فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


قد لا يكون العنف "أداة صمّاء" في يد "جماعة عمياء" وحسب. وفي التجربة العراقية، ثمة الكثير من الدلائل الساطعة التي تؤكد أنه "مخلوق" يصيخ السمع بكل حواسه إلى أنين الضحايا، كما أن الجماعة التي تستخدمه ترى وتشاهد أهدافها بوضوح تام، وهي تعرف أين ولماذا تضرب بقسوة.

ولأنه كذلك، فربما أعطى العنف في بعض الحالات انطباعا مضللا بأنه "كائن أعمى" يتخبط في الظلام، وبحيث يصدّق الضحايا أنهم كانوا "هدفه الخطأ" في "المكان الخطأ" وفي "اللحظة الخطأ" أيضا، لكنهم حين يشاهدون ضرباته المتكررة في الأماكن والمواضع ذاتها مع آخرين فإن مثل الانطباع سوف يزول ويتبدد.

ومع ذلك، يصرّ السياسيون العراقيون على الزعم أنهم يحاربون ضد أداة "صماء عمياء". هذا هو التجلي الأكثر وضوحا في نوع وطبيعة المفارقة المأساوية للنقاش الدائر حول العنف في العراق، إذ تصبح الحرب ضده كما لو أنها حرب ضد "كائن أعمى"، يملك في الآن ذاته القدرة على رؤية ضحاياه وأهدافه.

"
تؤكد السيرة الذاتية للعنف في العراق أنه آخذ في النمو والتطور بشكل طبيعي مثل الكائنات الأخرى، ولكنه بخلافها جميعا يتمتع بقابلية مدهشة واستثنائية على الخداع بأنه لا يتطور ولا ينمو ولا يرى ولا يسمع
"
ولأن العنف كائن حيّ، بالمعنى الرمزي للتوصيف، فإننا يمكن أن ننظر إليه من هذه الزاوية وكأنه مجبول من طينة الكائنات العضوية(الحيّة) ومحكوم بشروط تطورها ونموها، وهو بالفعل كذلك.

وكما تؤكد السيرة الذاتية للعنف في العراق، فإنه آخذ في النمو والتطور بشكل طبيعي مثل الكائنات الأخرى، ولكنه بخلافها جميعا يتمتع بقابلية مدهشة واستثنائية على الخداع. من ذلك مثلا، أنه قادر على خداع وإيهام خصومه بأنه لا يتطور ولا ينمو ولا يرى ولا يسمع، وأنه فوق ذلك كله ضعيف ومنهك، وأنهم يستطيعون قهره وإلحاق الهزيمة به بقليل من "التدابير الأمنية" وسدّ "الثغرات" عند الحواجز.

ويمكن للمرء أن يلاحظ مثل هذه التعبيرات الرائجة في الخطاب الرسمي (الحكومي) وفي أدبيات الطبقة السياسية، باعتبارها دليلا قاطعا على أن هذه الطبقة لا تدرك بعمق "عدوها" الذي خرجت لمقاتلته، وهي لا تكاد تتوقف عن تقديم توصيف سطحيّ في الغالب، يشبّهه بأنه "مجرد أداة صمّاء بكماء عمياء" يمكن كسرها وتحطيمها.

ولأن العنف، لأسباب ودوافع محددة، يستطيع أن يظهر مقدرة استثنائية على التحايل والتكيف مع مختلف الأوضاع التي يواجهها، فإنه سوف يبدو على حقيقته بوصفه "كائنا".

فهل يملك العنف في العراق إستراتيجية واضحة ولها أهداف محددّة؟ مثل هذا السؤال طرحته بقوة تفجيرات يوم الثلاثاء الدامي (7/12/2009) في بغداد، عندما انهارت وزارات وبنايات حكومية بالتتابع وخلال لحظات.

ومع هذا، بدا أن الطبقة السياسية لا تزال تتفادى أي نقاش جاد ومثمر حول أهداف ومقاصد الضربات المتزامنة والمتكررة، حتى في الأماكن البديلة التي لجأت إليها بعض الوزارات (مثل وزارة المالية). وبالمعنى التجريدي ذاته، فلم يكن العنف وحده منْ يلجأ إلى تكتيكات المباغتة والمناورة والتضليل.

لقد اضطر خصومه إلى استخدام التكتيكات نفسها عندما تحصنوا في بنايات "وهمية " أو بديلة، وهم يعتقدون أنهم باتوا في منجى من ضرباته. وكما أن العنف يتنكرّ (ويرتدي الأقنعة الزائفة) من أجل تضليل الخصوم، فقد اتضح أن هؤلاء كانوا مثله تماما، يمارسون نوعا من الخداع.

وبدلا من النقاش الجاد والصريح حول أسباب تفجرّ العنف، يتواصل اليوم في بغداد سجال عقيم وعبثي بين الكتل السياسية داخل وخارج البرلمان حول "طبيعة الثغرات" في الملف الأمني، وما إذا كانت ناجمة عن تراخي قبضة هذا الجهاز أو ذاك، أم هي نتيجة تلقائية لفشل الجماعات السياسية في تحقيق توافق وطني يتجاوز الخلافات الطاحنة. وفي هذا المنحى من النقاش تكمن كل الأسباب التي تدعو العراقيين إلى الشعور باليأس وبانعدام أي فرصة حقيقية لوقف نزيف الدم.

"
إستراتيجية العنف الجديدة سوف تتجه نحو هدف تفكيك بنيات الدولة تدريجيا، أي دفع النظام السياسي برمته نحو أقصى درجة ممكنة من التحلل والتفتت، وبما يؤدي في مرحلة تالية إلى تلاشي وغياب أي سلطة في المجتمع
"
لقد جرى، وبصورة منهجية من جانب الطبقة السياسية، تجاهل وغض نظر متعمدّ وخال من أي تدبير عقلاني للأسباب الحقيقية التي تجعل من الصراع الدائر صراعا سياسيا لا أمنيا، بمعنى أن المشكلة الأمنية في العراق لم تعد (وهي لم تكن في الأصل) محصورة في نطاق وجود "أدوات عمياء" تضرب هنا أو هناك، وإنما في وجود "مستخدمين" لهذه الأدوات، يرسلون رسائل مشفرّة، وهم سيواصلون هذا العمل دون توقف ما دام الطرف الآخر لم يتمكن بعد من "فك الشيفرة"، وأن التفتيش عن وسائل سياسية يصبح أكثر فأكثر هو السبيل الوحيد لقراءة هذه الرسائل قراءة صحيحة.

إن "الموجة الثالثة" من العنف التي هزّت أركان النظام السياسي بقوة (بعد تفجيرات الأربعاء والأحد في الأشهر الماضية وقد تتبعها موجات أخرى رابعة وخامسة) هي أحد أخطر المؤشرات الخطيرة على انسداد أفق الحل الوطني، وعلى أن العراق دخل حقبة جديدة وطويلة من المواجهة المكشوفة مع العنف، وأن الضربات القادمة لن تكون مجرد ضربات عشوائية، بل ستكون أعمالا أكثر منهجية في إستراتيجية جديدة تم التخطيط لها بدقة.

ويمكن في هذا الإطار أن نرسم ملامح عامة لها:
أولا: إن إستراتيجية العنف الجديدة سوف تتجه نحو هدف تفكيك بنيات "الدولة" تدريجيا، أي دفع النظام السياسي برمته نحو أقصى درجة ممكنة من التحلل والتفتت، وبما يؤدي في مرحلة تالية إلى تلاشي وغياب أي سلطة في المجتمع، الآخذ أصلا في التحلل إلى جماعات متنافرة.

لقد جرى محو الدولة في العراق إثر الاحتلال في أعقاب سلسلة من الضربات المتتابعة التي بدأت بحل الجيش الرسمي، ولم تتوقف عند تفكيك الوزارات، وبشكل أخص استبدال وزارة الأوقاف بمؤسستين، إحداهما "للوقف السني" والأخرى "للوقف الشيعي".

وبطبيعة الحال، فقد أدى محو الدولة تلقائيا إلى تدمير ثم زوال "المادة الصمغيّة" التي ظلت -منذ ظهور العراق في المسرح التاريخي- العامل الأكثر والأهم في الحفاظ على تماسك المجتمع وحمايته من انزلاق تناقضاته إلى مستوى التناحر غير القابل للحل بين عناصره. لكن، وبانحلال المادة اللاصقة، عادت الدولة إلى "طور ما قبل دولة"، بينما عاد المجتمع إلى" طور ما قبل مجتمع"، وذلك ما ساهم في صعود أدوار الطوائف والأعراق والثقافات المحلية على نحو غير مسبوق.

وبهذا المعنى فقط، سوف يصبح الهدف المركزي للعنف في المرحلة المقبلة القيام بما يشبه محوا معكوسا للدولة "الجديدة" التي قامت على أنقاض الدولة "القديمة". وهذا يعني أن مراكز الدولة ومؤسساتها ستكون لها الأولوية بين سائر الأهداف التي يختارها العنف.

ولنلاحظ هنا، أن الغزو ثم الاحتلال الأميركي كان نوعا من عنف "خارجي" استهدف في المقام الأول محو الدولة القديمة وتفكيك بنياتها وركائزها، وأن العنف "الداخلي" الذي تفجرّ طوال عامي 2005 و2006 لم يكن بأي حال من الأحوال مجرد صراع بين جماعات محلية وحسب، بل كان تجسيدا لصراع أعم بين قوى خارجية وجماعات محلية موضوعه الرئيسي هو "الدولة".

ثانيا: إن تفكيك بنيات الدولة لن يكون ممكنا من دون تفكيك أدواتها، أي من دون إضعاف وتحطيم مؤسسات الأمن والشرطة والجيش. وفي سبيل هذا الهدف سوف يكون أمرا متوقعا ومحتملا أن يشهد العراق عمليات كبرى هدفها الرئيسي تدمير "المؤسسة الأمنية" ودفعها إلى أقصى درجة ممكنة من التحلل إلى "وحدات أمنية صغيرة" معزولة ومفككة وعاجزة عن مقاومة الضغط.

"
أي نقاش حول الثغرات الأمنية يعد ضربا من ضروب الجدل العقيم، لأن المؤسسة الأمنية نفسها ستكون هي الهدف المركزي في الإستراتيجية الجديدة للعنف
"
ولذلك، سوف يصبح -خلال المرحلة القادمة ومع تتابع الموجات- كل وأي نقاش حول الثغرات الأمنية ضربا من ضروب الجدل العقيم، لأن المؤسسة الأمنية نفسها ستكون هي الهدف المركزي في الإستراتيجية الجديدة للعنف.

إن إستراتيجية "الموجات" هذه تعطي الانطباع بأن الهدف الحقيقي من الضغط على المؤسسة الأمنية يهدف في المقام الأول إلى تحويلها من "أداة" إلى "هدف"، ومن ثم تحويلها إلى "مشكلة" وبحيث تصبح مهمة الدولة ووظيفتها البحث عن مصادر حماية جديدة من أجل الحفاظ على تماسك المؤسسة الأمنية ومنعها من الانهيار، وليس الاستمرار في المواجهة المفتوحة.

وفي هذا الإطار، يبدو من اللافت أن الاتفاقيات الأمنية الموقعة مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لم تركز على الجانب الداخلي من المشكلة الأمنية. وهذا يعني أن النظام السياسي سوف يفقد إمكانية الحصول "من الخارج" على مصادر ووسائل حماية المؤسسة الأمنية.

ثالثا: إن إستراتيجية "التفكيك بالتتابع" لمؤسسات الدولة وبنياتها سوف تؤدي إلى خلق مشكلة جديدة، مماثلة وشبيهة بالمشكلة التي نشأت في أعقاب محو الدولة في أبريل/نيسان 2003، حين تلاشت واختفت فجأة كل مصادر الضبط والسيطرة داخل المجتمع. وبكلام آخر، لن تعود المشكلة محصورة في حدود معالجة "الثغرات الأمنية" التي يتسرب أو يتسلل منها العنف هنا أو هناك، بل إن "وجود المؤسسة الأمنية" نفسها سوف يصبح هو المشكلة التي يتعين مواجهتها والصراع من أجلها.

إنها حرب أخرى مضادة، هدفها النهائي إنجاز ما يمكن تسميته "بالمحو المعكوس للدولة"، أي "تفكيك الدولة" الجديدة التي قامت على أنقاض الدولة السابقة وتحطيم رموزها. وهذا يعني أن الدولة في العراق يمكن أن تختفي مرة أخرى، تماما كما اختفت في أبريل/نيسان 2003.

بيد أن التلاشي الثاني لمظاهر الدولة ولأشكال تجسّدها في أرض الواقع وفي غضون بضع سنوات فقط، لن يكون عاملا حاسما في تقرير مسألة نهاية الصراع الدائر وحدوده، يل سيكون عاملا حاسما في تقرير مسألة "بقاء العراق" نفسه، وسواء جرى هذا المحو ببطء أو بشكل سريع ومتتابع، فإنه سوف ينتهي لا محالة إلى نشوء فدراليات الأمر الواقع، ونهاية حقبة "العراق الموحد".

"
استمرار حرب المفخخات في المرحلة المقبلة قد يؤدي إلى إدخال البلاد في طور جديد من التحّلل ككيان، أي تحلل العراق كدولة ومجتمع وجغرافيا
"

ولذلك، فليس من قبيل التشاؤم القول إن استمرار "حرب المفخخات" في المرحلة المقبلة قد يؤدي إلى إدخال البلاد في طور جديد من التحّلل ككيان، أي تحلل العراق كدولة ومجتمع وجغرافيا. وفي صراع من هذا النوع، سوف تكتب الطوائف والعرقيّات بالدم والدموع، الخاتمة الحزينة "لحقبة العراق الموحد" الذي تنشأ على أنقاضه "دويلات مدن" تحكمها مليشيات مسلحة أنهكها القتال.

يُقال إن التاريخ البشري يعرف جيدا أكبر ثلاث إمبراطوريات: بابل وروما وبغداد. ولمرتين متتاليتين في هذا التاريخ، مرة مع الإمبراطورية البابلية الآشورية، وأخرى مع الإمبراطورية العباسية، أعاد العراق تشكيل نفسه من "دويلات مدن" متناحرة، حين نشأ كنتاج وخلاصة لتلاقي الثقافتين السومرية والأكدية فوق أرضه. وفي وقت تال مع الإسلام أعاد العراق تشكيل نفسه من "ولايات"، بعضها لم يخضع لسلطته المركزية، أي أنه عرف في تاريخه الطويل هذا أشكالا متعددة من تطور الدولة، لكنه في كل الحالات لم يستسلم لقدره.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك