ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


تنذر المناكفات والتصريحات التي تم تبادلها مؤخرا بين الطرفين الإيراني والسعودي بمرحلة جديدة من التأزم المعلن، مع العلم أن علاقة الطرفين لم تكن على ما يرام طوال السنوات الماضية، وتبدو تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي لقادة بعثة الحج قبل أسابيع تعبيرا عن ذلك التصعيد، إذ لم تُشر إلى نوايا حث الحجاج الإيرانيين على التظاهر أثناء موسم الحج فقط، الأمر الذي يثير حساسية بالغة لدى القيادة السعودية، بل تجاوزها إلى انتقادات لمواقف سعودية سابقة تتعلق بالتعامل مع الزوار الشيعة للبقيع في المدينة المنورة، فضلا عن إشارة إلى دور سعودي في التفجيرات التي تطال الشيعة في العراق وباكستان. ثم جاءت تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد المشابهة ومن ثم تصريحات أحمد الخميني لتزيد الوضع تأزما.

الأكيد أن تصريحات المرشد المشار إليها لم تكن زلة لسان عابرة، فضلا عن التصريحات اللاحقة، بل كانت تتويجا للحرب الإعلامية التي تشنها وسائل الإعلام الإيرانية على نحو غير مسبوق ضد السعودية منذ شهور (وقف بث قناة العالم على نايل سات وعرب سات كان ردا عربيا على ذلك)، ورسالتها الواضحة (أعني الحرب الإعلامية) هي أن صبر إيران قد نفد، وأن استمرار "التحريض المذهبي" من طرف السعودية لن يكون مقبولا بحال، وسيرد عليه بما هو مناسب، فضلا عما يُعتقد أنه تحريض للولايات المتحدة على التشدد في التعامل مع إيران وملفها النووي.

"
الحملة الإيرانية الجديدة ضد السعودية هي تعبير عن شعور زائد بالقوة، وذلك رغم الجراح التي نتجت عن تجربة الانتخابات الرئاسية، فضلا عن تعبيرها عن عدم القدرة على احتمال ما يصنف على أنه استخفاف سعودي بالجارة الإقليمية الكبيرة
"
نعلم أننا بهذه المعالجة ندخل عش الدبابير، لكننا ندعو الله أن تكون نصيحة مخلصة للإسلام والمسلمين، آملين أن لا يبادر البعض إلى صبّ المزيد من الزيت على نار الأزمة، لاسيما بعد أن دخلت منعطفا جديدا في ظل ما يجري من تصعيد في اليمن بين الدولة والحوثيين، والذي دخلت السعودية على خطه بوضوح، وبالطبع بعد أن سبقهم الإيرانيون إلى ذلك، بصرف النظر عن الجذور المحلية للحرب.

والحال أننا إزاء معادلة بالغة التعقيد في هذه الآونة، فمن زاوية تبدو العلاقات السعودية مع سوريا، حليفة طهران في المنطقة في طور التحسن (يرى البعض أن الحرص السعودي على تحسينها هو جزء من إبعاد دمشق عن المحور الإيراني)، وعلى صعيد آخر تبدو المسألة النووية الإيرانية قد دخلت منعطفا آخر في ظل اعتراف أميركي غربي بعدم إمكانية شطب المشروع النووي برمته، وبالتالي البحث عن آفاق للتفاهم قد تتضمن، وإن استبعدنا ذلك، التوصل إلى صفقات سياسية مع طهران تتصل بالوضع العراقي، وربما الأفغاني، واللذان يشكلان نقطة استنزاف بالغة الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة، في حين تدرك واشنطن أن بوسع طهران أن تفعل الكثير في هذا السياق، وكم من مرة اعتبر مسؤولون إيرانيون أن الجنود الأميركان في العراق وأفغانستان هم أشبه برهائن لدى إيران.

كل ذلك يشير إلى أن الحملة الإيرانية الجديدة ضد السعودية هي تعبير عن شعور زائد بالقوة، وذلك رغم الجراح التي نتجت عن تجربة الانتخابات الرئاسية، وما ترتب عليها من قدر من الانقسام الداخلي يصعب إنكاره، كما يصعب التكهن بتداعياته، فضلا عن تعبيرها (أعني الحملة الإيرانية) عن عدم القدرة على احتمال ما يصنف على أنه استخفاف سعودي بالجارة الإقليمية الكبيرة.

ليس من العسير القول إن الجانب الأكثر إثارة بالنسبة لطهران في السلوك السعودي هو استخدام التحريض المذهبي في السياق السياسي، فضلا عما يترتب عليه برأيها من أعمال عنف ضد رعاياها وضد الشيعة في أكثر من مكان (تفجيرات الداخل هي الأكثر أهمية، لاسيما خلال المرحلة الأخيرة التي تصاعدت فيها على نحو لافت)، وهنا ترى طهران أن السعودية لا تفعل الكثير على صعيد لجم الخطاب المذهبي المنطلق من بعض دوائرها المحلية، فضلا عن الدوائر التابعة لها في أكثر من بلد عربي، وقصة "الرافضة" التي تترد في الإعلام الممول أو الموجّه سعوديا هي عنوان التحريض، لكن الوجه الآخر لهذه الصورة لا زال يشير إلى أن فضائيات الطرف الآخر لا تقصر بدورها في ضخ الخطاب المذهبي، بل إنها (ليس كلها بالطبع) في كثير من برامجها باتت تعبر عن شعور طاغ بالقوة لا يرى بأسا في تكرار المقولات التي تستفز السنّة بشكل كبير، بخاصة ما يتصل بملف الصحابة رضوان الله عليهم.

أما الذي لا يقل أهمية فيتمثل في عدم ضبط إيران لجهات تعمل على التبشير بالمذهب بطريقة مستفزة (ينسب هذا الأمر للشيرازيين)، وإن كنا نرى في الأمر مبالغة من جهة، وإساءة للسنّة من جهة أخرى، وبالطبع لأن مذهبهم ليس هشا لكي يُحرف الناس عنه بسهولة، والثاني أن حالات التشيع لا تكاد تذكر، تقابلها حالات تسنن من الطرف الآخر (لو كان التشييع سهلا لنجح مع سنّة إيران).

"
فتح المعركة بين الرياض وطهران على مصراعيها لن يكون في صالح أي منهما، فلا السعودية يمكنها احتمال التحريض الإيراني وإثارة القلاقل لها ولجيرانها في الخليج، ولا إيران يمكنها احتمال حرب مذهبية مفتوحة ضدها
"
من جهة أخرى لا يبدو من السهل على الرياض وقف تلك الحملة المذهبية، أولا بسبب صعوبة لجم الحالة السلفية المعروفة بتشددها حيال المذهب الشيعي (يشمل ذلك السلفية التقليدية والسلفية الجهادية وحتى الإصلاحية، بل يشمل حتى دوائر إخوانية متأثرة بالأجواء السلفية أيضا)، وثانيا لأن هناك من يتحدث يوميا عن مساعي التشييع وعن اضطهاد السّنة في إيران، وثالثا لأن تلك الحملة تظل مصدر قوة مهم بالنسبة للسعودية في مواجهة الطموحات الإيرانية، حيث تبعث إليها برسالة مفادها أن أية طموحات تتجاوز المقبول سيرد عليها بتصعيد تلك الحملة على نحو يدفع العالم العربي والإسلامي "السني" نحو مواجهة شاملة مع إيران.

في ذات السياق تنهض قصة الشيعة في السعودية والخليج، مقابل السنّة في إيران، وهي كرة لهب يتقاذفها الطرفان، لاسيما أنها تنطوي على قدر من الصحة في الحالتين؛ على تفاوت في تقييم كل حالة، وهي قصة تخفت وتتصاعد بناء على الأجواء السياسية، مع أن الأصل هو حق كل طرف في المطالبة بحقوقه بطريقة سلمية مشروعة، لاسيما أن المسألة ذات صلة بالسياسة أكثر من المذهب، بدليل أن في إيران أقليات أخرى تشكو التمييز مع أنها شيعية كما هو حال الكثير من عرب الأهواز. وفي العموم فإن مظالم السياسة ليست حكرا على الأقليات، بل هي تطال الغالبية في أكثر الدول العربية والإسلامية أيضا مع الأسف الشديد.

والحال أننا إزاء سلاح ذو حدين، إذ يمكن لإيران أيضا أن تبدأ حملة تحريض للقوى الشيعية في السعودية والخليج على نحو يهدد الاستقرار في تلك الدول، بخاصة في ظل شعورها بالقوة قياسا بدول عربية مفككة تتصدرها الشقيقة الكبرى التي يعطل فعلها ويسرق دورها ملف التوريث، بينما يمكن للسعودية وسواها من الدول العربية، إضافة إلى ما سلف أن ترد بدعم قوى التمرد السنية، بل وغير السنية (عرب الأهواز الشيعة) في إيران.

والنتيجة أن فتح المعركة بين الطرفين على مصراعيها لن يكون في صالح أي منهما، فلا السعودية يمكنها احتمال التحريض الإيراني وإثارة القلاقل لها ولجيرانها في الخليج، ولا إيران يمكنها احتمال حرب مذهبية مفتوحة ضدها تبدو الأجواء مواتية للنفخ فيها وتصعيدها في ظل الحشد المذهبي في المنطقة، وفي ظل انتشار الخطاب السلفي، فضلا عن إمكانية اللعب على تناقضاتها العرقية والمذهبية.

من هنا، فإن مفتاح الحل لهذه المعضلة يتمثل في حوار سعودي إيراني، والأهم عبر حوار عربي إيراني تتصدره مصر والسعودية، ويمكن لسوريا أن تلعب فيه دورا إيجابيا تبعا لعلاقتها الجيدة بالطرفين، لاسيما أنها تتحسس كثيرا من أي تصعيد من هذا النوع، هي التي تحسب نفسها على "الإسلام السنّي"، وإن دفعتها السياسة نحو الفضاء الإيراني.

كما يمكن لقطر أن تلعب ذات الدور تبعا لعلاقتها الإيجابية بالطرفين أيضا، أما الطرف الثالث فهو تركيا "العدالة والتنمية" التي يمكنها القيام بدور أكثر من إيجابي على هذا الصعيد تبعا لثقلها الإقليمي أيضا.

مثل هذا الحوار هو أكثر من ضروري، لاسيما إذا استثمر حالة الضعف والارتباك الأميركي، وهو حوار تحفزه معادلة أن أحدا من الطرفين العربي أو الإيراني لا يمكنه إلغاء الآخر، فضلا عن وجود قواسم مشتركة كثيرة بين الطرفين مثل الصراع مع المشروع الصهيوني، ومثل الحاجة إلى عراق مستقر، فضلا عن أهمية العلاقات الإيجابية على الصعيد الاقتصادي، وكل ذلك يساعد على مواجهة الابتزاز الأميركي والغربي الذي يفضل استمرار تخويف كل طرف من الآخر.

"
الحوار هو أكثر من ضروري، لاسيما إذا استثمر حالة الضعف والارتباك الأميركي، وهو حوار تحفزه معادلة أن أحدا من الطرفين العربي أو الإيراني لا يمكنه إلغاء الآخر، فضلا عن وجود قواسم مشتركة كثيرة بينهما
"
هذا التطور سيحتاج بدوره إلى ظروف أفضل، فمن جهة يحتاج إلى استقلالية حقيقية للقرار العربي لا تتوفر الآن في ظل ارتهان مصر لهواجس التوريث ورفض الإصلاح، كما سيحتاج إلى تواضع من قبل إيران فيما يتعلق بالطموحات الإقليمية مقابل الوضع العربي والطموح التركي، فضلا عن خروجها من الإطار المذهبي الذي يستفز غالبية المسلمين، إلى جانب قدر من الدفع في اتجاه توافق وطني في العراق لا يهمش العرب السنّة، ويقلل من هواجس جعله دولة تابعة على مختلف الأصعدة.

يبقى الانفتاح الداخلي على الأقليات العرقية والمذهبية في إيران، وهو ما يبدو ضروريا من دون شك، يقابله قدر من الانفتاح الداخلي المقابل في الدول العربية التي تعيش فيها أقليات شيعية، أقله في الدول التي تتوفر فيها أزمة من هذا النوع.

هي قضية شائكة كما قلنا من قبل، لكن الحوار والبحث عن القواسم المشتركة هو الحل، لاسيما أن الصراع لن يصب في صالح أي من الطرفين, بل سيصب من دون شك في صالح عدوهما المشترك ممثلا في المشروع الأميركي الصهيوني.

يبقى موضوع موسم الحج الذي لا يميل أحد إلى تسييسه على النحو الذي تلوح به إيران، وبالطبع حتى لا يترتب على ذلك قدر من الفوضى والدماء التي تسيء إلى الإسلام والمسلمين أمام العالم أجمع، متمنين أن تفضي الجهود السورية القطرية إلى تجاوز هذه الإشكالية كمقدمة لأجواء أفضل تفكك الأزمات الأخرى، ومن ضمنها معركة الحوثيين، بعد ملامح تفكك الأزمة اللبنانية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات