عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


وجه الجبن في القرار الأوروبي
الأوروبيون أقاموا إسرائيل
دولة فلسطين الأوروبية
القول بلا فعل
العلة في الضعيف

اتخذت أوروبا مؤخرا قرارا بخصوص القدس مفاده بأن المدينة عاصمة لدولتين من خلال العملية التفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لم توافق دول الاتحاد الأوروبي على المقترح السويدي الذي دعا إلى اعتراف أوروبي صريح وواضح بما يسمى القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية التي يتم الدعوة إلى إقامتها على مستوى عالمي، وخرجت في النهاية بقرار أشبه ما يكون باجترار لمواقف أوروبية شبه جمْعية سابقة.

أعلنت أغلب الدول الأوروبية عبر السنوات الطويلة منذ عام 1967 عن تأييدها لإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس شرق، أو على الأقل اعتبرت القدس شرق منطقة محتلة لا يجوز التلاعب بمعالمها ووضعها من قبل إسرائيل.

هذا القرار الأوروبي متناسب تماما مع الحجم الدولي الذي تصنعه أوروبا لنفسها، وهو حجم أقل بكثير من قدراتها الاقتصادية والعسكرية والثقافية والاجتماعية الحقيقية. الاتحاد الأوروبي عبارة عن تكتل ضخم، وهو عملاق اقتصادي وعسكري، ويمتلك مقومات هائلة للتأثير الفعلي على الساحة الدولية، لكنه لا يتصرف حتى الآن وفق هذه العملقة الحجمية، وما زال يتعامل مع مختلف القضايا العالمية بحذر الجبان.

حذر الجبان هو التقدم نحو المسائل بخجل ووجل، وبخطوة مرتبكة ترتد في النهاية إلى اللافعل، وهو مختلف عن حذر الشجاع والذي يعني الحرص مع التقدم بثبات.

الاتحاد الأوروبي مجتمعا يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية، وهناك دول مركزية فيه دعت إلى إقامة دولة فلسطينية، ودول عدة أخرى أدانت الاستيطان في الماضي، وما زالت تدينه، وطالما دعت إلى عدم المس بالقدس شرق على اعتبار أنها مدينة محتلة وفق القانون الدولي.

وجه الجبن في القرار الأوروبي

"
وجه الجبن الحقيقي في القرار الأوروبي حول القدس هو أنه أدخل التفاوض كعنصر أساسي لتثبيت فكرة المدينة كعاصمة لدولتين، الأمر الذي يقلل من القيمة المبدئية للقرار لصالح القيمة الظرفية المرتبطة بالمفاوضات
"
نص قرار الاتحاد الأوروبي على أن القدس عاصمة لدولتين دون أن يعطي تحديدا واضحا لما يعنيه: هل عنى بالضبط القدس شرق التي تم احتلالها عام 1967 بدون مستوطنات، أم ترك الباب مفتوحا للتفاوض حول بقاء المستوطنات؟ هل يجب إزالة المستوطنات، أم أنه من الممكن التفاوض حول تعديلات جغرافية أو إدارية لحل لمسألة المستوطنات خارج القانون الدولي؟ وهل القرار مع تقسيم القدس سياسيا، أم أنه يفتح الباب للتقسيم الإداري فقط مع بقاء القدس مدينة واحدة؟

أما وجه الجبن الحقيقي أن القرار أدخل التفاوض كعنصر أساسي لتثبيت فكرة المدينة كعاصمة لدولتين، الأمر الذي يقلل من القيمة المبدئية للقرار لصالح القيمة الظرفية المرتبطة بالمفاوضات. من المحتمل أن تتمخض المفاوضات عن حل لا يتناسب تماما مع فكرة الدولتين، وهو أمر ممكن لأن الجانب الفلسطيني لم يتمسك عبر العملية التفاوضية بالقرارات الدولية، وفضل الوصول إلى حلول عبر التفاوض خارج نصوص القرارات الدولية.

فمثلا ترك الجانب الفلسطيني قضية اللاجئين الفلسطينيين لمفاوضات الوضع الدائم علما أن القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة يطالب إسرائيل بالتسهيل الفوري لعودة اللاجئين. وكذلك حصل بالنسبة لحق تقرير المصير الذي لم يأت اتفاق أوسلو على ذكره.

واضح أن الاتحاد الأوروبي بحث عن تعديل للمبادرة السويدية لكي لا يُغضب إسرائيل، أو أن يغضبها برقة إذا كان لها أن تغضب. وهذا ما لمسناه من رد فعل الحكومة الذي قال إن القرار الأوروبي لم يأت بجديد، على الرغم من ردود فعل غاضبة من سياسيين إسرائيليين. وحقيقة لم يكن من المتوقع أن يتخذ الأوروبيون قرارا حازما يدافعون عنه، وسيرتهم في تناول القضية الفلسطينية، وقضايا عالمية أخرى تثبت ذلك.

الأوروبيون أقاموا إسرائيل
أوروبا هي التي أقامت إسرائيل، ومهدت لذلك بتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين وتسهيل انتقال الأراضي إلى أيديهم، وذلك قبل قيام المنظمة الصهيونية العالمية وبعدها.

عمل سفراء العديد من الدول الأوروبية على الضغط على الباب العالي في الآستانة، وقناصلها في القدس من أجل زيادة عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، وعملوا على شراء أراض وفق قوانين انتقال الأراضي التي شرعتها الدولة العثمانية نتيجة لتلك الضغوط. والأوروبيون هم الذين قسموا بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين وفق إرادتهم وضد مصالح الشعب العربي في المنطقة، وخصصوا فلسطين لتكون تحت الانتداب البريطاني وفق صك الانتداب لعام 1922.

عاثت بعد ذلك بريطانيا الفساد في الأرض، ومكنت الصهاينة من الأرض. أما فرنسا فطردت الملك فيصل من دمشق وقضت على المملكة السورية التي ضمت كل أرض الشام. مكن الأوروبيون إسرائيل من العرب، فدعموها في حرب عام 1948، وزودوها بكميات كبيرة من الأسلحة، وطلبوا منها المشاركة في حرب السويس.

أوروبا، بخاصة فرنسا، هي التي زودت إسرائيل بالمفاعل النووي، وهي التي دبرت أمر الترويج لسرقة الماء الثقيل، وسرقة القوارب الحربية، وهي التي زودتها بالأسلحة المتطورة التي استعملت في ضرب الجيوش العربية عام 1967. سجل أوروبا ضد العرب والفلسطينيين طويل، وساذج من يظن أن أوروبا ستنقلب على نفسها وتقف ضد إسرائيل.

دولة فلسطين الأوروبية

"
يؤيد الأوروبيون إقامة دولة فلسطينية، لكن أحدا لم يعرف لنا هذه الدولة حتى الآن, وفكرة "القابلة للحياة" غير مفهومة وغير معرفة حتى الآن، وهي بالتأكيد ليست مساوية لفكرة السيادة
"
يؤيد الأوروبيون إقامة دولة فلسطينية، لكن أحدا لم يعرف لنا هذه الدولة حتى الآن. في القرار الأخير قال الأوروبيون إنهم مع دولة فلسطينة متصلة وقابلة للحياة، لكنهم لم يقولوا إنهم مع إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة يتمتع شعبها بحق تقرير المصير. مفهوم أن الأوروبيين ليسوا مع دولة مقطعة الأوصال بالحواجز ونقاط التفتيش الصهيونية، لكن فكرة "القابلة للحياة" غير مفهومة، وهي اختراع لم يرد نص بشأنه في القوانين الدولية. القابلية للحياة غير معرفة حتى الآن، وهي بالتأكيد ليست مساوية لفكرة السيادة.

القابلية للحياة عبارة عن التفاف على فكرة الدولة المستقلة والتي نعرف أنها ذات سيادة وتملك جيشا للدفاع عن نفسها، وحدودا خارجية مفتوحة وفق إرادتها هي، ونظاما اقتصاديا خاصا بها، وتمثيلا دبلوماسيا بعيدا عن تدخل الآخرين.. إلخ.

الأوروبيون والأميركيون يتجنبون الحديث عن هذه المسائل، ويتعاملون مع فكرة الدولة الفلسطينية كمسألة خارج القواعد الدولية المتبعة والمنصوص عليها صراحة في القانون الدولي. القابلية للحياة غير معرفة، وهي فكرة خاضعة للكثير من الاجتهادات، ومن الوارد جدا ألا ترتقي في التطبيق العملي إلى درجة الاستقلال.

فمثلا يمكن أن تعني أن الدول الأخرى تتكفل بالإنفاق على هذه الدولة ما دامت ملتزمة بشروط معينة، وهذا يعني أن الاستقلال مشروط بتنفيذ إرادات الآخرين، وليس بإرادة الدولة نفسها. أو من الممكن فتح الحدود مع الأردن ومصر شريطة أن يتولى الأوروبيون مراقبة حركة المرور وفق شروط إسرائيلية. أو من الممكن إخضاع المناهج التربوية والتعليمية من قبل آخرين للاطمئنان بأن هذه الدولة تنشئ أبناءها وفق مبادئ وتوجهات يرضى عنها آخرون.. إلخ.

ربما تنحصر فكرة القابلية للحياة بمسألة المعيشة وليس بمسألة الحياة. من المحتمل أن بعضهم يرى أن الأكل والشرب والتنقل هو الحياة، ولا يرى في مسائل الكرامة، ووحدة الشعب الفلسطيني، والاعتزاز الديني قضايا حياتية مهمة. مثل هذا التفكير يتعامل مع الفلسطينين كحيوانات مهذبة أو مروضة جيدا، وتكتفي بما يقدم لها من نعيم مادي دون احترام القضايا المعنوية والحضارية.

تقديري أن الأوروبيين ومعهم الأميركيون يروجون لكيان فلسطيني يعمل وكيلا أمنيا لإسرائيل، ويخضع للكثير من المعايير الأمنية والتربوية والاقتصادية التي تضمن بقاءه عالة على الآخرين وعاهة أخلاقية تخدم العدو، مع تزويده بما يلزم من المال والغذاء، ضمن حدود الفقر المرتفع، أي الذي لا يصل درجة من البحبوحة التي قد ينتقل الناس معها إلى التفكير باحترام الذات. وهذا ما يفسر إحجام أهل الغرب عموما، وإسرائيل عن إعطاء تعريف واضح للدولة الفلسطينية التي يتحدثون عنها.

القول بلا فعل
قالت الحكومات الأوروبية أشياء كثيرة لصالح الفلسطينيين، وانتقادات للسياسات الإسرائيلية، لكنها لم تجرؤ حتى الآن على اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل إلا من إجراء هزيل جدا وهو مقاطعة البضائع والسلع التي تنتجها المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية. وليس من المؤكد أن الأوروبيين استطاعوا المقاطعة لأنه من السهل تغيير النشرة الموجودة على المنتج الصهيوني والإفادة بأنه منتج داخل الكيان.

كانت هناك قرارات شعبية مثل المقاطعة الأكاديمية للأكاديميين الصهاينة أو للجامعات الصهيونية، لكن هذا قرارا شعبيا لم يصل إلى المستوى الرسمي.

إذا كانت أوروبا جادة في مواقفها لصالح الفلسطينيين، أو ضد الإجراءات الإسرائيلية في القدس وعموم الضفة الغربية فإن عليها اتخاذ إجراءات عملية. لقد ثبت مع الزمن أن المواقف الكلامية والرسائل الرسمية لا تجدي نفعا مع إسرائيل، وهذا ما يوجب اتخاذ مواقف إجرائية متصاعدة ضد إسرائيل.

"
إسرائيل مطمئنة إلى أن المواقف الأوروبية عبارة عن مواقف نظرية فقط، وهي مواقف ربما لا تحظى بإجماع، وأن القادة الأوروبيين لا يملكون الجرأة الكافية لترجمة أقوالهم إلى إجراءات تقود إلى انصياع إسرائيل
"
إسرائيل مطمئنة إلى أن المواقف الأوروربية عبارة عن مواقف نظرية فقط، وهي مواقف ربما لا تحظى بإجماع، وأن القادة الأوروبيين لا يملكون الجرأة الكافية لترجمة أقوالهم إلى إجراءات تقود إلى انصياع إسرائيل. ولهذا ليس من المعول على الأوروبيين البحث عن حل للقضية الفلسطينية.

للأوروبيين فائدة عملية واحدة تتمثل في صرف الفواتير المترتبة على تدمير إسرائيل للمنشآت الفلسطينية ودفع ثمن التنازلات الفلسطينية للفلسطينيين.

الأوروبيون هم ثاني أكبر متبرع للفلسطينيين بعد العرب لإصلاح الدمار الذي تلحقه إسرائيل في عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني، وهم الذين يقدمون الأموال المترتبة على الاتفاقيات مع إسرائيل لدعم السلطة الفلسطينية وتمكينها من صرف رواتب الموظفين.

وهذه مسألة تلاقي تشجيعا أميركيا وإسرائيليا إلى درجة أن مسؤولين إسرائيليين يطالبون أوروبا بدعم السلطة الفلسطينية كلما أحسوا أنها تمر بضائقة مالية، هذا إن لم تكن حماس هي التي في المسؤولية.

خضع الأوروبيون لإرادة إسرائيل بعدما فازت حماس بالانتخابات، وقرروا مقاطعة حكومة السلطة ماليا، وشاركوا في الحصار المضروب على شعب فلسطين. ناقض الأوروبيون كل المبادئ الديمقراطية التي يروجون لها، وقرروا العمل ضد إرادة الشعب الفلسطيني. هذا بحد ذاته يثبت أن الأوروبيين ليسوا مع إقامة دولة فلسطينية تعبر عن إرادة الشعب، وإنما مع دولة تعبر عن إرادة الغير والتي لا يمكن أن تكون دولة حقيقية.

من الملاحظ أن حملة الأوروبيين ضد السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية تشتد إذا اشتدت الانتقادات الأميركية لهذه السياسات. فمثلا اشتدت الحملة الأوروبية ضد الاستيطان عندما تحدث أوباما ضد الاستيطان، وخبت عندما خبا أوباما.

هناك مؤشرات قوية في مجالات عدة تثبت أن الأورويين لم يصلوا إلى درجة النضوج الاستقلالي بعد، وهم ما يزالون تحت وطأة إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي غزة مثال صارخ على ذلك. على الرغم من صراخ العديد من الممثلين العالميين والأوروبيين حول سوء الأوضاع في غزة، إلا أن أوروبا تساهم في استمرار معاناة الناس في غزة للضغط على حماس. إنها تساهم في عمل إرهابي وفق التعريف الغربي الذي يقول إن الإرهاب هو استخدام القوة ضد مدنيين لتحقيق أهداف سياسية.

العلة في الضعيف
خاب من بحث عن مشاكله خارج ذاته. من المحتمل أن يستعين المرء بأصدقاء، ومن المحتمل أن يحتاج بعض العون، إنما بعدما يكون قد استعد واستغل قدراته وإمكاناته وطاقاته، أي بعدما يكون قد بحث في داخله عن مواطن قوته وعمل على تعزيزها. قد يجد عندها من يساعده، ومن المحتمل أن يستجاب دعاؤه.

"
الحقيقة التي تبقى أكثر وقعا من الإعلام: عرب يستجدون، وأوروبيون لا يقدرون، فيكتفي الطرفان بالطحين والأسبرين كتعويض عن حق تقرير المصير
"
أما ذلك المستكين الذي لا يرى في نفسه غير الضعف والاعتماد على الآخرين فيبقى عالة على نفسه وعلى الآخرين، وقد يحصل على بعض الإحسان وقد لا يحصل. هذا عبارة عن عاهة لا يرى لنفسه مستقبلا أو كيانا إلا من خلال الآخرين، وهو دائم البكاء والعويل من أجل استدرار العطف.

الأوروبيون والأميركيون أقوياء ما دامت الأيدي ممدودة نحوهم لتلقي العون. ولهذا يرى الأوروبيون في قرارهم الأخير شيئا عظيما من خلال ترحاب السلطة الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية بالقرار.

هزيل يتلقى المجد ممن هو أكثر هزلا، والحقيقة تبقى أكثر وقعا من الإعلام: عرب يستجدون، وأوروبيون لا يقدرون، فيكتفي الطرفان بالطحين والأسبرين كتعويض عن حق تقرير المصير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك