات التي أصابت المعالم الأساسية في قطاع غزة، بما في ذلك المستشفيات ومباني الأونروا وغيرها من المؤسسات الدولية، مع إعطاء معلومات إحصائية دقيقة تغطي كافة التلفيات التي أصابت القطاع.

* لبعض الممارسات والصور التي تعكس "عدائية الثقافة الصهيونية" (ومن ذلك ما رأيته في ملف مصور -عبر البريد الإلكتروني– يعكس صور بعض "أطفال الصهاينة" الذين كانوا يكتبون رسائل إلى "أطفال غزة" على صواريخ القتل والتدمير! وفي هذا الجزء أرى وضع نماذج من الفتاوى الدينية لعلماء الصهاينة ومتطرفيهم للتأكيد على دوغمائية التفكير الصهيوني الذي يسعى جاهدا للظهور كتفكير عقلاني منفتح!).

* للتعريف بالعدوان الصهيوني وهمجيته باللغة الإنجليزية وباقي اللغات العالمية المهمة.

* للمظاهرات والمسيرات التي انطلقت في كافة أرجاء المعمورة لتأييد غزة والتنديد بوحشية الصهاينة.

* لكافة الوثائق والشهادات الصادرة من قبل مؤسسات حقوق الإنسان والمؤسسات الحقوقية والشخصيات المفتاحية في العالم، التي تندد بالعدوان الصهيوني وتجرمه وتدعو إلى محاكمة الصهاينة.

* لكافة الصور المتاحة عن قطاع غزة أثناء العدوان الصهيوني وبعده، مع تضمين بعض الصور عن القطاع قبل العدوان من أجل المقارنة.

* للرسائل التي وجهها أطفال غزة أثناء العدوان الغاشم وبعده، مكتوبة وشفهية، مرئية ومسموعة.

* لـ150 قصة مؤثرة لبعض الضحايا من الأطفال والنساء، مع تضمينه لمقابلات مع أبطال القصة.

* للأضرار التي لحقت بالعدو الصهيوني في الجوانب السياسية والقانونية والعسكرية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية.

"
عند الشروع في إنجاز هذا الكتاب يجب الحرص على إنجاز المشروع من قبل المؤسسات العلمية والبحثية ومؤسسات المجتمع المدني في القطاع, مع ضرورة استخدام التقنية الحديثة لصناعة الكتاب, على أن يتم تخصيص ميزانية كافية لذلك
"
وغني عن الذكر أن الأجزاء السابقة المقترحة هي من قبيل العصف الذهني المبدئي لا غير، ومن ثم فهي قابلة للحذف والإضافة والتوحيد والتجزئة وغير ذلك.

وعند الشروع في إنجاز هذا المشروع، أرجو توخي ما يلي:

1- أن يحرص على إنجاز المشروع –بشكل جوهري- من قبل المؤسسات العلمية والبحثية ومؤسسات المجتمع المدني في قطاع غزة كنوع من التقدير لغزة ومؤسساتها وعلمائها ومفكريها، وهذا لا يمنع قطعا الاستفادة من العلماء والخبراء الآخرين.

2- ضرورة استخدام التقنية الحديثة لصناعة الكتاب ومن ذلك الوسائط الإلكترونية (سي دي– دي في دي– ملفات الفيديو– أم بي ثري..).

3- أن يتم تخصيص ميزانية كافية للعمل، وهنا أتوجه بطلب دعم مالي كاف للمشروع، فمن ينال شرف السبق في مثل هذا المشروع التاريخي الكبير؟

على أن إنجاز المشروع بهذا النحو لا يعني أن الكتاب بأجزائه سوف يوزع بشكل خيري أو شبه خيري بل يجب أن يباع بأسعار جيدة وفق دراسة دقيقة، بحيث تعاد ألأموال لتلك المؤسسات العلمية والبحثية كنوع من الضمانة لاستمرارها في نضالها العلمي والفكري، لاستعادة الأرض والمقدسات والكرامة!

وأخيرا لعلكم تصغون معي لـ"أوسكار وايلد"، حيث يقول لنا ولغيرنا: إن أي مجنون يمكن أن يصنع تاريخا ولكن كتابته تحتاج إلى عبقرية!
ـــــــــــــ
كاتب وأكاديمي سعودي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك