طلعت مسلم

طلعت مسلم

لواء أركان حرب متقاعد


أهداف وتكتيكات الخطة
عيوب الخطة
علاقة الموقف في أفغانستان بالمعدات

أوهام مرتبطة بالخطة
انعكاس الموقف على الوطن العربي

تكاثر الحديث حول مستقبل الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان، ويبدو أن الرئيس باراك أوباما ما زال مترددا حول اتخاذ قرار حول إستراتيجية بلاده هناك، ويبدو أن المتفق عليه هو بقاء القوات الأميركية في أفغانستان حتى تحقق أهدافها، وأن الخطط الأميركية هناك يجب أن تتغير، أما كيفية تحقيق هذا الهدف فهذا ما يبدو معضلة تحتاج إلى حل حتى الآن.

لقد كان من أبرز ما ظهر في الفترة الأخيرة ذلك الخلاف بين قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان الجنرال الأميركي ستانلي ماكريستال، والسفير الأميركي هناك كارل إيكنبيري، حيث يرى ماكريستال أن من الخطأ تقليص حجم الأهداف العسكرية طالبا زيادة قدرها أربعون ألف جندي، دون توضيح أسباب اختيار هذا الرقم.

أما السفير إيكنبيري فقد حث على عدم إرسال مزيد من القوات الأميركية إلى أفغانستان، وشكك في كفاءة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي.

وتشير التقارير إلى أن خطة ماكريستال تقوم على أساس أن موقف القوات الأميركية وحلف الأطلسي حرج، وأن تصعيد العمل العسكري يجب أن يكون حاسما بالاعتماد على التفوق العسكري برفع حجم القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي والقوات الأفغانية.

"
تهدف الخطة إلى حرمان تنظيم القاعدة من توفير ملجأ آمن، والسيطرة على المدن الإستراتيجية الأفغانية الرئيسية، وقطع خطوط إمداد حركة طالبان وتنظيم القاعدة، والالتفاف حول حركة التمرد وعزلها
"
أهداف وتكتيكات الخطة
وتهدف الخطة إلى حرمان تنظيم القاعدة من توفير ملجأ آمن، والسيطرة على المدن الإستراتيجية الأفغانية الرئيسية، وقطع خطوط إمداد حركة طالبان وتنظيم القاعدة، والالتفاف حول حركة التمرد وعزلها في الجبال والغابات المحيطة، وحماية السكان من طالبان.

وقد بدا من متابعة المعارك السابقة في أفغانستان أن السكان المحليين كانوا يخبرون (القاعدة وطالبان) بأن الجيش الأميركي قادم، فيقومون بتنظيم كمين أو عدة كمائن، ويقاتلون حتى تصل قوة النيران الثقيلة وتدخل في المعركة، حيث يخلون ميدان المعركة ويناورن إلى مناطق أخرى. وهكذا تجنب قادة طالبان الهجوم الكبير وتحركوا إلى مناطق أخرى في الولايات الأخرى، مشيرين إلى أن جهود الولايات المتحدة لم تسفر إلا عن تحريك مشكلة طالبان إلى مناطق أخرى.

أما حينما تظهر القوات الجوية الأميركية فإن طالبان التي لا تملك أجهزة للرؤية الليلية تختفي في ملاجئ آمنة حتى ظهور الفجر، حيث تطلق الصواريخ والهاونات والرشاشات. الأكثر من هذا تشير بعض المصادر إلى أن القوات الأميركية دفعت أموالا لقوات طالبان لتؤمن سير قوافل الإمداد الأميركية.

وتشير المعلومات إلى أن كتاب "الميدان الأميركي لمقاومة التمرد" يدعو إلى توفير معدل بين قوات مكافحة التمرد والسكان يساوي عشرين جنديا لكل ألف من سكان أفغانستان البالغ تعدادهم 32 مليون نسمة،  مما يتطلب قوة تعادل 640 ألف جندي. ولما كان عدد القوات الأميركية الحالي 68 ألفا يضاف إليهم 13 ألف جندي قوات معاونة، فإذا أضيف إليهم أربعون ألفا يصبح الرقم 121 ألف جندي، فإذا أضفنا 35 ألف جندي من قوات حلف شمال الأطلسي يصبح الرقم 156 ألفا، وهو رقم ينقص نحو 500 ألف جندي عن المعدل الوارد في كتاب الميدان المذكور ولا يمكن تغطيته عبر القوات الأفغانية التي يريد الجنرال ماكريستال أن يمدها إلى 240 ألفا وحتى 340 ألفا، ومع ذلك يظل الرقم حتى مع أكبر رقم للقوات الأفغانية ناقصا بنحو 150 ألف جندي.

وهنا يثور سؤال عن القوات الأفغانية وقدراتها العسكرية، حيث يرى البعض عدم جواز إضافته لأنها لا تمتلك الضباط وضباط الصف اللازمين لقيادة 340 ألف جندي، وأن معادلة مكافحة التمرد تطالب بقوات مدربة وليس مجرد جنود يرتدون الملابس العسكرية. وتشير الإحصاءات الحديثة إلى أن 25% من المستجدين المنضمين إلى هذه القوات يتركونها كل عام، وأن عدد الوحدات المدربة قد تناقص في الواقع خلال الأشهر الستة الأخيرة.

إضافة إلى ما سبق يمكن القول إنه ليس لدى أفغانستان قوات مسلحة أو جيش حقيقي، فالجنود الذين ينتمون إلى البشتون يعتبرون محتلين إذا جرى انتشارهم في الشمال حيث السكان يتحدثون لغة الطاجيك، وهكذا بالنسبة للطاجيك في مناطق البشتون. أما إذا جرى انتشار الجنود في المناطق التي ينتمون إليها فإن علاقات القرابة تتغلب على ولائهم للحكومة الوطنية خاصة أنها فاسدة وغير ذات شعبية.

"
الخطة الأميركية لا تتوفر على فرصة النجاح لأن الأمر لا يتوقف على عدد القوات الأميركية ولا على حجم القوات الأفغانية، وإنما على القدرة على إنشاء نظام سياسي مقبول, وهو غالبا ما يستدعي مشاركة طالبان
"
عيوب الخطة
تهدف الخطة إلى الدفاع عن المدن الإستراتيجية الأساسية بينما تشتمل أفغانستان على المراكز السكانية الرئيسية الآتية التي تتناقض في الحقيقة مع هذا المفهوم، فهناك خمس مراكز سكانية رئيسية في البلد هي: كابل وبها 2.5 مليون نسمة، ثم قندهار وبها 331 ألف نسمة، وهرات وبها 272 ألف نسمة، ومزار شريف وبها 200 ألف نسمة، وجلال آباد وبها 20 ألف نسمة.

تشكل هذه المدن 15% من السكان نصفهم في كابل وباقي السكان في الأرياف يسكنون في قرى من 1500 فرد أو أقل. ولكن عند انتشار القوات في قواعد نيران حول القرى الصغيرة فإنها تصبح معرضة للغاية على نحو ما اكتشفت الولايات المتحدة في بداية سبتمبر/أيلول الماضي حينما قتل ثمانية جنود في هجوم على وحدة صغيرة في منطقة كامديش بولاية نورستان. وهكذا أخليت القاعدة بعد أسبوع من الحادث، وهي الآن تحت سيطرة طالبان، ليثور السؤال: من يحمي القوات الأميركية في المدن الإستراتيجية؟

أما هدف الالتفاف حول طالبان فليس لدى طالبان أجنحة أو أجناب يمكن الالتفاف حولها، ولا يمكن تحديد مكان وجودها، فليس لها وحدات ترتكز في مواقع يمكن الالتفاف حولها، لأن الالتفاف يكون حول قوات منظمة لها مواقع محددة.

والحديث عن قطع خطوط إمداد طالبان يشبه الحديث عن الالتفاف حول الأجناب، إذ ليس لطالبان خطوط إمداد واضحة حيث لا طرق سريعة أو خطوط حديدية، وإنما هناك آثار رعي الأغنام والمواشي تنتقل عبرها الإمدادات.

هكذا يصبح هدف عزل طالبان في الجبال والغابات المجاورة غير قابل للتحقيق، فالجبال والغابات مناطق تتحرك فيها طالبان بحرية.

يفترض أنه إذا كانت هناك فرصة لنجاح نسبي لعمل الولايات المتحدة وحلف الأطلسي في أفغانستان فهي في تجمع هذه القوات في مناطق تجمع لا علاقة مباشرة لها بالمراكز السكانية، وأن تكون على استعداد لشن هجمات على مراكز تجمع "التمرد" معتمدة على المروحيات وتلقي معلومات دقيقة وسريعة.

كذلك، تفتقر الخطة إلى الجانب السياسي وهو العامل الرئيسي للنجاح، خاصة بعد إعادة تنصيب حامد كرزاي رئيسا، وليس هناك ما يشير إلى أنه قادر على تصحيح الوضع وإيقاف الفساد.

وهكذا فإن الخطة على نحو ما عرف عنها لا تؤدي إلى النجاح أو حرمان "التمرد" من ملجأ آمن، أي أن فرصة النجاح لا تتوقف على عدد القوات المرسلة ولا على حجم القوات الأفغانية، وإنما على القدرة على إنشاء نظام سياسي مقبول لدى الغالبية العظمى من الشعب الأفغاني، وهو غالبا ما يستدعي مشاركة طالبان.

علاقة الموقف بالمعدات
يقول الجنرال ماكريستال إنه يريد أن يخرج الجنود من المركبات المدرعة إلى الشوارع مع الناس، بينما ستضطر الولايات المتحدة إلى استخدام الدوريات للمحافظة على وجودها خارج المدن. ويمكن لهذا أن يصبح في بعض الأحيان مدعاة للسخرية.

وهنا نتذكر قصة قافلة من دبابات "سترايكر" الخفيفة أرسلت من قاعدة "سبين بولدك" بولاية قندهار في مهمة وصفت بأنها عالية المخاطرة إلى أرض غير مسجلة، وجرى إرشادها بواسطة المركبات المحمية من الكمائن والمقاومة للألغام "مراب" المصممة لمقاومة سلاح التمرد الرئيسي في أفغاستان، ألا وهو العبوات على جوانب الطرق. ولكن المركبة "مراب" صممت لمقاومة التمرد في العراق حيث توجد طرق جيدة كثيرة، أما أفغانستان فليس لديها طرق تقريبا، ولهذا تعطلت هذه المركبات فلم تستطع دبابات "سترايكر" التحرك، وهكذا انتهت المهمة عالية المخاطرة معطلة بالليل في الصحراء، وتتسكع نهارا نحو مناطق تمركزها، ولم ترد أي متمرد.

هكذا فإن معدات القوات الأميركية لم تحقق الفائدة المرجوة لأسباب بعضها ناتج عن عدم ملاءمة المعدات لطبيعة الأرض والعدو (المتمردين). ولا شك أن أي قواة تقاتل في مثل هذا المسرح تحتاج إلى استخدام الحيوانات والبشر إلى جانب بعض المعدات بعد تطويرها لتتناسب مع طبيعة المسرح، كما أن قرار الحرب في مثل هذه الأحوال يحتاج إلى زمن كاف للاستعداد.

"
ربما كان أحسن وصف للحرب في أفغانستان أنه أصابها الجمود، وإذا كان التمرد غير قادر على هزيمة قوات الولايات المتحدة ولا الإطاحة بالحكومة المركزية الأفغانية، فإن القوات الأميركية ليست قادرة هي الأخرى على قهر التمرد
"
أوهام مرتبطة بالخطة
رغم أوهام ماكريستال من أن التصعيد سيكون حاسما فإن الحرب في عامها التاسع وصلت مرحلة من الجمود، إن لم نقل تراجع القوات الأميركية ومعها قوات الناتو. ويرجع ذلك أساسا إلى جهل القيادة الأميركية بطبيعة منطقة القتال والمزاج السياسي للسكان وطبيعة المجتمع، وعدم قدرة هذه القيادة على التكيف مع الأوضاع الداخلية في أفغانستان رغم علاقاتها السابقة بها أثناء وجود الاتحاد السوفياتي هناك.

وهناك أيضا وهم التفوق العسكري الذي يصيب القادة بالغرور بغض النظر عن الواقع على الأرض. وربما كان أحسن وصف للحرب أنها أصابها الجمود، وإذا كان التمرد غير قادر على هزيمة قوات الولايات المتحدة ولا الإطاحة بالحكومة المركزية الأفغانية، فإن القوات الأميركية ليست قادرة هي الأخرى على قهر التمرد.

انعكاس الموقف على الوطن العربي
ينعكس الموقف في أفغانستان على الوطن العربي، أولا باستمرار عجز الولايات المتحدة عن العمل بتأثير وفعالية في المنطقة وزيادة اعتمادها على إسرائيل وقوى الأمن العربية، بينما يمكن لقوى المقاومة العربية الاستفادة من دروس القتال هناك بأن تزيد من انتشارها بحيث يضطر العدو إلى توزيع قواته إلى مجموعات صغيرة ضعيفة، كما يصعب على العدو الالتفاف حولها.

لكن خطوط الإمداد في الوطن العربي تختلف كثيرا عنها في أفغانستان، وربما كان اللجوء إلى الأنفاق أقرب البدائل إلى تحقيق أهدافها.

كذلك فإن من المهم استمرار صلابة الموقف السياسي الذي يرفض التدخل العسكري الأجنبي وردع الجماعات الموالية للقوى الأجنبية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات