غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


جغرافية فائضة
حدود الدم
قوة شرق أوسطية وضعف في المقلب الآسيوي
الجغرافية الإيرانية والرؤى الأميركية

في ظل الصراع المحتدم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، بشأن ملف الأولى النووي وما تعتبره واشنطن من تدخلات إيرانية في الشرق الأوسط يضر بمصالحها، تعكف دوائر أميركية على بناء صياغة سيناريوهات وخيارات معينة للتعامل مع الحالة الإيرانية، تتضمن تحقيق الفعالية المجدية المتمثلة في إضعاف إيران وإرهاقها، بأقل قدر من التكاليف المادية والبشرية.

وتؤكد طرق التعامل الأميركية، والسلوك المتبع في الفترة الأخيرة تجاه إيران، على تفعيل خيار جيوإستراتيجي ينطلق من التركيز على نقاط الضعف الإستراتيجية في الجغرافية والمجتمع الإيراني، وخاصة في المناطق التي يمكن وصفها بالخواصر الرخوة في البيئة الإيرانية.

جغرافية فائضة
تشكل الهضبة الإيرانية موقعاً مهماً في الجيوبولتيك العالمي، ذلك من خلال إطلالتها على منطقة الخليج العربي، وتوسطها للقلب الأوراسي الذي طالما داعب خيال الجيوبولتيكيين الأوائل (ماهان، ماكندر، سبكمان), ومن الناحية الجيوإستراتيجية تعتبر المضايق التي تسيطر عليها إيران حيوية بالنسبة لإستراتيجيات القوى العظمى كممر للطاقة، ولموقعها بين الخليج والمحيط الهندي.

"
تشكل الهضبة الإيرانية موقعاً مهماً في الجيوبولتيك العالمي، ذلك من خلال إطلالتها على منطقة الخليج العربي، وتوسطها للقلب الأوراسي الذي طالما داعب خيال الجيوبولتيكيين الأوائل
"
وتعتبر إيران من الناحية الجغرافية الدولة الـ17 من حيث الحجم، بمساحة تبلغ 1684000 كلم مربع، ما يعني أن أراضيها أكبر من أراضي فرنسا وألمانيا وهولندا والبرتغال مجتمعة.

وتبدو حدود إيران من الشمال الغربي محمية بشكل محكم بواسطة جبال زاغروس التي تشكل حاجزاً طوبوغرافياً ضخماً، حيث تطوق البلاد على مساحة 900 ميل، من الحدود الأرمينية التركية وصولاً إلى ميناء بندر عباس، أما حدودها الغربية مع العراق فهي عبارة عن مستنقعات تتشكل من تجمع نهري دجلة والفرات، وتشكل هذه الطبيعة التضاريسية حاجزاً ضد أي قوى من الغرب تسعى إلى الانتقال على طول السهل الساحلي لإيران على الخليج.

ويتكون وسط إيران من هضبتين صحراويتين غير مأهولتين، صحراء كافر تمتد من مدينة قم في الشمال الغربي إلى الحدود الأفغانية، وصحراء لوط تمتد جنوباً إلى بلوشستان، وتتكون هذه الصحارى من طبقة سميكة من الطين الذي يغطي الملح، لذا يصفها الجغرافيون بأكثر المناطق بؤساً في العالم، ولدى إيران 800 ميل من السواحل، نصفها على طول الشاطئ الشرقي للخليج والباقي على خليج عمان والمحيط الهندي.

حدود الدم
هذا المعطى الجغرافي كان له أثره المهم في عملية التوزيع السكاني في إيران، ويتركز السكان في الجبال في حزام يمتد عبر جبال زاغروس على خط يمتد من الشاطئ الشرقي لبحر قزوين، حيث العاصمة طهران، إلى مضيق هرمز مع تركز بسيط في الشمال الشرقي (مشهد)، في حين تبدو المناطق المجاورة لأفغانستان وباكستان قليلة السكان.

ويتكون سكان إيران من مزيج من القوميات يشكل الفرس حوالي 51% منهم، ويتميز المشهد القومي الإيراني بتداخل ما بين المذهبية والقومية، كما أن امتداداتها الجغرافية الإقليمية تضيف إليه بعداً إقليمياً ما يجعل الأمر في غاية التعقيد، فمعظم الأقليات في إيران يقطنون المناطق الحدودية: العرب في الجنوب والجنوب الغربي، والبلوش في الجنوب والجنوب الشرقي، والتركمان في الشمال والشمال الشرقي والأذريون في الشمال والشمال الغربي، والأكراد في الغرب.

كما أن للعرقيات الموجودة في إيران امتداداتها في الخارج، فالبلوش لهم امتداد في إقليم بلوشستان في باكستان وأفغانستان، والتركمان يجاورون تركمانستان، والأذريون يقطنون جنوب جمهورية أذربيجان، ولهذه القوميات عداء مع القومية الفارسية المسيطرة بسبب اعتراضها على ما تسميه السياسات الاستعلائية والتمييزية التي تنتهجها ضد باقي الأقليات.

قوة شرق أوسطية
غير أن إيران، وبالرغم مما تنطوي عليه من خلل في بنيتها الاجتماعية والسياسية، ظهرت في السنوات الأخيرة قوة ذات تأثير مهم في السياسات الإقليمية، وخاصة في شقها الشرق أوسطي، وقد استندت في ذلك على جملة من المعطيات الجيوإستراتيجية المهمة:

1- اعتبار الجبال قلب الإستراتيجية الإيرانية، فطالما أن الجبال في يدها فهي قوى مستقرة.

2- الاستفادة من الموقع الإستراتيجي في المقايضة وإدارة لعبة الصراع، وذلك عبر إشراف الجيوبولتيك الإيراني على ممرات مائية مهمة تمتد من مضيق هرمز إلى بحر قزوين ما يمكنها من التأثير على حركة الملاحة النفطية في مياه الخليج.

3- امتلاك إيران في الخليج مقومات المناورة السياسية الكفيلة بإرجاع الجهات المعادية (على افتراض أنها الولايات المتحدة الأميركية) عن اللجوء إلى استخدام الخيار العسكري، فوجود إيران بين خطين متوازيين، السياسة والجغرافية في منطقة يسودها عدم الاستقرار يضاعف ابتداءها وخياراتها السياسية وطريقة التعامل مع الضغوط الخارجية.

"
إدراك إيران لنقاط ضعفها على الجبهة الآسيوية يدفعها إلى تقديم تنازلات وإغراءات عديدة، عكس حالتها على الجبهة الشرق أوسطية، كما إن إشغال إيران في جانبها الآسيوي يبدو أمراً سهلاً، في حين أن إيران قادرة على إشغال العالم في الشرق الأوسط
"
4- قدرة إيران على التأثير في المجال الشرق أوسطي عبر تبنيها للأقليات الشيعية في المنطقة، وإدراكها مدى الحساسية التي تثيرها هذه القضية في الإطار السياسي والاجتماعي للكيانات المستهدفة في المنطقة.

في المقابل ظهرت إيران في الفترة ذاتها قوة ضعيفة ومتعاونة في المجال الآسيوي، وخاصة مع القوى نفسها التي تعاديها في الشرق الأوسط، فقد سجلت مصادر دبلوماسية أميركية -استناداً إلى معلومات وزارة الخارجية الأميركية- أن عدد اللقاءات التي تمت بين السفيرين الإيراني والأميركي في كابل في السنوات السابقة بلغ حتى ربيع 2009 حوالي ثلاثين لقاء ثنائياً مباشراً، ولهذا الأمر معطياته الحاكمة أيضاً:

1- انطلاقاً من الخبرة التاريخية، فإن إيران جرى تدميرها في التاريخ من قبل القوى المغولية القادمة من الشمال الشرقي.

2- وجود تجمعات سنية كبيرة في الشمال الشرقي والجنوب الشرقي منها، وأي قوى تريد تهديد إيران سوف تستخدم هذه المجموعات لخلق حلفاء في إيران لتقويض سلطة الحكومة المركزية.

3- صعوبة السيطرة على الجبال إلى شرق صحراء كافر وصحراء لوط، من مشهد إلى زهدان إلى ساحل مكران، وبالتالي صعوبة حماية الحدود الشرقية مع أفغانستان وباكستان.

4- وبدون حدود آمنة، ستكون إيران عرضة لقوى أجنبية من شأنها التلاعب في الديناميات الداخلية وزعزعة الاستقرار عبر استغلال الفتحات الناتجة عن ذلك.

ونتيجة لما سبق، فإن إيران على المقلب الآسيوي تصبح طرفاً غير قادر على المناورة، وبالرغم من كون إيران قوة برية (قوام جيشها 450000 جندي من حرس الحدود والقوات البرية)، فإن إيران السياسية تدرك أن إغراقها في المقلب الآسيوي من شأنه إضعاف فعاليتها وتأثيرها، في وسط جغرافية صحراوية متناثرة القبائل لا قيمة إستراتيجية لها، فباستثناء إطلالتها الصغيرة على قلب أوراسيا، عبر حدودها مع تركمانستان، يبقى لإيران حدود شاسعة مع آسيا الأخرى (باكستان وأفغانستان) المفتوحة على احتمالات التمزق والانهيار.

ولا شك أن إدراك إيران لنقاط ضعفها على الجبهة الآسيوية يدفعها إلى تقديم تنازلات وإغراءات عديدة، عكس حالتها على الجبهة الشرق أوسطية، كما أن إشغال إيران في جانبها الآسيوي يبدو أمراً سهلاً، في حين أن إيران قادرة على إشغال العالم في الشرق الأوسط.

الجغرافية الإيرانية والرؤى الأميركية
المراقب للسلوك الأميركي في الفترة السابقة تجاه إيران يلاحظ وجود ملامح لخيار إشغال إيران في برها الآسيوي، والتأثير تالياً على فعاليتها الشرق أوسطية، فقط كشف الصحفي سيمور هيرش أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية وإدارة الرئيس السابق جورج بوش دعمتا البلوش والأقليات لزعزعة الاستقرار في إيران.

وكان رالف بيترز الضابط الأميركي، وفي مقالته الشهيرة (حدود الدم) التي نشرها في المجلة العسكرية المتخصصة (أرمد فورسز جورنال) قد رسم حدودا جديدة لإيران يقتطع منها ما يسميه بدولة (بلوشستان الحرة).

"
صورة المشهد الإيراني بمعطياته الجغرافية والديمغرافية، حاضرة بقوة في الذهنية الإستراتيجية الأميركية، في ظل لعبة الصراع التي تتم إدارتها مع نظام الجمهورية الإسلامية
"
وفي ذات السياق نشرت مجلة (Foreign policy) في عددها الأخير، مقالاً لروبرت كابلان بعنوان (انتقام الجغرافية)، حيث يصف إيران بالدولة المنطقية الوحيدة في المنطقة لتلاؤم حدودها مع معطياتها الجغرافية، جبال وبحار في الشمال والجنوب، وصحراء ممتدة شرقاً على الحدود الأفغانية، مما يمنحها القدرة على حماية نفسها وتأمين فضائها الحيوي، غير أن كابلان -وفي إشارة غير مباشرة للإشكالات العرقية في إيران- يؤكد أن العولمة الجارية التي جذرت الجغرافية أفضت إلى خلق عالم صدامي يتشكل من مناطق صغيرة متناثرة تقوم فيها هويات محلية عرقية ودينية لا يمكن أن تفسر إلا بثوابت الجغرافية وحقائقها المحددة.

لا شك أن صورة المشهد الإيراني بمعطياته الجغرافية والديمغرافية، حاضرة بقوة في الذهنية الإستراتيجية الأميركية، في ظل لعبة الصراع التي تتم إدارتها مع نظام الجمهورية الإسلامية، وعلى ضوء ما ستذهب إليه الخيارات الأميركية تجاه كل من باكستان وأفغانستان، اللتين تشكل أطرافهما مع الحواف الإيرانية دائرة تتميز في الفقر الثرواتي والإستراتيجي، وتربة صالحة لقيام دول (معازل) بلوشستان، وبشتونستان، وهزرستان.

وبهذا يتم حماية القلب البنجابي الباكستاني النووي والمتحضر، عن تفاعلات التكوينات الما قبل حداثية، كما يصار إلى عزل تلك الجزر عن قلب أوراسيا حيث حقول النفط والغاز، وأهم من ذلك يصار إلى تشذيب القلب الفارسي وتحويله إلى رابط فاعل بين آسيا والخليج العربي عبر البر الممتد من بحر قزوين إلى الخليج العربي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك