عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


أولا: فرص بناء قوة رادعة
ثانيا: خيارات الدفاع الجوي
ثالثا: تأمين المنشآت البحرية
رابعا: آليات السيطرة والتحكم بالحدود الإقليمية

كيف يُمكن إبعاد شبح حرب تقليدية ضد دولة من دول الخليج، أو ضد مجموعة من دوله؟ هل يملك الخليجيون قوة ردع تحول دون وقوع مثل هذه الحرب أو ما هو أكثر منها؟ ما عناصر الهجوم والدفاع التي يجب تشييدها لتأمين الخليج من منظومة الأخطار الماثلة أو المتوقعة؟

إن محاولة الإجابة على هذه الأسئلة تمثل مسعى أوليا للاقتراب من ماهية الخطة التي يفترض بلورتها للدفاع عن أمن الخليج. وهذا ما سوف تناقشه هذه المقالة ضمن أربعة محاور: يرتبط الأول بفرص بناء الردع، والثاني بالسياسات الخاصة بالدفاع الجوي، ويُعنى الثالث بالأمن الملاحي، والرابع بأمن الحدود الإقليمية. ومصطلح دول الخليج المستخدم هنا يشير تحديدا إلى دول مجلس التعاون الخليجي.

أولا: فرص بناء قوة رادعة
يتمثل الركن الأول في خطة الدفاع عن أمن الخليج في بناء قوة ردع تبعد شبح الحرب، وتوفر حدا أدنى من الاستقرار الإقليمي.

وعلى نحو مبدئي، هناك ثلاثة خيارات لبناء قوة ردع خليجية:
الخيار الأول بناء قدرات نووية عسكرية، على النحو الذي ذهبت إليه كل من الهند وباكستان وكوريا الشمالية.

بيد أنه فيما يتعلق بدول الخليج، فإن خيار الردع النووي غير ممكن لاعتبارات سياسية، فضلا عن كونه غير مرغوب به أصلا.

الخيار الثاني لبناء الردع يتمثل في امتلاك قدرات تسليحية فوق تقليدية، كيماوية أو بيولوجية. وهذا الخيار لا يتحقق بمجرد امتلاك هذه الأسلحة، بل يتطلب بالضرورة حيازة وسائل إيصال ذات جدارة، سواء أكانت صاروخية أو قاذفات متطوّرة.

بيد أن مثل هذا الخيار غير وارد بالنسبة لدول الخليج، لاعتبارات أخلاقية وتقنية، وبالطبع سياسية أيضا.

"
هناك ثلاثة خيارات لبناء قوة ردع خليجية: الأول بناء قدرات نووية عسكرية، والثاني امتلاك قدرات تسليحية فوق تقليدية، كيماوية وبيولوجية, والثالث تطوير قوة تقليدية متفوقة
"
الخيار الثالث لبناء الردع يتمثل في تطوير قوة تقليدية متفوقة أو قادرة، كحد أدنى، على توجيه ضربة جوابية مكلفة وغير محتملة بالنسبة للعدو.

وضمن هذا الخيار، هناك مساران يُمكن لدول الخليج على نحو مبدئي سلوكهما: يتمثل الأول في امتلاك تفوق جوي حاسم، ويتجسد الآخر في حيازة قدرة صاروخية ضاربة.

لا يبدو تحقيق تفوق جوي إقليمي أمرا سهلا، إذا نظرنا إلى الشرق الأوسط باعتباره مسرح عمليات واحدا، أو على الأقل شديد الترابط.

ويتوفر في دول الخليج عدد من مقاتلات الجيل الرابع. وهناك بعض النماذج الحديثة من هذا الجيل قد تأخذ طريقها قريبا إلى المنطقة. فقد عقدت السعودية صفقة لشراء 72 طائرة قتال وهجوم أرضي من نوع "FGA Eurofighter Typhoon" البريطانية الأوروبية بقيمة 13 مليار دولار. وتمتلك السعودية أيضا "F-15C/D" و"Tornado IDS".

وكانت الإمارات قد اشترت من ناحيتها 80 مقاتلة من طراز "أف 16" في العام 2005. وتسلمت عُمان هي الأخرى في منتصف العام 2006 الدفعة الأخيرة من 12 طائرة من طراز "أف 16" بقيمة 825 مليون دولار. وتملك البحرين بدورها مقاتلات "أف 16"، وهناك مقاتلات ميراج 200 في كل من قطر والإمارات.

وقد أعلنت فرنسا يوم 19 يونيو/حزيران 2009 أنها تقترب من التوصل إلى اتفاق مع الإمارات لبيعها 60 مقاتلة من مقاتلات "رافال". وقالت الكويت من ناحيتها، يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 2009، إنها تأمل في شراء مقاتلات "رافال"، وهي تنتظر من فرنسا الشروط الخاصة بهذه الصفقة.

ومبدئيا، فإن المقاتلات الموجودة في دول الخليج، وتلك المخطط لحيازتها، لا تختلف كثيرا عن المقاتلات الموجودة في بقية دول الشرق الأوسط، على مستوى المواصفات التكتيكية والعملانية. بيد أن هذا التقارب النسبي في المواصفات تتضاءل أهميته بملاحظة غياب التوازن في نوع وحجم الذخيرة المتاحة للأطراف المختلفة.

كذلك، فإن دخول مقاتلات الجيل الخامس إلى الشرق الأوسط، وهو مرجح بحلول العام 2015، بالنسبة للمقاتلة "أف 35"، من شأنه أن يعزز الفجوة القائمة في ميزان القوى الجوي. وبطبيعة الحال، لا تبدو دول الخليج في وارد اقتناء مقاتلات الجيل الخامس في المدى المنظور، وهذا أمر مفهوم.

وحتى بعدم ملاحظة دخول مقاتلات الجيل الخامس الشرق الأوسط، فإن ما تخطط دول الخليج لامتلاكه من مقاتلات متعددة المهام، أكثر حداثة، يبقى على المستوى الكمي دون ما هو مطلوب للتصدي لمهام معركة فعلية.

وتتمثل المعضلة الثالثة فيما يرتبط بمقاربة القوة الجوية الخليجية كأداة ردع في كونها غير عصية في المجمل على أنظمة الدفاع الجوي المتوفرة في الشرق الأوسط، أو التي في طريقها إليه. وبعض هذه الأنظمة لا تستطيع مقاومتها سوى مقاتلات الجيل الخامس من نوع "F-22 Raptor". ومن دون امتلاك سيطرة جوية فإن مفهوم الردع، الذي قد يمثله الطيران الحربي، يغدو منتفيا بالضرورة.

"
الشرط الأهم لنجاح القوة الصاروخية كعامل ردع يتمثل في تعاظم مخزونها القابل للاستخدام، وقدرتها تاليا على تحقيق ما يُعرف بالإغراق الصاروخي، الذي يصعب التعامل معه من قبل منظومات الدفاع
"
المسار الآخر للردع، المستند إلى قوة تقليدية، يتمثل في امتلاك قوة صاروخية قصيرة ومتوسطة المدى. وهذا المسار يبدو أقل تعقيدا بالنسبة لدول الخليج. وقد أضحت بعض دول العالم تستند عليه على نحو حصري، أو لنقل شبه تام.

وفي الوقت الراهن، فإن أبعد صاروخ لدى دول الخليج هو الصاروخ الصيني "Dongfeng 3" المعروف بـ"CSS-2"، الذي يبلغ مداه 2500 كيلومتر.

ومبدئيا، يُمكن للدول الخليجية أن تبني قدراتها الصاروخية على مرحلتين: تتمثل الأولى في اعتماد سياسة استيراد معزز للصواريخ المتوسطة المدى. وتتجسد الثانية في توطين تكنولوجيا الصواريخ.

وعلى الرغم من أن التسليح الخليجي تسليح غربي في طابعه الأعم، فإن دول الخليج لا يمكنها استيراد الصواريخ المتوسطة المدى من الولايات المتحدة، لأنها لا تنتج هذه الصواريخ منذ أكثر من عقدين من الزمن، فضلا عن الحذر الأميركي المعروف في هذا الشأن.

ومرد عدم الإنتاج الأميركي هذا يعود إلى "معاهدة تصفية الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى" الموقعة بين واشنطن وموسكو في العام 1987، والتي أضحت نافذة بتاريخ الأول من يونيو/حزيران 1988. وقد تخلصت الدولتان بموجب هذه المعاهدة من كافة مخزونهما من الصواريخ المتوسطة المدى (من 1000 كلم إلى 5500 كلم)، والصواريخ الأقل مدى (من 500 كلم إلى 1000 كلم)، حيث تم إتلاف 1836 صاروخا سوفياتيا و859 صاروخا أميركيا.

وفي وقتنا الحالي، تعتبر الصين أكبر منتج على صعيد عالمي للصواريخ الباليستية المتوسطة المدى، ويمكن لدول الخليج أن تستورد بضعة نماذج من هذه الصواريخ، كما يمكنها الاستيراد من فرنسا، على سبيل المثال.

ويتمثل الشرط الأهم لنجاح القوة الصاروخية كعامل ردع في تعاظم مخزونها القابل للاستخدام، وقدرتها تاليا على تحقيق ما يُعرف بالإغراق الصاروخي، الذي يصعب التعامل معه من قبل منظومات الدفاع المضادة للصواريخ.

ثانيا: خيارات الدفاع الجوي
الركن الثاني في خطة الدفاع عن أمن الخليج يتمثل في بناء منظومة دفاع جوي، قادرة على كسر السيطرة الجوية، التي قد تراهن عليها القوة المبادرة بشن الحرب.

وعلى الرغم من ذلك، لا بد من الإقرار بداية بأن الدفاع الجوي من أكثر العناصر تعقيدا في أية خطة دفاعية، وذلك بملاحظة المزايا المتقدمة التي باتت تتمتع بها الطائرات الحربية الحديثة، فضلا عن التحدي الصاروخي الأكثر وضوحا.

"
الركن الثاني في خطة الدفاع عن أمن الخليج يتمثل في بناء منظومة دفاع جوي، قادرة على كسر السيطرة الجوية، التي قد تراهن عليها القوة المبادرة بشن الحرب
"
بالنسبة لدول الخليج، يتمثل الخيار الأكثر قابلية للتطبيق في تطوير منظومات الدفاع الجوي الحالية كي تقوم بمهمات الدفاع ضد الطائرات والصواريخ الباليستية التكتيكية في آن معا.

وتستطيع أنظمة الدفاع الجوي القصيرة المدى التصدي لما تطلقه الطائرة المغيرة من صورايخ وقنابل موجهة، لكنها لا تتمكن من استهداف الطائرة نفسها. أما الأنظمة المتوسطة المدى فيمكنها مبدئيا تحقيق ذلك. وعليه، يمكن أن يعتمد نظام الدفاع الجوي الخليجي على منظومات دفاع متوسطة المدى، ويستعين في الوقت ذاته بمنظومات قصيرة المدى، من أجل حماية المنظومات الأولى من الصواريخ المضادة للرادار.

ويوجد في الخليج حاليا بعض فئات أنظمة باتريوت (Patriot) للدفاع الجوي، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعمم، على المستوى الخليجي، النموذج الأكثر تطوّرا من هذه الأنظمة، وهو "PAC-3"، وضمن أي نطاق زمني قد يحدث ذلك.

وإضافة إلى ما هو متاح حاليا، أفادت تقارير فرنسية بأن باريس تسعى لتسويق منظومة دفاع مضاد للصواريخ لدول الخليج، ربما تكون بدايتها في الكويت.

كذلك أشار تقرير روسي، نشر في يوليو/تموز 2009، إلى أن موسكو تتجه لتزويد إحدى دول الخليج بنظام دفاع جوي من طراز "أس 400".

وتمتلك السعودية نظام الإنذار والسيطرة المحمول جوا (AWACS) من طراز "أي 3-707"، وهو يقوم بمهام المراقبة والقيادة والسيطرة لقوات الدفاع التكتيكية والجوية.

ثالثا: تأمين المنشآت البحرية
يتمثل الركن الثالث في خطة الدفاع عن أمن الخليج في تأمين المنشآت البحرية، الثابتة والمتحركة، وخاصة منشآت النفط والغاز.

كذلك، على دول الخليج أن تعمل على بناء شراكات وتفاهمات ذات صلة بالأمن البحري، وأن تؤكد للمجتمع الدولي على نحو دائم أن إحدى الثغرات الكبرى في أمنه تتجسد في انكشاف ممرات الطاقة.

والواضح اليوم أن تحديات الأمن الملاحي قد فرضت نفسها على معظم الممرات الحيوية في المحيط الهندي، من هرمز إلى ملقا. وباتت قوافل النفط والغاز المتجهة من الخليج العربي عرضة لمخاطر القرصنة، تماما كما هو حال السفن التجارية. والملاحظ أن البوارج الأجنبية الموجودة حاليا في خليج عدن وبحر العرب، في غالبها غير متناسقة مع مهمة التصدي لظاهرة القرصنة، لكونها كبيرة الحجم، تصل حمولة بعضها إلى تسعة آلاف طن، ويصعب عليها بالتالي مطاردة الزوارق السريعة، التي يستقلها القراصنة.

إن دول الخليج معنية بحيازة عدد كاف من سفن الحراسة الصاروخية، المجهزة بالصواريخ والمدافع والأنظمة المعلوماتية المتطوّرة. وستكون هذه خطوة جوهرية على طريق تحقيق الأمن البحري لهذه المنطقة.

رابعا: آليات السيطرة والتحكم بالحدود الإقليمية

"
يمكن لدول الخليج اللجوء إلى الطائرات الموجهة (بدون طيار) باعتبارها إحدى الوسائل الفاعلة في المراقبة وجمع المعلومات الخاصة بأمن الحدود, وتتميز هذه الطائرات بانخفاض تكلفتها "
تمثل السيطرة على الحدود الإقليمية ركنا رابعا في خطة الدفاع عن أمن الخليج. وتبرز في هذا السياق ثلاث مسائل، يجب التأكيد عليها على نحو دائم: أولاها توفير التقنيات الحديثة الخاصة بحراسة الحدود، من قبيل أجهزة التنبيه والمراقبة الإلكترونية والأشعة تحت الحمراء والكواشف الحرارية.

وترتبط المسألة الثانية بتوفير عدد كاف من مروحيات الخفر، المجهزة بالأنظمة والمعدات التي تؤهلها للتعامل مع التطورات الطارئة على الحدود، وخاصة التصدي لعصابات الجريمة المنظمة.

وعلى صعيد ثالث، يمكن لدول الخليج اللجوء إلى الطائرات الموجهة (بدون طيار)، باعتبارها إحدى الوسائل الفاعلة في المراقبة وجمع المعلومات الخاصة بأمن الحدود. وتتميز هذه الطائرات بانخفاض تكلفتها النسبية مقارنة بالكثير من الوسائل الأخرى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك