عدنان زغلول

عدنان زغلول

عدنان زغلول


لا يزالُ صدى المقولةِ الدارجةِ عن خطرِ المدِّ الشيعيِّ الإيرانيِّ وتقدُّمِهِ في المرتبة على خَطَرِ المشروعِ الصهيونيِّ يتردَّدُ في أجواء الفكرِ والسياسةِ ويؤثـِّرُ في صنع الأحداثِ بل والقراراتِ الحاسمةِ التي ترسمُ معالِمَ مستقبلِ هذه المِنطقة. ولا ينبغي في هذه المرحلةِ الفاصلةِ من تاريخ الأمةِ أن تغيبَ حقائقُ الأمور عن وَعْيِ جمهورِ مُثقفيها وضميرِ أصحابِ القرارِ فيها. ففي هذه المقولةِ، كما يُرَوَّجُ لها، تَجاوزٌ لمبادئ ومفاهيمَ أساسيةٍ تتعلقُ بوجودِ هذه الأمَّة.

وفيها تغييبٌ لفكرةِ الأمّةِ الواحدةِ يَتجلّى في اعتبارِ بَعْضِ شعوبِها ومذاهبِها خارجَ إطارِ الأمةِ وتصنيفِهم أعداءً واعتبارِهم الخطَرَ الرئيسيّ. وفي المَقولةِ تفريطٌ في ثوابتِ الأمنِ القوْميِّ عندما نتَصَوَّرُ إمكانيةَ تقاطُعِ مصالحِ الأمةِ معَ مصالحِ أعدائِها الحقيقيين على حسابِ مصالحِ فريقٍ من شعوبِ الأمةِ ودُوَلِها.

"
في مقولة الخطر الشيعي يبدو غيابُ فَهْمِ سياسةِ الأولوياتِ في التعاملِ مع القضايا عندما تتقدمُ الجزئياتُ والخِلافياتُ من المسائلِ المُستهلَكةِ تاريخياً على الكُلّيّاتِ في النظر إلى المصالحِ الكُبرى
"
وفي المقولةِ يبدو غيابُ فَهْمِ سياسةِ الأولوياتِ في التعاملِ مع القضايا عندما تتقدمُ الجزئياتُ والخِلافياتُ من المسائلِ المُستهلَكةِ تاريخياً على الكُلّيّاتِ في النظر إلى المصالحِ الكُبرى وتترَكُ كي تؤثِّرَ في تأسيسِ منهج التعامُلِ مع التحدياتِ الخطيرةِ المشتَرَكة.

وفي المَقولةِ يتَجلّى غيابُ الرؤيةِ الواضحةِ للأمورِ والنظرةِ المُعَمَّقةِ لمواقِعِ مَصالحِ الأمّةِ والتعريفِ بأصدقائِها وأعدائِها، ويبدو فيها ضيقُ الأفُقِ في فَهمِ الأحداثِ وتفسيرِها ليس على صعيدِ النظامِ الرسميِّ فحسبُ بل يمتدُّ ذلك ليَشملَ زُمرةً من الحركاتِ والتنظيماتِ ونُخَباً من المثقفين.

وفي المقولةِ بعدَ ذلك كُلِّه تنبعثُ رائحةُ الفتنةِ بين طوائفِ الأمّةِ وشعوبِها حتى يصلَ الأمرُ إلى استعداء أعداءِ الأمّةِ على صِلَةِ أرحامِها وأهلِ الجِوارِ والمِلَّةِ ممن ينتمون إليها.

بل إنَّ الاستغراقَ في تردادِ هذه المقولةِ والتنظيرِ لها يعني الوقوعَ في مصيدةِ توظيفِ الوَعْيِ العربيِّ المُسلِم لِخدمةِ أغراض المشروعِ الصهيونيِّ وأهدافِه.

إذا استعرضنا الخارطةَ المذهبيةَ والعِرقيةَ والسياسيةَ لهذه المِنطقةِ نجدُ ثمّةَ محاورَ عدةً تتشابكُ وتتقاطَعُ لتُشَكِّلَ المشهدَ العامَّ لهذا الموضوع، ففي المحورِ المذهبيِّ والطائفيِّ يجري الحديثُ عن السُنّة والشيعة، وفي المِحورِ القوميِّ يجري الحديثُ عن العربِ وإيران، وفي المحورِ السياسيِّ يجري الحديثُ عن مشروعين: المشروعِ الغربيِّ الصهيونيِّ، والمشروعِ الرافضِ والمقاوِم.

وتتزاحمُ هذه المحاوِرُ في كثيرٍ من المواقفِ بحيثُ تختلطُ الأمورُ أحياناً ويُشكِلُ على البعضِ فَهمُها.

وبرأينا أن التقسيمَ الذي تطرحُهُ المقولةُ تقسيمٌ باطلٌ أساساً ولا يستندُ إلى حقيقةٍ، وذلك عندما تضعُ المقولةُ "الشيعةَ وإيرانَ" مقابلَ "السُنّةِ والعرب" كَطَرَفَيْ صِراعٍ تقسيماً افتراضياً للخروج منه بنتيجةٍ مُقرَّرةٍ سلفاً لِخدمةِ أغراضِ هذه المقولة.

فهذا التقسيمُ يتجاهلُ أن هناك شيعةً عَرَباً يمتدون في طولِ بلاد العربِ وعرضِها، ولهؤلاء انتماؤُهُم وحُضورُهم العربيُّ في الماضي والحاضر. وفي إيرانَ فسيفساء من الأعراقِ والقومياتِ من فُرسٍ وعَربٍ وتُركٍ وأكرادٍ وبلوشٍ وأذَر وغيرِهم تناهزُ نصفَ سكان هذه الدولةِ الإسلاميّة، وفيهم الشيعةُ والسُنّة من هذه الأصول كافَّة.

هذا التداخلُ في التصنيفِ بين المذاهبِ والشعوبِ في دُوَلِ المِنطقةِ يُفرِّغُ التقسيمَ المُفتَرَضَ الذي يُقررُه أصحابُ المقولةِ من مُحتواه.

لكنَّ هناك تقسيماً هو في الحقيقةِ ما يَتَحاشى الاعتِرافَ به أصحابُ مقولةِ "الخطرِ الشيعيِّ الإيرانيّ"، وهو أنَّ من كُلِّ هذه المذاهبِ والقومياتِ قوىً حليفةً وتابعةً للمشروع الغربي الصهيونيِّ عرباً وعجماً وسُنّةً وشيعةً، وأنَّ من كلِّها كذلك قوىً رافضةً ومقاومةً لهذا المشروع.

وتتعدَّدُ مواقفُ الناسِ وتختلفُ آراؤهم في تعقيدات المشهدِ لتصنيفِ كلِّ فئةٍ من هذه الفئاتِ وتحديدِ موقعِها على خارطةِ الصراعِ في المِنطقةِ وتوصيفِ موقفِها وفَهمِه في إطار الرؤيةِ السياسيةِ والدينيةِ والقوميةِ لكل فريق.

ونخلُص من ذلك كلِّه إلى أنَّ التقسيمَ الفاعلَ والمؤثِّرَ ينبني على المواقفِ السياسيةِ من قضايا الأمّةِ بعيداً عن الانتماءات المذهبيةِ أو العِرقية.

المذهبُ الشيعيُّ مذهبٌ قديمٌ نشأ في مُعتَرك الأحداث السياسيةِ التي تزامنتْ مع عهدِ الخلافةِ الراشدةِ، ثم تَبَلْورَ وامتدَّ كأكبرِ مذهبٍ إسلاميٍّ بعدَ مذهبِ السُنّة.

"
الخلافاتِ بين المذهبين السني والشيعي لا تُبَرِّرُ لأتباعِ أحدِهما ادِّعاءَ خروجِ الآخَرِ من المِلَّةِ، إذْ العقائِدُ الأساسيَّةُ التي تتعلقُ بالوَحدانيةِ والنُبُوَّةِ والكتابِ واحدةٌ، وهي التي بها يَثبُتُ انتماءُ المذهبين إلى مِلَّةِ الإسلام، كما إلى الأُمّةِ الإسلاميةِ الواحدة
"
لا مفرَّ من الاعترافِ بأن هناك اختلافاتٍ بين المذهبينِ متعددةً بعضُها فِقهيٌّ وبعضُها فِكريٌّ وسلوكيٌّ انتهتْ بخلافاتٍ بينَ أتباع المذهبين لا نُهَوِّنُ من شأنها وآثارها السلبية في العلاقة بين الطائفتين في ماضي الأمةِ امتدتْ حتى حاضرِها، لكنَّ هذه الخلافاتِ لا تُبَرِّرُ لأتباعِ أحدِ هذين المذهبينِ ادِّعاءَ خروجِ الآخَرِ من المِلَّةِ، إذْ العقائِدُ الأساسيَّةُ التي تتعلقُ بالوَحدانيةِ والنُبُوَّةِ والكتابِ واحدةٌ، وهي التي بها يَثـْبُتُ انتماءُ المذهبين إلى مِلَّةِ الإسلام، كما إلى الأُمّةِ الإسلاميةِ الواحدة، وإنَّ دعوةَ التكفيرِ المتبادَلَةَ التي يُرَوِّجُ لها البعضُ من شأنها تقسيمُ الأمّةِ التي وحَّدَها الإسلامُ ومِن شأنها تفريقُ أهلِها.

برأينا أنّه لا مَطْمعَ ولا خطةَ لدى أتباعِ أيٍّ من المذهبين لِغَزْوِ ساحةِ المذهبِ الآخَرِ. فأهلُ المذهبين كلٌّ مؤمنٌ بمذهبهِ بل متعصبٌ لهُ بما لا يُخشى منه التحوُّلُ عنه. وما يُقالُ عن حالاتٍ جرى فيها نشاطٌ للدعوةِ المذهبيَّةِ أسفر عن حالاتٍ للتشَيُّعِ في أوساطِ السُنّةِ إنما هي حالاتٌ محدودةٌ لا يترتبُ عليها شأنٌ ذو بالٍ يُذكَرُ على الصعيد العامِّ، فضلاً عن أنَّ لها أسبابَها ودوافِعَها التي قد تُلقي هذه الدراسةُ الضوءَ عليها.

وإذا كان ثَمَّةَ مَن يدعو إلى التشَيُّعِ أو التَسَنُّنِ في أوساط المذهبين فأحرى بهؤلاءِ وأولئكَ أن يلتفتوا في دعوتهم إلى فضاء العالَمِ الواسعِ الذي تفتقرُ شعوبُهُ إلى قواعدِ التوحيدِ الأساسيةِ وباتتْ مجتمعاتُهُ أحْوَجَ إلى فهمِ ِرسالةِ الإسلامِ الذي ما زالَ خِطابُ دُعاتِه في مَنأىً عن وُلوجِ ثقافاتهم والتفاعلِ معَها، فذلك أجدرُ من أن نَحرثَ في بحرِ التنافُسِ العَبَثيِّ فيما بَيْنَنا يَطْمَعُ بعضُنا في بَعض.

فأين يكمنُ إذن خَطَرُ هذا المدِّ الذي كَثُرَ الحديثُ عنه إن كان ثمَّةَ خَطَرٌ، وما هي طبيعَته؟

إنَّ الخطرَ في واقعِ الحالِ لا يكمُنُ في مَدٍّ شيعيٍّ أو إيرانيٍّ أو ما قد يُتَوَهَّمُ من هذا القبيل، ولكنَّه يكمُنُ في عدَمِ إدراكِ الخطرِ الحقيقيِّ الواقعِ على الأمّة، ويكمنُ في كُلِّ تَصوُّرٍ ودعوةٍ تحاوِلُ أن تَغُضَّ الطرْفَ عنه أو تُقَلِّلَ من شأنِه، وما مقولةُ الخطرِ الشيعيِّ والإيرانيِّ إلا محاوَلةُ لتبرِئَةِ نِتاجِ المشروعِ الصهيونيِّ المُتَمثِّـلِ في "الكيانِ الإسرائيليِّ" مِن وَصْفِ "الخطر" وصولاً إلى ترسيخ فَهم "هذا الكيان" كواقعٍ مشروعٍ يملكُ حقَّ الوجودِ الآمِنِ في المِنطَقةِ فضلاً عن شريكٍ في سلامِها وأمنِها وتنميتِها كـ"شرقٍ أوسطَ"، بعد أن سُمِّيتْ بغيرِ اسمِها العربيِّ الإسلاميِّ لِيتبوأَ فيها هذا الكيانُ موقعَ الريادةِ في معايير "التقدم والديمقراطية" ومركزَ السيادَةِ في صُنعِ القرار!.

ولا يَتأتّى ذلك إلا بالترويجِ لِخطَرِ مشروعٍ بديلٍ يُلبَسُ ثوبَ تهمةِ المُجرمِ الحقيقيِّ لصرفِ الأنظارِ عنه وتحويلِها إلى وِجهةٍ أخرى.

من الناحيةِ الموضوعيةِ فإننا نعترفُ بأن ثمّةَ خطراً قد باتَ يُهددُ أطرافَ الترويج لهذه المقولةِ، لكنه ليس خطراً مذهبياً يُهدِّدُ أهلَ السُنّة ولا خطراً على مصالحِ الأمّةِ، بل هو خطرٌ على المشروعِ الإسرائيليِّ وعلى النظام الرسميِّ العربيِّ اللَذَيْنِ باتا يُشكِّلانِ شراكةً إستراتيجية لتعاونٍ إقليميٍّ ينفردُ فيه الكيان الإسرائيليُّ بإدارةِ شؤونِ هذا الإقليمِ الجديد.

وهذا الخطرُ الواقعُ عليهم ناجمٌ عن التأثيرِ العامِّ للموقفِ السياسيِّ المُعلَن الذي تتبناهُ دولةُ المركز في إيرانَ، وهي المُمَثِـّلةُ بواقع الحال لِجُلِّ طائفةِ الشيعةِ في المِنطَقة. هذا الموقفُ هو المُتَمَثِّلُ في مُعْلَناتِها السياسيةِ الصريحةِ في قضايا الأمّةِ، وعلى وجهِ الخصوصِ في قضيةِ الصراعِ معَ المشروع الصهيونيِّ الغربيّ، وفي موقفها من شرعيةِ وجود كيان الاغتصاب على وجهٍ أخصّ.

هذا الموقفُ الذي تتبناهُ إيرانُ هو ما افتقَرَ إليه الخطابُ السياسيُّ الذي تُعلنهُ وتتبنّاهُ حكوماتُ الدولِ التي يُفترَضُ أنها تُمثِّـلُ طائفةَ السُنّة، فكان خطابُ إيرانَ هو الأقرَبَ بعمومِه إلى وجدانِ وتطلعاتِ الجمهورِ العربيِّ السُنّي بغَضِّ النظرِ عن خلفية المرجعيةِ الدينيةِ لتلك الدولة.

"
نعترفُ بأن ثمّةَ خطراً قد باتَ يُهددُ أطرافَ الترويج لمقولة الخطر الإيراني لكنه ليس خطراً مذهبياً يُهدِّدُ أهلَ السُنّة ولا خطراً على مصالحِ الأمّةِ، بل هو خطرٌ على المشروعِ الإسرائيليِّ وعلى النظام الرسميِّ العربيِّ
"
ويكمُنُ الخطرُ كذلك على النظامِ العربيِّ وعلى المشروع الإسرائيلي في المواقفِ السياسيةِ والإنجازاتِ العسكريةِ التي حققتْها تنظيماتٌ شيعيةٌ على مدى عقودٍ في ميدانِ الصراعِ معَ العَدُوِّ الصهيونيِّ وعلى رأسِها الهزائمُ المتتاليةُ التي ألحقَها حزبُ الله، الشيعيُّ، بجيش دولةِ الاغتصابِ مُتَوَّجاً بالنصرِ المشهودِ في حربِ يوليو/تمّوز عام 2006.

هذه المواقفُ للدولةِ المركزيةِ للمذهبِ الشيعيِّ والتنظيماتِ المحسوبةِ عليها قدمتْ لجمهور الأمّةِ ما لمْ تُقدمْهُ دولٌ وأحزابٌ وحركاتٌ محسوبةٌ على أهل السُنّة، بل إنَّ حركةَ المقاومةِ الفلسطينيةِ في الداخلِ، والتي تُشكِّلُ خطَّ الدفاعِ المُتَقَدِّمَ عن وجودِ الأمّة، مُتَّهَمَةٌ على الصعيدِ الرسميِّ والدوليِّ بأنها تتغذّى من شريانِ الدعمِ الإيرانيِّ لها، وهو الاتهامُ الذي يُعطي مزيداً من التأييدِ الجماهيريِّ لإيرانَ ويُسَجِّلُ قيمةً مُضافةً لأسهُمِ المشروعِ الإيرانيِّ على حسابِ المشروعِ العربيِّ الرسميِّ مُنِحَتْ بواسطة هذا الأخير.

ومقابلَ هذه المواقفِ والإنجازاتِ نرى أمثلةً مُحبِطَةً لمواقِفَ سُنّيةٍ حزبيةٍ وتنظيميةٍ فضلاً عن الرسمية، مع تأكيدنا أنها لا تُمثلُ جمهورَ السُنّة تماماً، كما أن واقعَ فصائلَ شيعيةٍ لا يُمثِّلُ جمهورَ طائفةِ الشيعةِ كُلَّهُ، فإنَّ لكل فريقٍ نقيضاً له من أهلِهِ كما يُقرأُ في سطور الخارطة السياسية.. مقابلَ ذلك شاهدنا مواقفَ أحزابٍ سُنّيةٍ في العراق ساهمتْ في تكريسِ الاحتلالِ الأميركيِّ وتنفيذ برامجهِ تحتَِ تسمية "المشاركةِ في العمليةِ السياسيةِ" مُمَثلةً لطائفةِ السُنّة، كما شاهدنا مواقفَ أُخرى سُنّيةً في سوريا تحالفت مع المشروع الأميركي بحُجّةِ مقاومةِ النظامِ الديكتاتوري القمعيِّ، ذلك قبلَ أن تُعيدَ حساباتِها وقبلَ أن تَهُبَّ رياحُ التغييرِ في الدبلوماسيةِِ الأميركية معَ دُوَل المِنطقةِ مُؤخَّراً!.

أما حُلُمُ تقسيم العراقِ، الهدفِ الكبيرِ للمخططِ الصهيونيِّ، فمَن ذا الذي تَوَلّى كِبْرَهُ منهم إلا أهلُ الشمال العراقيِّ ممن يَنتسبون إلى السُنَّة؟ أمّا عن المواقفِ الرسميةِ العربيّة، وهي السُنّيةُ بالطبع، فطبيعةُ العلاقةِ محسومةٌ سَلفاً مع الجماهيرِ عبرَ العُقود المُنصَرِمة.

أمامَ هذا المشهدِ لا يتوقعُ أحدٌ إلا أن ينحازَ جمهورُ الأمّة إلى جانب الفريقِ الذي يُعلنُ مجابهتَه لأعداء الأمّة، وإلا أنْ ينحازَ إلى جانبِ الذين قاوموا دولةَ الاغتصابِ والاحتلالِ وألحقوا بها الهزائمَ التي غيّرتْ موازينَ القوى في المنطقة بِغَضِّ النظرِ عن الانتماءِ المذهَبيِّ أو العِرقيِّ لِهؤلاء. وهذا الانحيازُ على كلِّ حالٍ هو الموقفُ الصحيحُ الذي لا يُقبلُ سواه تحت أي ذَريعة.

أما الفريقُ المتحالِفُ مع العدوِّ فلم تُعجبْه هذه النتائجُ التي جاءت داعمةً لمشروع المقاومةِ رافعةً لأسهم أصحابِها خافضةً لأسهم رافضيها، وأخذوا يفسرونها بأنها الآثارُ الخطيرةُ للمدِّ الشيعيِّ الإيرانيِّ من البُعد المذهبيِّ أحياناً ومن بُعدِ سياسةِ التوسُّعِ الإقليميِّ أحياناً أخرى، وأخذوا يروِّجون لمقولةِ "خطرِ المدِّ الشيعيِّ" على مناطقِ أهلِ السُنّةِ ومذهبِِهم مُحَفِّزين بهذه التسميةِ الحساسياتِ الدينيةَ الطائفيةَ لاستنفارِ أهلِ السُنّة "للدفاع" عن مذهبهم من "الخطر" الماثلِ، معَ علمِهم بأنَّ هذه النتائجَ إنما جاءت تأييداً للمواقفِ والإنجازاتِ التي افتقرتْ إليها سياساتُهم، ولم تأتِ إعجاباً أو تأثُّراً بتعاليمِ مذهبٍ شيعيٍّ أو غيرِه، ولكنهم استثمروا هذه الظاهرةَ الجماهيريةَ لِيخلِطوا الأوراقَ ولِيُحوِّلوا الأنظارَ عن خطرِ المشروع الصهيونيِّ إلى خطرٍ آخَرَ يدَّعونهُ، فكان الترويجُ لمقولةِ "الخطرِ الشيعيِّ الإيرانيِّ" ولأولويَّة الاستنفارِ للتصدي له. (بقية المقال).

المصدر : الجزيرة

التعليقات