خالد الطراولي

خالد الطراولي

كاتب وأستاذ جامعي تونسي

 
 
وضعت إيطاليا أسطولها الجوي لحمل كل المهاجرين المسلمين إلى ديارهم بعدما وافق البرلمان بأغلبية فاقت 90% على طردهم من البلاد. وفي هولندا دعا الرئيس الجديد -وهو من أقصى اليمين- إلى إلزام المسلمين بحمل شارة خضراء على ثيابهم حتى يقع تمييزهم عن بقية الشعب. وفي فرنسا وافق البرلمان على سحب الجنسية من الفرنسيين المسلمين وطرد كل المسلمين المهاجرين إلا إذا أعلنوا تنصرهم وبدلوا أسماءهم. وفي إسبانيا فُرض على المسلمين ألا يتزوجوا من غير جنسهم وألا ينجبوا أكثر من واحد حتى ينتهي نسلهم في القريب.

هذا كابوس ولا شك، ولعله حلم بعض العقول المريضة وأمل بعض السياسيين المتطرفين، ولكنه يبقى إلى حدود هذا الزمان الرديء قصة من الخيال العلمي أو السياسي وسيناريو بليد الإخراج والتوقيع، ونتمنى ألا يتجاوز ذلك!

"
إننا نحمل مسؤولية وأوراقا عدة لتغيير وجهة المسار, فإما أن يتواصل التواجد الإسلامي بكل ما يحمل من هفوات وأخطاء حتى يقع المحظور، أو نتدارك الأمر اليوم ولا نجعل من تغييب المآذن في سويسرا تغييبا لعقولنا وحسن أعمالنا
"
من هنا مرت المآذن
نعم هذا من الخيال، ولكن أحداثا غريبة تقع قريبا من حيّنا كنا نظنها من الخيال فأصبحت واقعا يمشي بيننا ويقض مضاجعنا! من كان يتخيل أن بلادا ترفع عنوان الحياد واحترام حقوق الإنسان يقع فيها استفتاء حول هذه الحرية ذاتها: هل نعطيها للبعض ونمنعها عن الآخرين؟ لقد قررت سويسرا بأغلبية الثلثين تقريبا حظر إنشاء المآذن على أرضها! من كان يصدق أنه في بلاد التسامح والتعارف والقبول الذي عرفت به هولندا يتجرأ رئيس أحد الأحزاب الكبيرة والمتطرفة ويدعو لسن ضريبة ضد الحجاب قيمتها 1000 يورو تفرض على كل امرأة تحمله؟!

حقيقة مرة بلا شك وتستدعي أكثر من وقفة وأكثر من مراجعة. ليست غايتي التهويل فنتيجة الاستفتاء لم تفاجئني وأنا الذي أعيش في الغرب منذ قرابة ربع قرن، والسؤال المطروح دون كثير حديث: ما العمل؟ ما الأرض التي نقف عليها؟ ما الأوراق التي بأيدينا؟ هل من ذنب نحمله تجاه هذا التردي؟ وهل من الممكن تغيير بوصلة العداء والإسلاموفوبيا التي اجتاحت العقول الصغيرة والكبيرة؟ وما دورنا في تغيير هذا المعطى نحو أطر أفضل وأسلم للجميع؟

نعم للخارج عن الوطن الأوروبي الدور الكبير في تشويه صورة الإسلام، فمن هنا مرت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، ومن هنا مر الإرهاب الذي ضرب إنجلترا وإسبانيا، وتشوهت الصورة وأصبح الإسلام عند الكثيرين -حتى من لا يحمل داخله أي كره سابق أو عداء للإسلام- إلى وحش وأصحابه إلى برابرة وغزاة. لقد خدمت هذه الأحداث وهذا الجهل تفاقم التطرف والخوف والكراهية عند عامة الناس، واستغل بعض المهمشين سياسيا هذا البعد وأشعلوا الفتيل.. فكان اللعب بالنار!

إني أجزم أننا نحمل مسؤولية وأوراقا عدة لتغيير وجهة المسار إذا وعينا دورنا ومسؤوليتنا التاريخية، فإما أن يتواصل التواجد الإسلامي بكل ما يحمل من هفوات وأخطاء حتى يقع المحظور، أو نتدارك الأمر اليوم ولا نجعل من تغييب المآذن في سويسرا تغييبا لعقولنا وحسن أعمالنا.

فهم الواقع جزء من نجاح التفاعل معه
إذا أردنا أن نفهم دورنا فعلينا تشخيص واقعنا والوعي بأطرافه وخطاباته، ورغم أن هذا الواقع الذي يعيشه المسلمون يحمل أطرافا عادلة وحقوقية وذات أخلاق وقيم، فالضفة المقابلة التي تحمل هذا التوجس والريبة أو الكراهية والعداء تنقسم إلى ثلاثة أصناف:

1- صنف مسيّر لا مخير وهم عامة الشعب، من يعلن توجسه أو عداءه جهرا أو يخفيه، والحقيقة التي تواجهك في هذا الجانب وتفاجئك هو سهولة تشكيل عقول العامة والاستخفاف بها وقيادتها حيث يراد لها، وقد كنت إخال سابقا أن موت الوعي واستحمار الجماهير وقابليتها للاتباع حكرا على بلداننا حيث الوعي المغشوش والإعلام المسير والتمدرس والتعلم المنقوص مع استبداد سياسي، مما يولد فكرا جماهيريا معتلا وشعوبا قابلة للانقياد على وقع جهل مدقع وفقر وجور! والمجتمع الأوروبي يحمل داخله نصيبا وافرا ممن يحملون هذه القابلية للانقياد والاستدراج مدفوعا إلى ذلك من قبل مهرجين سياسيين يعملون بقوة على استغلال هذا الباب كمدخل انتخابي نحو السلطة.

2- صنف سياسي يبحث عن موقع ومكاسب سياسية تؤهله للحكم والسلطة، أوجد لنفسه برنامجا حزبيا يستند أساسا إلى معاداة كل ما هو أجنبي مع نصيب أوفى للإسلام والمسلمين. كما يتركز خطابه أساسا على التخويف ودغدغة مشاعر الكراهية والعداء لكسب التفاف الجماهير.

3- صنف علماني، كان يظن أن معركته مع الدين قد حسمت منذ أكثر من قرن، وسقطت المسيحية مغشية عليها وخرجت من الحلبة السياسية والثقافية. هذا الضمور الديني لدى العامة بدأ يتغير عند طرف جديد دخل الساحة دون سابق إعلام، حيث ظهرت الجالية المسلمة وهي تحمل دينا جديدا يحمل مقاربة نوعية للحياة، واكتسح بعض الشيء المجال الخاص والعام فكانت المواجهة. العلمانيون لم يقبلوا عودة المقدس ولن يرضوا بغير اللائكية بديلا أو منغصا.

"
المجتمع الأوروبي يحمل في داخله نصيبا وافرا ممن يحملون القابلية للانقياد والاستدراج، مدفوعا إلى ذلك من قبل مهرجين سياسيين يعملون بقوة على استغلال هذا الباب كمدخل انتخابي نحو السلطة
"
ما العمل؟
رغم أن الإجابة تتطلب أكثر من ورقة وندوة وخطة، ولكن نظرا لمتطلبات النشر سنقف عند رؤوس أقلام ولن نتوسع في تأصيل بعض المواقف ولا في ذكر بعض الوقائع والحوادث، وسنتجنب التعاطي رقميا مع بعض المعطيات:

1- العمل الهادئ والصامت بعيدا عن الصخب الإعلامي، فليس من مصلحة المسلمين الخوض في كل واقعة والرد على كل استدراج وإثارة وما أكثرها، فكل حدث تقريبا داخليا أو خارجيا إذا حمل شحنة من السلبيات فإن البحث لدى المهاجر والإسلام عن علاقة ممكنة بينها، يحدث حوارات هامشية يركبها أصحاب البحث في الأدران، سرعان ما تتفاقم وتحرق الأخضر واليابس.

2- فهم فقه الأولويات وتنزيله على الواقع المهجري، وكم هو عقيم فهمنا لهذا الفقه في باب الفقه العام، فما بالك وهو يتنزل في فقه الأقليات، وكم هي القواعد المنسية في هذا الباب والتي تخول مخارج وحلولا غير منبتة عن واقعها وليست حيلا فقهية مسقطة، ولكن أدوات ووسائل ورؤى تفقه مرحلتها وتتفهم مسار واقعها. ومن مثل هذه القواعد: الفرائض والأصول أولى بالتقديم من النوافل والفروع، والأكثر مفسدة أولى بالدرء من الأقل مفسدة، وغيرها كثير.

فما هو الأهم وما هو المهم؟ ما هو الواجب وما هو المستحب؟ ما هو الحرام وما هو المكروه؟ أليس الأصل تقديم الأوجب على الواجب والواجب على المستحب وأن نتساهل في السنن والمستحبات ما لا نتساهل في الفرائض والواجبات كما يقول الشيخ القرضاوي؟

بين المئذنة والمسجد هناك فقه للأولويات، وبين المسجد والمدرسة الإسلامية هناك فقه للأولويات، وفي هذا الباب يمكن أن يندرج القبول بالمسموح به والرضا حتى بالأقل من المسموح إذا كان ذلك يعطل مصالح الإسلام والمسلمين ويشوه الصورة لدى العامة والخاصة.

3- العمل الجدي والمنهجي الذي يستشرف المدى الطويل، فوجود المسلمين لا يزال حديثا، وتاريخهم القديم والحديث مع مضيفيهم لا يزال تشوبه عوامل منغصة لعلاقة مهتزة، فمن هنا مرت الحروب الصليبية، ومن هنا مر الاستعمار. وكل هذا لا يمكن فسخه من التاريخ ومن المخيال الشعبي، ويجب تفهمه وعدم تحريكه أو السقوط في إثارته وتحريك أوجاعه. إن وجود المسلمين في الغرب ليس وجود أقلية عابرة ومسافر استظل بأغصان شجرة حتى يمر المطر، ولكنه وجود دائم واستقرار تام في أوطانهم يفرحون لفرحها ويحزنون لأحزانها.

4- توحيد الكلمة، وتوحد المواقف، ووحدة الصف.. لا تعني وجود هيئة وحيدة جامعة -وهو حلم لا يزال بعيد المنال- ولكن حمل نفس الهم والعمل الرصين الموحد للوصول إلى الهدف. ولعل تضارب المواقف والتنافس غير البريء أحيانا بين المنظمات والهيئات، ولّدا تشرذماً لدى المسلمين في الساحة الغربية، حيث دخلت الولاءات الخارجية للوطن الأم دخولا غير طيب أحيانا، وساهمت في توجس النفوس وريبتها. وللنخبة -جاهلة كانت أو متعلمة- الدور البارز في هذا الباب، وتحمل مسؤولية عظيمة أمام الله أولا وأمام التاريخ في نجاح استقرار المسلمين أو فشله.

وقد عشت أخيرا فصلا محزنا من هذا السقوط حيث وافق عمدة البلدة التي أسكنها على منح المسلمين قصر الرياضة البلدي لكي يؤدوا صلاة العيد عوضا عن مسجدَيهم، لكنّ الجميع تخاصموا كلٌّ يريد النصيب الأكمل والحضور الأوفى، وفتح كل طرف مسجده يوم العيد مع القصر البلدي، وتدفق المصلون وعاش الجميع موقف ذهول وحزن وحياء، فإلى أين المسير والقبلة واحدة وأماكن الصلاة ثلاثة وعمدة البلدة المسيحي الديانة يسهر على جمعهم؟!

"
لو سعى الجيل الحالي إلى تكريس كل قواه وطاقته وأوقاته وماله لبناء الطفل المتعلم والمتربي، والطالب المتحصل على الشهادات والواعي، لكُنا وصلنا إلى بناء محطات سليمة نحو الأفضل والتفاعل الإيجابي مع هذه المجتمعات
"
5- يجب أن لا ينسى المسلمون أنهم ما زالوا ضيوفا حتى وإن وصل وجودهم إلى الجيل الثالث والرابع، فالمخيال الشعبي كما ذكرت متأزم، وكثيرا ما تسمع من البعض "لا تنسوا أنكم ضيوف عندنا"، وهي مقولة حقيقية بقطع النظر عمن يحملها عنصرية أو عداء وكراهية، فلنا أن نفعّلها في صالح هذا الوجود واستقراره السليم، وسلوكياتنا في هذا الباب هي التي ستبني لنا صرحا فوق الأرض أو سراديب تحتها.

ولعل دينا مثل الإسلام الذي يركز على جانب السلوكيات والمعاملات الاجتماعية مع الضيف والجار والصاحب والرفيق والصديق والمنافس وحتى العدو -والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة- من شأنه أن يدفع المسلمين إلى مزيد من تفعيل هذا المقدس الجميل والحافل، والتركيز التام على جانب السلوكيات لإيصال الصورة الصحيحة عن الإسلام والمسلمين.

6- الكيف ثم الكيف ثم الكيف، فالمسلمون يلمسون ولا شك تجارب الآخرين وهم يستقرون في هذه البلاد، وكيف وصلت أقليات أخرى بكل هدوء وتواجدت في أكثر من منبر وإطار، وحمت نفسها وسعت إلى خدمة طائفتها وأوطانها الجديدة. وليس من باب أوسع للمسلمين من العلم والتربية، فلا يمكن أن تنال مباركة الناس واحترامهم لك وأنت تملأ سجونهم بأبنائك، ولا يمكن أن تنال رضاهم وهم يرون فيك عالة عليهم تستغل كرمهم وتستجدي أموالهم وتعيش على مساعدتهم، ولست بانيا ومساهما في إقامة صرح مجتمعاتهم.

نستطيع أن نعيش بدون مئذنة، ولكننا لا نستطيع البقاء بدون مدرسة.. نستطيع أن نتواجد بدون أذان خارجي، ولكننا لا يمكننا الاستقرار مطمئنين بدون علم وسلوك حسن.

فلو سعى هذا الجيل إلى تحديد هدف وحيد وسليم -وهذا يعيدنا إلى فقه الأولويات- وإلى تكريس كل قواه وطاقته وأوقاته وماله لبناء الطفل المتعلم والمتربي، والطالب المتحصل على الشهادات والواعي، وذلك عبر تكاتف عنصر الأسر والمدارس الإسلامية وأصحاب الشأن الإسلامي من منظمات وهيئات، لكُنا وصلنا إلى بناء محطات سليمة نحو الأفضل والتفاعل الإيجابي مع هذه المجتمعات بتسليمنا لها مواطنا كريما واعيا رشيدا يحمل عنوان إسلام التعارف والبناء والحضارة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك