مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


ميزان الموقف من التنظيمات
المستقلون المبدعون قبيلة الإصلاح
مسارات النهضة تعدد تكاملي
أين تقف النهضة من المقاومة؟

إن من المهم قبل الغوص في الحديث عن مسارات فكر النهضة الإسلامي أن نُحدّد أولويات في فهم مسارات النهضة، وحين نقول مشروع النهضة فنحن لا نقصد أن ذلك مختزل بمشروع فكري محدد إنما مجموع ما يُِقدم إلى حركة الفكر العربي في المبادرات المميزة التي تُغطي جوانب مهمة وعديدة من خطاب وفكر مشروع النهضة الإسلامي، خاصة إعادة قراءة التاريخ الإنساني والتاريخ الإسلامي في مسارات متعددة تهدف إلى استنباط نواميس الكون القدرية التي جعلها الله سنة ووسيلة للعلوّ أو الضمور للأمم وبالتالي سيادة المشروع الحضاري الذي تُبشر به.

وميزة الخطاب الإسلامي أنه يبشر في فلسفته الرسالية بسعادة الدارين حين تتحقق بالفعل موازين وشروط تطبيقات هذه الحضارة، وهي القضية التي يعالج من خلالها أي نقد في المسيرة الإسلامية ومدى التزامها بهذه النواميس والموازين التي تواترت عليها نصوص الكتاب والسنة وتحققت جليا في العهد النبوي والعهد الراشدي ثم أعقب ذلك ظهور الأمة إيجابيا عبر تحقيقها جوانب من هذه الحقائق كالنهضة العلمية في العصور الوسطى والاستقرار في النظام الاجتماعي على مدى قرون متعددة، وانكفأت سلبيا بسبب عدم التزامها بالجوانب الأخرى كالعدالة السياسية التي نص عليها التشريع الأول.

"
ميزة الخطاب الإسلامي أنه يبشر في فلسفته الرسالية بسعادة الدارين حين تتحقق بالفعل موازين وشروط تطبيقات المشروع الحضاري الإسلامي وهي القضية التي يعالج من خلالها أي نقد في المسيرة الإسلامية
"
ووصولا إلى قضية مهمة جدا في مسيرة ما يطلق عليها الصحوة الإسلامية، وهي نقد الحالة القائمة لا للهجوم عليها لمجرد الهجوم ولكن لتصحيح قواعد التفكير لديها وعلاقته بفقه المقاصد خاصة قضية الموقف من التنظيمات الحزبية والجماعات من هذا الفكر وأيضا لتلمس الخلل الذي كان سببا مباشرا في إخفاقات المشروع الإسلامي حتى يُنفّذ للناس ميدانيا وعلى الأرض تطبيقات العدالة بمختلف أنواعها والنجاح في إيجاد مشروع يصل إلى مرحلة السيادة والتقدم الشامل للأمة وإن كان بلوغ هذه الحالة وتجسيدها هدفا إستراتيجيا إلا أنه يكفي أن يكون العمل على تحقيق هذا الهدف قائما على الأرض وبتصور واضح.

وهذا ما نقل فكر النهضة إجمالا إلى حالة النقد الذاتي للخطاب الإسلامي المعاصر من مرحلة الصحوة التي حقق فيها الخطاب الإسلامي نجاحات كبيرة في إعادة توعية الجمهور العام والنخبة بالمفهوم الشامل للرسالة الإسلامية وحتمية الانتماء التاريخي لفكر التشريع الإسلامي للوطن العربي وخاض خلال هذه التجربة الكثير من التضحيات كأفراد أو جماعات لا ينكر أو يقلل من تضحياتهم وعطائهم.

غير أن الإشكال الخطير الذي طرأ في فهم بعض مجاميع العمل الإسلامي هو إسباغ العصمة الضمنية على حالة التنظيمات وأفرادها وخطابها، ورفض قطاع واسع من النخبة المؤثرة في هذه الجماعات لدعوة النقد الذاتي، خاصة أن بعض النماذج والتصرفات قد ارتكبت قطعاً أخطاء سياسية واجتماعية في الحالة الوطنية لبلدانها أو للأمة قدمت فيها صورا غاية في السلبية للجمهور العام والنخبة الفكرية في الوطن العربي.

ولذا من المهم أن يعي هؤلاء الإخوة، وهم يحتسبون في الأصل دعوتهم في سبيل الله والحق والعدل الذي نص عليه الشرع المطهر في مواضيع عدة، أن مسؤوليتهم الشرعية تكمن في تحقيق مقاصد التشريع الإسلامي الكبرى، فمتى ما كانت مسيرة التنظيم أو الجماعة أو الحزب لمصلحة الحالة الوطنية والمبادئ الأممية بمفهومها الإسلامي الشامل فهي في وضع إيجابي داعم لمسيرة العلو الحضاري الإسلامي، ومتى ما تحول ذلك التشكيل إلى جماعة حزبية منفصلة عن الشعب وعن مصالح الأمة العليا تُقدم مصالحها ومصالح منسوبيها على مصالح الآخرين التي توجب موازين الحق والعدل أن تكون الأولوية, حينها يتَحوّل هذا التنظيم إلى عائق في مسيرة العمل الإسلامي، فالحالة مختلفة في الحكم على هذه الجماعة أو ذلك التنظيم بحسب أدائها وإخلاصها وتطويرها للخطاب الإسلامي وصدقها مع الناس ومع نفسها.

ميزان الموقف من التنظيمات
بناءً على ما سبق أن طرحناه يتضح جلياً أن نقد حالة التنظيمات الإسلامية سواءً كانت إخوانية أو سلفية ليس المقصود منها استهداف العمل الجماعي التربوي ولا أسس التعاون على البر والتقوى في أي غرض إصلاحي للمجتمع، ولكن المقصود منه عدم قابلية قطاع من هذه التنظيمات للمشاركة في الدفع الفعلي لمشروع النهضة الإسلامي، أو على الأقل امتناعهم عن إعاقة وسائل دفع هذا المشروع والكف عن مناوأة مناضليه ومفكريه. والقضية الأخرى هي قدرة هذه التنظيمات على الخروج من المنظور المحدود وضيق الأفق من مصلحة أفرادها إلى مصلحة الشعب, ودعم الحالة الوطنية والأممية ونجاحاتها على كل الأصعدة كمهمة رئيسية من مهام العمل الإسلامي التطوعي كان يقوم بها أئمة السلف والخلف على حد سواء كالحسن البصري وأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم كثير.

بمعنى أن يتطور خطاب الوعي الإسلامي لديهم من وسيلة الوعظ التقليدية تجاه مواطن محددة من حياة الفرد والمجتمع إلى التذكير بواجبات الإصلاح الإسلامي الأكبر سواء على صعيد الفرد في المنهج السلوكي، بمعنى أن ترك الغيبة والنميمة والبهتان والكف عن أعراض الناس أو اتهام بعض خصومهم باتهامات متعددة بناء على صراع هذا التنظيم مع تلك الشخصيات هو سلوك منحرف شرعا وقيما, هذه المسالك الشرعية القطعية الثبوت والدلالة أهم من سلوك الظاهر كإطلاق اللحية أو تقصير الثوب وإن كانت سننا ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذه القاعدة في الموازين تنطلق من عمق أصول الفقه الإسلامي، وقس على ذلك توازنات أخرى في الحياة الفردية للمسلمين.

وأما فيما يتعلق بالمجتمع فالقياس هنا على قدرة أبناء الدعوة أو التنظيم على أن يكونوا حلقة وصل ودفع للمصالح الكبرى لشعوب الوطن العربي كلّ في قطره، وأن يكون رسم نجاحهم الحقيقي في تقدم هذه المجتمعات على صعيد الحقوق والسلوك التربوي والحضاري معاً، وأن يتجسد نجاحهم في تقدم المجتمع المدني العربي ومواطنيه على هذه المسارات وليس وصول شخصيات وأفراد من هذه الجماعة أو التيار لهذا الموقع أو تلك المؤسسة وتكريسها لمصلحته أو مصلحة أفراد مجموعته.

"
نجاح أي دعوة أو تنظيم يتوقف على قدرة أبناء الدعوة أو التنظيم على أن يكونوا حلقة وصل ودفع لمصالح شعوب الوطن العربي كلّ في قطره وأن يكون رسم نجاحهم الحقيقي في تقدم هذه المجتمعات على كل الأصعدة
"
فإذا تعزز هذا المسار نحو توثيق الفقه الدستوري الإسلامي والتفاعل معه والتزام مواقف حاسمة في سيادة الأمة وتأييد موقف الممانعة لديها من المشاريع الإقليمية والدولية، حقق أبناء الدعوة متطلبات الشراكة في مشروع النهضة الإسلامي.

ومع ذلك كله فليس الموقف من التنظيمات واحدا في كل الأقطار والأحوال إنما القياس يختلف وبنسبة كبيرة، فتنظيم كحركة حماس يقف في مواجهة ألدّ أعداء الأمة وأكثرها بطشا وينوب عن الأمة في معركة التحرير الكبرى لا يمكن إلا أن يَضبط حراكه وفعاليته بإطار إداري فاعل وحاسم, فالتنظيم هنا ضرورة في أرض محتلة ومع ذلك فحركة حماس هي الأفضل في تطوير حراكها الفكري ومشروعها السياسي الميداني رغم كل الظروف والمشاريع المناهضة التي تحيط بها وتحاصرها.

وهذا لا يعصم حماس من الأخطاء والحاجة إلى نقد مواقفها ومشروعها، والاعتراف بوقوع أخطاء من مناضلين أو مسؤولين ينتمون إلى أي حركة أمر وارد ولكن تلك الأخطاء تُقدر بحجم المشروع والمسؤولية التي تقوم بها هذه الحركة في سبيل الأمة الموحدة.

إذا هذا التقييم من موقف تنظيمات العمل الإسلامي في الوطن العربي مرهون بأدائها وعطائها وشخصيتها في المجتمع على اختلاف الظروف والأوضاع السياسية والوطنية، وهذا لا يُقلل على الإطلاق من تلك الشخصيات التربوية المخلصة الحادبة على مجتمعاتها من أن تجتاح أساطيل الفساد الأخلاقي والفكري ورغبتها الصادقة في الحفاظ على قيم المجتمع النبيلة.

المستقلون المبدعون قبيلة الإصلاح
إن عَرْضنا للهيئات والجمعيات الحزبية الإسلامية وموقفها من مسارات النهضة هو من معرفتنا للواقع وحجم ما تحتكره هذه الجهات من أفراد ومؤسسات ومفاصل مجتمعية مهمة في واقع الرأي العام الإسلامي، وأنها حين تصحح الخلل وترتفع بالوعي الجمعي والفقه الحضاري ستجد لها مساحة فاعلة لتحقيق مقاصد التشريع الإسلامي العادل, غير أن طبيعة الشراكة والاندفاع في القفز بمسارات النهضة الإسلامية فكريا وحضاريا ونضاليا عادة ما يرتبط بالمستقل الحر في تفكيره المتقد في ذهنه المتسائل عن المخرج لا الواقف عند ملزمة أستاذه يرددها منذ عرفه ويطور ذاته حين يقتنع الأستاذ بذلك.

وفي الحالة الإسلامية يكون المستقل صاحب رصيد معرفي بأصول شرعية تجمع بين المقاصد وتدرك الفرق في الأصل الفلسفي لمنهج التقدم للحياة الحضارية للإنسان ومعنى رسالة البلاغ التي احتوت وانطلقت مع شرارة البعث الإسلامي كتحرير مزدوج من عبودية الفرد وعبودية المادة, ولذا فإن هذا الانطلاق الذي بدأنا نشهده بالفعل في مسارات التفكير العربي الإسلامي وتصاعد حركة انضمام أفواج المستقلين ونبشهم للواقع والتراث معا ينصب في تشكل ظاهرة النهضة الإسلامية وانضوائها تحت قبيلة المعرفة والتبشير بالفكر والتثقيف وما يترتب عليه من إعادة الموقف من هزيمة العقل العربي أمام الاستبداد والتخلف والقابلية للاستعمار -وهذه الأخيرة أضحت تتشكل في واقعنا العربي بمسميات جديدة كلها نتجت من ردة فعل من واقع الانحطاط الذاتي والهزيمة النفسية أمام الغرب- وهذه التفاعلات من قبيلة المستقلين ستتحول إلى طاقة معرفية ذات صلة مباشرة بالعطاء المجتمعي الإنقاذي في الحالة القطْرِية والأممية.

مسارات النهضة تعدد تكاملي
غير أن تعدد المسارات لدعوات النهضة أصبح يربك الجيل الشبابي في الجنسين، فمن مسار تنظيم العقل الإداري أي مشروع النهضة الإدارية التي ترى أن مأزق الأمة إداري، إلى مسار تفعيل الفكر الإرادي للمجتمع الإصلاحي والحقوقي وطاقات التغيير السياسي، إلى مسار المشاريع الأخلاقية لضبط سلوك الفرد قيميا ومناحي العمل التطوعي للمجتمع وإصلاح القصور الضخم لدى فكرة "عهد الصحوة" بشراكة المرأة والعودة إلى التاريخ التشريعي المُوحِّد لمسيرة الجنس البشري والمُفرق بين الطبيعة الفسيولوجية والتزاماتها في رعاية الأسرة مع الشراكة الفعلية المجتمعية والسياسية للمرأة, ومن ذلك أيضا مسار إعادة تقنين الفقه الدستوري الإسلامي القائم على قواعد العهد الراشدي المنظم لحياة المجتمع وحرياته وعلاقة الحاكم بالمحكوم وهو المدخل لإعادة صياغة الدولة المدنية بالمرجعية الدستورية الإسلامية.

"
على أصحاب مسارات النهوض أن يعترف كلا منهم بأنه لا يحتكر الحقيقة كلها ولكن جزءا منها ويطبقون عمليا احترام الحرية في الرأي والمسار تنفيذيا وليس تنظيريا وحسب، وليس عليهم أن يشارك كلا منهم في مسار الآخر بل يحترمه
"
كل ذلك وغيره مسارات مهمة لإحياء فقه النهضة وتنشيط الذاكرة الإسلامية وتقاطعها المشروع مع الفكر التقدمي الإنساني في مساراته العادلة بدءا بمشروع النهضة للقوميين العرب كجوار وشراكة وجودية وانتهاء بأي مسار إنساني يَهدي للحكم والعدالة المتحدة مع القيم الرسالية.

لكن شروط هذا التكامل هي اعتراف الجميع بأن كلا منهم لا يحتكر الحقيقة كلها ولكن جزءا منها ويطبقون عمليا احترام الحرية في الرأي والمسار تنفيذيا وليس تنظيريا وحسب وليس عليهم أن يشارك كلا منهم في مسار الآخر بل يحترمه ويترك له مساحته العادلة.

أين تقف النهضة من المقاومة؟
إن حالة الاجتياح التي تعيشها أي أمة تدرك أن أول أساس لتشكل عهدها الحضاري هو صيانة انتمائها الوجودي وإلا فلن تكون أمة جديدة بل ملحقا لقوى استعمارية غازية سواء كانت تلك القوى تملك رصيدا حضاريا أو ممارسات همجية لكنها في نهاية الأمر ترى أن قوتها تشريع قانوني لإخضاع ثروات وجغرافيا الآخرين لمصالحها القومية.

ولذا فإن القوى المقاومة لهذا الاحتلال الإقصائي التدميري الانتهازي هي فعل حضاري حين يختط منهجيته العادلة وهكذا تعاملت الأمم, إنما إشكاليتنا في الواقع العربي المعاصر أن القضية قلبت من طرف ضجيج إعلامي مهيمن للقوى الاستعمارية اضطرت البعض لأن يلتجئ وفقا لهزيمته النفسية والمعرفية وليس تقدما حضاريا كما يخدعه الإعلام الذي يروج له، وعليه فإن من المشروع بل المهم أن تراعي مسارات النهضة تفعيل فكر الممانعة ودعم المقاومة في أركانها المشروعة في فلسطين والعراق وأين ما وُجدت وبآليتها المنضبطة بمنهجية وأخلاقيات الحرب لدى العالم الإسلامي الأول والتفريق بينها وبين نماذج الذبح الوحشي المعتوه الذي استغل عدوه ردة فعله على جرائمه وحوله أمام الناس إلى نظرية القتل لأجل القتل.

ومع أن هذا لازم طبيعي للانتماء فإنه ليس ضروريا، فقد يَِخشى هذا الطرف أو ذاك تبعات الدفاع الحضاري عن حق المقاومة فيعزل إعلاميا أو خشية لظرف واقعي, لكن من المهم أن لا يُستثمر خطابه وقلمه في تجريم الضحية وبالتالي يُسبغ تلقائيا على فعل القتل الاستعماري وسرقة المغلوب شرعية ثقافية، فهي إذن حين يُصدرها ستحولها بالفعل إلى خيانة حضارية في قيم العالم الإنساني المستقل حتى لو ارتكبت الضحية جُرما، فالعقل الحضاري قراءته شاملة وأفقية لا ترتد عن مسارات استخلاص النص من فهم الصورة الكاملة بكل أبعادها.

إنها مرحلة تاريخية تعيشها الأمة وهي تنتقل بتدرج إلى مرحلة اليقظة والتفكير النهضوي تحتاج إلى فعل الثقافة وثقافة الفعل بالتوازي الموضوعي المتزن حينها تبدأ تقتطف ثمار الوعي الجديد مع الاعتراف بأن المسار لا يزال طويلا.. المهم أن يكون أكيدا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك