وليد سيف

ولد الدكتور وليد سيف في باقة الغربية بطولكوم عام 1948، وهو شاعر وكاتب قصة قصيرة وكاتب دراما ومؤلف مسرحي وناقد وباحث وأكاديمي فلسطيني أردني.

 

(قتل الإنسان ما أكفَرَه)، إذا اختار أن يرتدّ أسفلَ سافلين، فلا تَعرِف قرارةَ الهاوية التي يسقط فيها. فكلما ظننتَ أنه ارتطم بها، أثبت لك أن ثمةَ مستوياتٍ أخرى أسفلَ منها، حتى تقول: ما الذي تبقّى بعد هذا؟ أليس لهذه الهاوية من آخِر؟ ألم يَستنفد كلَّ ما يخطرُ في بالٍ من المعاذير والحُجج؟ أليس هناك من حدٍّ تنتهي عنده الصلافةُ والتنفّجُ والمكابرةُ والعزةُ بالإثم، لتبدأ فضيلةُ الاستحياء الملازم للشرط الإنساني؟ تلك التي تلزمنا -مهما نبلغ من الجرأة والتمرد والتحدي– أن نستر عوراتنا في الطريق، فإن لم نجدْ ثوباً خصفنا عليها من ورق الشجر كما فعل أبوانا آدمُ وحواء.

"
يا للمفارقة المضحكة المبكية بين تأجيل وتأجيل! أما طلبُ تأجيل مناقشة تقرير غولدستون فمسألةٌ ثانوية عَرَضيةٌ لا تستأهل كل هذا الضجيج، وأما طلبُ تأجيل التوقيع على المصالحة ردّاً على تلك الفضيحة الكبرى، فهو الأجدرُ بالإدانة والتهمة
"
ولكن، لا. فقد علمتنا التجارب في السنين العجاف الأخيرة أن للذروة نهايةً يمكن معاينتُها، أما الحضيضُ فهاويةٌ بلا قرار. وإذ هو طريق لا رجعةَ منه، فإن المتردّي فيه لا يملك إلا المكابرةَ والإنكار، ومعهما التحدي. فلا جدوى من الجدال معه، وإن شهدت على كلامك الحواسُّ الخمسُ وقوانينُ الطبيعة وقواعدُ الرياضيات، وحتى لو صدَّق العدوُّ نفسُه شهادتَك. 

إنها "عنزة وإن طارت"، وإن كان لا بدّ من اتهام طرف ما، فاتَّهِمْ بصرَك. والسلطان يرتدي كامل بزته الملكية، وإن كان في الحق عارياً.

ومن جديد، لا تَبحْ بما ترى حقاً فتتَّهمَ بضعف الإِبصار، وربما بضعف العقل. وإسرائيل لم تخفِقْ في تحقيق أهدافها في حرب تموز عام 2006 في لبنان. وإن كان لا بدَّ، فإنَّ اعتراف العدو بالإخفاق شهادةٌ له. إذ إنه لا يرضى بأقلَّ من تحقيق انتصار شامل ساحق معياراً للنجاح، فإن وقَفَ دونه ولو قليلاً، اٌعتبَر ذلك إخفاقاً، وعمد إلى التحقيق والمراجعة والنقد والمحاسبة، ما يعبِّر عن نظامه الديمقراطي الشفاف، في مقابل عرب يحيلون الهزائمَ إلى انتصارات، ويستعلي مسؤولوهم فوق المحاسبة.

أما غزةُ، وما أدراك ما غزة ؟، فلا يلومَنَّ "الظلاميون" فيها إلا أنفسَهم، فلا الاحتلال ولا الحصارُ ولا التجويع ولا تواطؤُ السلطةِ وبعضِ الأطراف العربية، هي المسؤولة عن الضحايا والدمار، وإنما هو الانقلاب "الظلامي" والمغامرات العبثية باسم المقاومة. ولا عليك إن وشى العدوُّ نفسُه بتواطؤ السلطة معه، أو باح مسؤول فرنسي رفيع، في أثناء العدوان الغاشم، بأن دولة عربيةً كبرى أبلغته أنه لا يجوز أن تخرج حماس من المعركة منتصرةً. إذ يكفي الإنكار هنا لدفع هذه التهم. كما أن الطيران ليس دليلاً على أنَّ ما نُبْصِرُه طائر وليس "عَنزاً"!

وحين تظن أن سدنة التنوّر العلماني وأعداءَ "الظلامية" والتطرف والإرهاب سوف يتقبّلون أخيراً عملاً تقوم به حماس، حين تحركت بسرعة لقمع جماعة متطرفة ذاتِ علاقة بالقاعدة، فإنهم يثبتون من جديد جرأتَهم على التحريف والمكابرة والمماحكة وتزييف الحق والحقيقة.

فالتحرك الذي قامت به حماس لا يبرئها من تهمة الغلوِّ والصلة بفكر القاعدة، وإنما هو بعكس ذلك دليل آخرُ على عواقب اتجاهها الظلامي الإسلامي. فالمناخ الإسلامي الذي خلقته في غزة، أو برنامجُها في "أسلمة المجتمع"، هو الذي خلق الظروفَ المناسبةَ لظهور تيارات إسلامية أخرى أكثرَ غُلُوّاً وتطرفاً وإرهاباً!

وفضلاً عما ينطوي عليه هذا التأويلُ من تحريف ومكابرة وتزييف، فإنه يعبر عن موقف استعلائي مغتربٍ عن المجتمع الفلسطيني، حين يفترض أن ظواهر التديّن في المجتمع ليست خياراً مجتمعياً متصلاً بالجذور الشعبية الاجتماعية الثقافية العَقَدية، وإنما هو نتاج برنامج قسري مفروض بالقوة.

وكأنَّ الأصلَ في المجتمع الفلسطيني ضعفُ التوجه الديني، لولا ما كان في غزةَ من هيمنة "الظلاميين"، وكأنَّ مجتمع الضفة في المقابل متحررٌ من نزعة التدين وظواهر الالتزام الديني، وأنه على نفس سوية السلطة في بُغض الظلامية والظلاميين.

ولا يشترط أن تكون متديناً أو حتى مسلماً لتعلمَ أن هذا تحريفٌ وتزييف واستعلاء وقلبٌ للحقائق. يكفي أن تتسم بالنزاهة، وأن تُعايِنَ الواقعَ الاجتماعي برؤية الباحث الاجتماعي المتزن، لِتَصِفَ الظرفَ الاجتماعيَّ الثقافيَّ وفقاً لمعطياته وشروطه، لا وفقاً لقالبك العَقَديِّ المُسبَق ولأفكارك "الرغائبيّة".

أما تهمة القمع والاستبداد وعدم التسامح، فأجدَرُ بها من يتنكرُ لحقائق الواقع الاجتماعي الثقافي الشعبي، ثم يعمل على تنميط المجتمع وفقاً لرؤيته وتوجهاته!

وإنها لعنزة ولو طارت.

على أنَّ كلَّ ما أوردناه من مواقف المماطلة والمكابرة وتحدّي المنطق والوقائع الشاخصة، يتصاغرُ أمام الذروة الأخيرة، بل الهاوية الأخيرة، التي انزلقت إليها السلطة، حين تدخلت لسحب تقرير غولدستون، بغيةَ إنقاذ العدو من المحاسبة على جرائم الحرب التي اقترفها في غزة، في سابقةٍ لم نعلمْ لها مثيلاً. ولقد توهمنا للحظة قصيرة أن هذه الفضيحةَ، أو الموبقةَ المهلكةَ، الحالقةَ لكل معاني الوطنية، أكبرُ من أن يدَّعي فيها المدَّعي أو يكابرَ فيها المكابر، وأنها آخرُ تخوم الخزي والعار.

وقد بدا لأول الوهلة أن أصحابها قد اعتراهم بعضُ ما يعتري بني آدم من الشعور بالخجل، فظهر منهم بعض الاضطراب والتناقض والرغبة في التنصل من المسؤولية، ولو إفكاً وكذباً.

فمن قائل: نريد أن نحقق في الأمر لنرى كيف كان الذي كان، ومن قائل: لا شأن للسلطة ورئيسها بالأمر، وإنما مَرَدُّ ذلك إلى المجموعة العربية والأفريقية والإسلامية التي دفعت بالمشروع ابتداءً، ونحو ذلك من المحاذير الواهية التي تستخف بالعقل وتزري بالحقائق.

ثم يبدو أن القومَ فكَّروا وقدّروا، فقُتلوا كيف قدّروا، ثم عزموا أمرَهم على التحدي والمكابرة. فمِن قائل: "هذه مسألة ثانوية لا ينبغي أن تطغى على المطلب الرئيس في الوقت الحاضر، وهو المصالحة الوطنية". ونعم، ما زلنا نقول: المصالحة مطلب رئيس، ولكن العمل على تبرئة العدو ليس مشكلة ثانوية، وإنما هي جناية عظمى، بل الأحرى خيانة عظمى. ليس فقط لدماء الضحايا والشهداء الذين يصرّ هؤلاء على أنهم ممثلوهم الشرعيون، ولكنها خيانة لملايين الأحرار في الوطن العربي والعالم بأسره، أولئك الذين تظاهروا في الشوارع تنديداً بالمجزرة، وانحيازاً لدماء الضحايا.

وهي كذلك خيانةٌ لمؤسسات المجتمع المدني الدولية التي طالبت لأول مرة بالتحقيق الدولي في الجرائم الإسرائيلية وملاحقة المسؤولين عنها.

أهذه الجريمة العظمى مجرد مسألة ثانوية لا تستدعي كل هذا الضجيج؟ هذا ما يراه الضالعون فيها. فإن لم تقنعنا هذه المحاولةُ البائسة للالتفاف على الموضوع، خرج علينا رئيسُ السلطة بهجوم مضاد على المطالبين بتأجيل التوقيع على وثيقة المصالحة في القاهرة، مذكِّراً من جديد بانقلابهم "الظلامي"، بوصفه أصلَ الداء وأسَّ البلاء.

ويا للمفارقة المضحكة المبكية بين تأجيل وتأجيل! أما طلبُ تأجيل مناقشة تقرير غولدستون فمسألةٌ ثانوية عَرَضيةٌ لا تستأهل كل هذا الضجيج، وأما طلبُ تأجيل التوقيع على المصالحة ردّاً على تلك الفضيحة الكبرى، فهو الأجدرُ بالإدانة والتهمة!.

"
كيف يخضع للمحاسبة من صار الخصمَ والحَكَمَ معاً، فهو المُشَرِّعُ والمُنَفِّذُ والقاضي
"
وإنْ تَعجَبْ فعَجَبٌ قولُهم: "إن ردودَ فِعل حماس ما هي إلا استغلال سياسي للواقعة!". فهل كان يجب أن تتجاهل حماس الموضوع، على فداحته، كيلا تُتَّهَمَ باستغلاله سياسياً!! وهل اقتصرت مشاعرُ الصدمة والاشمئزاز والاستنكار على حماس، أم عمَّتْ كلَّ من فيه ذرةٌ من شرفٍ وغِيرةٍ على الحق ودماء الضحايا بغض النظر عن دينه وانتمائه القومي والإيدولوجيّ!

لو وقعت فضيحةٌ بهذا الحجم في دولة الاغتصاب العبرية، لطاحت بأصحابها. ولكنَّ سَدَنَةَ "الواقعية السياسية" المزعومة، وقادةَ التنوير وخصومَ "الظلاميّة"، لا تتعرف "استنارتهم" إلا بعدائهم لما يسمونه بالظلامية، أما ما يتصل بدعوى الاستنارة من قيم الشفافية والمساءلة والرقابة والمحاسبة والتنحي عن مواقع المسؤولية عقب الفضائح المهلكة، فكل هذه ترف لا يملكونه.

وكيف يخضع للمحاسبة من صار الخصمَ والحَكَمَ معاً، فهو المُشَرِّعُ والمُنَفِّذُ والقاضي. وهو وحدَه الذي يملك حقَّ ابتداع التعريفات والتوصيفات والمعاني.

ومهما يبلغْ حجمُ الجناية، فإنه لا ينبغي لك أن تصفَها بالخيانة. ففي صراع المعاني والتعريفات المتواصل بين خطاب الإذعان والتسليم، وخطابِ التحرر والمقاومة، يعمل الخطاب الأول منذ زمن على إسقاط مفهوم "الخيانة" من معجم المعاني السياسية والوطنيّة.

ويجري ذلك من خلال هجوم استباقي على ما يصفه بلغة التخوين، التي يحيلها إلى الخطابات الإعلامية والسياسية الانفعالية الإقصائية المتشنجة التي عفا على آثارها فجرُ الليبرالية الجديدة والواقعية السياسية.

فبيعُ الأوطان، والارتهانُ لإرادة العدو، والاستقواءُ به، وهدرُ الحقوق الوطنية، والتنازلُ عن حق العودة، والتضحيةُ بالقدس، والتواطؤُ مع العدو على المقاومة، وعلى تدمير غزةَ والفتكِ بأهلها، والتنسيقُ الأمني معه لقمع المقاومة ومطاردةِ المقاوِمين وتعذيبِهم وقتلِهم في السجون، والعملُ المنظَّمُ مع العدوِّ على خلق الفلسطيني الجديد المفرَغِ من عقيدته الوطنيةِ ومن عقيدة العِداء لمن اغتصب وطنَه واحتل أرضه واقتلع شعبه، والمشحونِ في المقابل بعقيدة العِداء ضد أبناء شعبه المقاوِمين، بوصفهم عصاباتٍ إرهابيةً متطرفةً ظلاميةً خارجةً على القانون، وأخيراً: التسترُ على جرائم العدو ومحاولةُ تبرئتِه من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها في حق الشعب الذي يدّعى هؤلاء تمثيلَه، كلُّ هذه المواقف والممارسات لا تؤهّل مقترفيها لوصف الخيانة، وإنما تمثلُ وِجهةَ نظر، إن شئت، بل هي وِجهةُ النظر الوحيدة، بل هي سياسةٌ وطنيةٌ قويمةٌ لا بديلَ لها لتحقيق الأهداف الوطنية!...

ولذلك القابعِ على رأس السلطة العتيدة أن يتبجَّحَ في المجالس متحدياً معارضيه، ليقول متفاخراً: "نعم، أنا أول من أسس لمنهج الواقعية السياسية، وأنا القائلُ منذ عشرين أو ثلاثين سنة: لا يحل قضيتنا إلا الإسرائيليون أنفسُهم، بل المتطرفون منهم تحديداً".

لا أيها السادة! لا نعرف لغةً شائعةً من لغات العالم لا يتضمن معجمُها كلمةً تشير إلى "الخيانة"، ولا نعرف دولةً لا يتضمن قانونها مبدأً يُجَرِّمُ الخيانةَ ويُعَرِّفُها.

ولكن المشكلة، كما هي العادةُ معَ كل معنى ومفهوم، تكمنُ في تنازع القوى الاجتماعية والسياسيةِ المتعارضة على إنتاج التعريف وإعادة إنتاجه ثم إنزالِه على الواقع.

"
كيف يصح أن نُثبت وصفَ الخيانة لهذا الفعل حين يَصدُر عن شخص مفرَد، ثم ننفيها حين تصيرُ سياسةً رسميةً منهجيةً تمارسها سلطةٌ فاقدةٌ للشرعية
"
ولا شك أن إساءةَ استعمال مفهومٍ ما ذي دِلالةٍ واصمة، بغرض قمع الآخرين وإسكات أصواتهم، يمكن أن يُلوِّثَ اللفظَ ويميّعَ دِلالتَهُ ويجعلَ استعمالَه ملتبساً ومشحوناً بذاكرةٍ مرذولة.

ونُقرُّ أن لفظ التخوين قد أسيء استعمالُه، وكان في كثير من الأحيان أداةً تتوسّلُها القوى المستبدةُ للابتزاز المعنوي والإقصاء وتسويغ القمع.

على أن هذا لا يُسقط المعنى بإطلاق، ولا ينفي تَعَيُّنَهُ في الواقع الموضوعي والسياسي. وإلا كيف نسمي من يتعاونُ مع العدو ويتجسس له ضدَّ وطنه وشعبه، ويُسَهِّلُ له عمليات اصطياد المقاوِمين؟! هل يجرؤُ أحدٌ على نفي صفات العمالةِ والخيانة عنه؟ وهل ينبغي أن يفلتَ من العقاب إذا تم اكتشافه؟

ولكن، كيف يصح أن نُثبت وصفَ الخيانة لهذا الفعل حين يَصدُر عن شخص مفرَد، ثم ننفيها حين تصيرُ سياسةً رسميةً منهجيةً تمارسها سلطةٌ فاقدةٌ للشرعية، لا تتورعُ عن التعاون المنظَّم والتنسيق الأمني مع العدو لقمع المقاوَمة ومطاردة المقاوِمين وتعذيبِهم في السجون حتى الموت أحياناً، فلا تكتفي فقط بتبادل المعلومات، ولكنها تتكفلُ بإنفاذ التصفيات بنفسها، وتُعفي العدوَّ من هذه المهمة، إلا أن تكون مهمة فوق طاقتها، مثلَ العدوان على غزة، فتكتفي بالتواطؤ وتقديمِ الغِطاء السياسي ثم محاولةِ التستر على العدو وحمايتِه من المساءلة الدولية عن جرائمه، وكلُّ ذلك في إطار سياسة عامة تضحّي بالحدود الدنيا من الحقوق الوطنية، فتُسقط حق العودة وتفرطُ بالقدس، وتسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية!!! إن لم تكن هذه السياساتُ والممارساتُ خيانةً للقضية الوطنية المقدسة، فما تكون الخيانة!! أفيدونا أيها الناس!.

ولعلَّ من المفيد أن نستدعيَ هنا المثالَ الفرنسي في أثناء الاحتلال النازيّ. فقد عرفت فرنسا نوعين من العَمالة والتعاونِ مع المحتل: "العميل" المفرَد، وحكومة "فيشي" الفرنسية التي نصبتها ألمانيا لتكون غطاءً سياسياً محلياً لاحتلالها. فهل أثبت الفرنسيون الأحرار تهمةَ العمالة للنوع الأول، وأعفَوا النوعَ الثانيَ من التهمة، باعتباره وِجهةَ نظر سياسيةً، أم شملت التهمة الجميعَ بكل ما يترتب على ذلك من المحاسبة والعقاب؟

نعم، ثمةَ فرقٌ بين النوعين، وإن لم يغيَّرْ من جوهر التهمة. فالعميل المفرَدُ حين يقدم على خيانته ويبيع روحَه للشيطان، لا يحاول أن يسوِّغَ جريمتَه بنظرية سياسية عامة يُرَوِّجُ لها ليحمل الناسَ عليها، بدعاوى من نوع الواقعية السياسية والتعاملِ مع الأمر الواقع واعتبارِ موازينِ القوى الإقليمية والدولية وتقليل الأضرار وتحصيل ما يمكن تحصيلُه ونحوِ ذلك مما تذرّعت به حكومة فيشي، فلم يغنِ عنها ذلك شيئاً حين جاء يوم الحساب!

والآن، تعالَوْا إلى استعراضٍ سريعٍ لمرتَكزات هذا المنطق في حالة السلطة الفلسطينية:

- نعم، ضاعَ الوطنُ الفلسطيني عام 1948 في الظروف الدولية والإقليمية المعروفة، وتشرد أهلُه، ولكن إسرائيلَ صارت واقعاً قائماً يحظى بالاعتراف الدولي والدعم المطلق من الدول الكبرى.

- توهمنا ردحاً من الزمان أن النظام العربي، ولا سِيّما في مرحلة المد القومي وحركات التحرير والثورة العالمية، سوف يتمكن أخيراً من تحرير فلسطين، أو ينجزه بالتضامن مع الشعب الفلسطيني. ولكن ثبت أن النظام العربيَّ جزءٌ من المشكلة أكثر منه جزءاً من الحل. ففضلاً عن عجزه أو تفريطه عام 1948، فإن هزيمته المنكَرةَ عام 1967 أدَّت إلى ضياع البقية الباقية من الوطن.

- وتوهمنا كذلك أن المقاومة الفلسطينية بوصفها حركةَ تحرير، متّصلةً بعمقها الشعبي العربي، يمكن أن تُنجزَ مشروعَ التحرير، أو أن تكون طليعة فاعلة تُسهم في خلق شروط جديدة في الواقع العربي في اتجاه التحرير، وذلك خارجَ محددات النظام الدولي وشروطه البنيوية. ثم أثبتت الوقائعُ أن هذه إستراتيجيةٌ غيرُ واقعية، وأنه لا يمكن تحصيلُ شيء من الحقوق الوطنية الفلسطينية إلا من خلال النظام الدولي الذي تقوده أميركا بالذات، وبالتوافق مع النظام الإقليمي الخاضعِ بدوره لشروط النظام الدولي والأميركي. وإذن فلا مفرَّ من الاندماج في النظامين الدولي والإقليمي.

- وإذا كان الأمر كذلك، فإن فكرة تحرير كامل التراب الفلسطيني تصبح فكرةً غيرَ واقعية، ومثلُها الكفاحُ المسلحُ بوصفه إستراتيجيةً عامة، ولا بديلَ عن العمل السياسي في إطار الشروط الدولية والإقليمية وموازين القوى السائدة.

- ولما كانت موازينُ القوى تعمل لصالح إسرائيلَ التي تتمتع بالدعم الدولي، وفي مقدمته الدعمُ الأميركي، فيجب أن نقنعَ بما يمكن أن نحصّله ضمن هذه الشروط الواقعية.

- وحتى مع الانتظام في هيكل النظام الدوليّ فإنه من العبث المطالبةُ بتطبيق حزمة القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين، مثل إقرار حق العودة.

- وإذن، ما الذي يتبقى لنا من خيارات، بعد انقشاع الأوهام وسقوط إستراتيجية المقاومة والكفاح المسلح، واستحالة تطبيق حزمة القرارات الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة؟ يجب أولاً أن نكفَّ عن المقارنة مع حركات التحرير الأخرى التي أنجزت مشاريعَها في الاستقلال والتحرر من القوى الاستعمارية الطارئة، إذ لا ينطبق شيء من هذا على الحالة الفلسطينية.

فالوجودُ الصهيونيُّ ليس مجردَ قوّة عسكرية استعمارية ممتدةٍ من دولة أجن

"
الوجودُ الصهيونيُّ ليس مجردَ قوّة عسكرية استعمارية ممتدةٍ من دولة أجنبية استعمارية خارجية، وإنما هو دولةٌ قائمةٌ في المِنطقة تتمتعُ بتفوق عسكري حاسمٍ على مجمل الوطن العربي

"
بية استعمارية خارجية، وإنما هو دولةٌ قائمةٌ في المِنطقة تتمتعُ بتفوق عسكري حاسمٍ على مجمل الوطن العربي.

وهي جزء من النظام الإقليمي فضلاً عن الدولي، شئنا أم أبينا. وعليه، فيجب أن نتعاملَ مع المشكلة بوصفها نزاعاً سياسياً إقليمياً، لا يحلّه إلاّ التفاوضُ.

وإذ نُقِرُّ بأن موازين القوى غيرُ متكافئة، فيجبُ أن نقبلَ مسبقاً بحقيقة أن نهجَ التفاوض في ظل هذه الشروط لن يحققَ لنا الحدودَ الدنيا من الحقوق والمطالب، حتى تلك المدعومة بقرارات الشرعية الدولية.

لماذا يجب أن نقنع بذلك؟ لأنه لا بديلَ عنه إلا استمرار الاحتلال في الوضع الراهن وما يتّصِل به من معاناة يومية وظروف اقتصادية وإنسانية خانفة. فنحن إذن بين خيارين:

* إما استمرار الوضع القائم بكل ضغوطه الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.

* وإما تعديله وتخفيف آثاره، بتلبيسه ثياباً جديدةً أقلَّ خشونةً وفظاظةً، تحت تسميات الدولة المستقلة (وإن لم تكن في جوهرها أكثرَ من حكم ذاتي) مع شعائرها المظهرية كالعلم والسلام الوطني، ومباشرة السيطرة الذاتية على الأمن، وتراجع المظاهر الحسية لقوى الاحتلال كالحواجز والقيود المفروضة على التنقل.

ويصحب ذلك تدفقُ المساعدات وتنميةٌ اقتصاديةٌ وطنيةٌ ذاتيةٌ ترفع من مستوى معيشة السكان. ذلك هو السلامُ الاقتصادي الذي تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي.

تريد أن تنفي عن هذه الصورة صفةَ الاستقلال الفعلي؟ لا بأس، ولكن منطقَ الواقع يفرض علينا الاعترافَ بأننا خضنا حروباً رسميةً وشعبيةً، وهُزِمنا.

ومن العبث أن نتوهمَ أن بالإمكان تغييرَ شروط الهزيمة، فهي حقائقُ قارةٌ مؤبَّدةٌ في النظام الدولي والإقليمي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المهزومَ المغلوبَ -كالمتسول- لا يملك ترفَ الاشتراط. وعليه أن يأخذَ ما يجود به المتغلب. والمثلُ يقول: "إن كنت مقهوراً على السخرة، فاجعلها معونة!".

فلا عجبَ في إطار هذا المنطق الذي ينفي وجودَ أي خيارات بديلة، ألا يُشكِّلَ تعنتُ العدو واشتراطاتُه المستجدةُ مهما تكن، سبباً للمراجعة وإعادة النظر. فالذي لا يملك بديلاً لا يستطيع أن يهددَ بالتحوّل إليه!.

ومن الواضح أن هذا الخيارَ يجعل مفهومَ الدولة المظهرية الاسمية بديلاً عن الوطن، لا تعبيراً سياسياً عن استقلاله الحقيقي وتحرره.

أما بالنسبة إلى "إسرائيل"، فإنها إذا كانت لا تستطيع ضمَّ الضفة الغربية بسكانها، باعتبار أنه يقوّضُ فكرة الدولة العبرية اليهودية، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تطرد السكانَ لتخلص لها بدونهم، في ظل الواقع الدولي والإقليمي، فإن هذا الترتيبَ لا يكلفها شيئاً، وإنمّا على العكس من ذلك يقدم لها خدماتٍ إضافيةً عظمى.

ففضلاً عن استحقاقات التطبيع في المحيط العربي، فإنها تحتفظ بكل حقائق الهيمنة والسيطرة التي كانت تمارسها بإدارة الاحتلال المباشر، وتتحرر في الوقت نفسه من مجمل المسؤوليات القانونية التي تفرضها المواثيقُ الدوليةُ على الدولة المحتلة، كما تحررها من جزء هامٍ من مسؤوليات الأمن التي تنهض بها الدولةُ الفلسطينية الزائفةُ نيابة عنها.

وإذ تأخذ السلطةُ الفلسطينية صفةَ الدولة، فإن الطرف الفلسطيني يفقد مسوّغاتِه الأخلاقيةَ –على الصعيد الإنساني العالمي– بوصفه شعباً يكافح من أجل حقوقه المسلوبة ضد قوى الاغتصاب والاحتلال والإحلال.

ومن الطبيعي في هذه الحال أن تسقط كلُّ معاني المقاومة وحركة التحرير عن البقية الباقية من قوى المقاومة والمعارضة، فلا يلحق بها إلا صفاتُ التخريب والتطرف والإرهاب وتهديد الأمن الإقليمي، الأمر الذي يرتب على السلطةِ/الدولةِ مسؤولياتِ قمعها في إطار من التعاون الإقليمي الفلسطيني-العربي-الإسرائيلي-الدولي.

تلك هي مرتكزاتُ المنطق السياسي للسلطة الفلسطينية العتيدة، التي تفسر سلوكَها السياسيَّ المتوجهَ إلى تصفية القضية الفلسطينية، مرةً واحدة وإلى الأبد! فهل يصدمنا بعد ذلك موقفُ السلطة الابتدائيُّ من تقرير غولدستون؟ وهل يصدمنا قبل ذلك التضحيةُ بحق العودة؟ وهل يصدمنا التواطؤُ مع العدو على غزة؟.

ولكن، نعم، يصدمنا صمتُ القواعد "الفتحاوية" وانصياعُها لهذه السياسة الكارثية المدمرة كما يصدمنا صمتُ الكثيرين من الكتاب والأدباء في الداخل الفلسطيني، أولئك الذين كانوا في زمن قديم غابر يقحمون معاني المقاومة والبندقية في السياق وخارجه، حتى في وصف اللقاءات الحميمة وزهور الربيع.

ولم لا، وقد سبقهم شاعرٌ جاهليٌّ كاد أن يُقَبِّلَ الرماحَ التي تستهدف صدرَه لأنها لمعت كبارق ثغرِ الحبيبة المتبسّم، أما زهور الربيع فتحيل إلى الموّال الشعبي الفلسطيني "زهر البنفسج يا ربيع بلادنا".

ومن هذه النقطة يصبح من السهل التوصلُ إلى المقاومة والبندقية! أين هم أولئك الكتابُ والأدباءُ الذين كانوا ينتظرون شهادةَ الشهيد ليكتبوا نصوصَهم بمداد دَمِهِ على جِلده، فتستمد نصوصُهم قيمتَها من قيمة ذلك المداد وذلك الجلد، إن أعوزتها القيمة الفنية الذاتية!

أين أولئك الكتابُ والأدباءُ الذين ما فتئوا يصورون أنفسَهم بأنهم ضحايا السلطات السياسية والاجتماعية والثقافية، وأنَّ قَدَرَهُم أن يواجهوا "التابوهات" الثلاثة: الدين، والجنس، والسياسة؟! أما جرأتُهم على الدين وفي الجنس، فنشهد لهم بذلك. ولا نراهم يحجمون، بل نرى بعضَهم يُقدم على الخوض فيهما بأسلوب استفزازي استعراضي فجّ، لتأمين رواجٍ واهتمامٍ وضجيجٍ لا يوفرها المستوى الفنيُّ الرديء. فما بالُهم إذن يجبُنون في مواجهة "التابو" الثالث (السياسة)، حين يعمل عرّابوها على اغتيال رصيد المقاومة ومعجم النضال والحقوق الوطنية وذاكرة الشهداء، ويعملون في المقابل على تجريم البندقية المقاوِمة والحُلُُمِ الفلسطيني! أم يظن هؤلاء أن الجرأةَ على الله أقلُّ كلفةً من الجرأة على السلطان، الذي لا يملك من رسوم السلطنة إلا المشيَ على البساط الأحمر، وتوزيعَ العطايا والأرزاق أو حبسَها، ثم قمعَ المخالفين لحساب سلطانٍ أقوى منه، حتى انطبق عليه القول: "أسدٌ عليّ ... "!.

لا نعممُ بالطبع. ولكننا نسائل الصامتين. ولا نرضى بأقلَّ من الموقف الصريح الواضح في هذا المفصل الوجودي من تاريخ قضيتنا الفلسطينية - الموقف الصريح الذي لا يتموّه بلغة شعرية موارِبةٍ مفتوحةٍ على كل التأويلات والقراءات، وتَفِرُّ من الصلب المحدد، إلى المائع السائب، ومن سؤال الوطن ومصيره إلى الأسئلة الفلسفيّة الوجودية، بدعوى طبيعة اللغة الشعرية الفنية المفارقة، والانفتاح على الأفق الإنساني المتجاوِز للظرفي الخاص. فكل هذا مكانه في دواوين الشعر، وفي تعليقات النقاد عليها، لا في المواقف السياسية المباشرة التي تتصل بمصائر الأوطان!.

نعم، يصدمنا موقفُ هؤلاء وأولئك جميعاً، ونتلمس الدواعي.

أهي روحُ العصبية القبلية التقليدية التي تستظهر عندنا في الفصائل والأحزاب والتنظيمات السياسية، فتقدم الهويةَ القبليةَ التنظيميةَ على الهوية الوطنية أو تُماهي بين الهويتين؟ كيف ومتى تتحول حركةُ التحرير من وسيلةٍ جمعيةٍ لتحقيق غاية وطنية عامة جامعة إلى غاية في ذاتها؟ وكيف تنتهي القبيلةُ التنظيمية إلى تعريف ذاتها بالمغايرة مع قبائلَ تنظيميةٍ أخرى من نفس شعبها عوضاً عن تعريف نفسها بالمغايرة مع عدو الوطن وغاصبه؟ وكيف تنتهي في المحصلة إلى تقديم التناقض الأيديولوجي مع فصائلَ أخرى على التناقض الرئيس مع الغازي المحتل؟!.

"
هل الأعمال إلا بخواتيمها؟ وهل يكون النضالُ السابقُ حُجَّةً على التفريط اللاحق أم حجةً له؟! وهل الإيمان قبل الرِدة عذرٌ للمرتد؟ وهل يتذرع الصائمُ في يوم رمضانَ بأنه صام معظمَ النهار ليفطرَ قبيل انتهائه؟
"

لعل الإجابة عن هذه التساؤلات الممضّة، متضمنةٌ في مرتكزات المنطق السياسي الذي استعرضناه آنفاً.

فحين يُسقط أصحابُ هذا المنطق من معجمهم السياسي مفاهيمَ التحرير والمقاومة ضد الاغتصاب والاحتلال، وحين يختزل الصراع في نزاع سياسي إقليمي، ينضبط بشروط النظام الدولي وموازين القوى، وحين يتحوّلون من حركة تحرير وطنية إلى جزء من النظام الإقليمي والدولي، فإن من الطبيعي أن يجتمعوا مع سائر مكونات ذلك النظام -حتى أعداء قضيتنا– ضد الفئات الخارجة على القانون التي تعمل من خارج ذلك النظام، حتى لو تسمّت بأسماء المقاومة وكانت من نسيج شعبنا ومجتمعنا وأمتنا!...

نعم "الظلاميون" هم المشكلةُ الكبرى. ولا فرق على هذا الصعيد، بين حالة السلطة الفلسطينية والنظام العربي والدولي، طالما أن السلطةَ العتيدةَ قد صارت جزءاً منه! بل ربما كان عرّابو السلطة أشدَّ حكماً على "الظلامية" و"الظلاميين" من بعض القوى الدولية والإقليمية، باعتبار أن وجودهم يهدد مباشرة بتعطيل برامج السلطة السياسية "الواقعيّة"، ومعها شرعية بقائها ومسوّغاته! والتناقض "الأيديولوجي" مقدَّمٌ في هذا المناخ على التناقض الوطني مع العدوّ المحتل الأقربِ إلى رجالها في المزاج الثقافي الاجتماعي المتغرب والمُعَوْلَم! وكأن لسانَ الحال هنا يقول "ربعُ وطنٍ بلا "ظلاميّين" خيرٌ من وطنٍ معهم!". وأيُّ عَجَبٍ في هذا إذا كان "الظلاميون" هم المشكلةَ، والمتطرفون الإسرائيليون هم الحل!!!

وفي هذه المناسبة نتساءل: هل ضاق معجمُ السجال السياسي حتى لم يعد فيه إلا كلمة "ظلامي؟، أعني لقد صار تكرار هذا اللفظ مُملاً من ناحية ذوقية خالصة. وهو يفضي إلى تفريغه من شحنته الدلالية، وينقله إلى مستوى "الكليشية" المستهلَكة التي ترتد على صاحبها بأثر "كاريكاتيري". والمراوحة بينه وبين غيره تحفظ له بعض تأثيره !. وفي اللغة العربية متسع.

ولعل بعضَ المتفذلكين الضالعين في أنواء السلام يقترحون لزعيمهم بعضَ المفرداتِ الأخرى التي تسع دلالاتُها معارضين آخرين لا ينطبق عليهم وصفُ "الظلامية "الذي ارتبط بالإسلاميين حصراً. فأين نضع مفكرين أحراراً مثلَ عزمي بشارة وجوزيف مسعد؟ وأين نضع سائرَ القوميين واليساريين والمستقلين المعارضين لسياسةِ الإذعان وتصفيةِ القضية؟ هذا دون أن نحسب حساب أحرارٍ آخرين من غير العرب، مثل جورج غالاوي مثلاً الذي يصعب وصمُهم بـ"الظلامية"!.

ومن أقبح الدفوع التي يسوقها سَدَنَةُ الواقعية السياسية السُّلطوية، كلما اشتد الجدالُ، ذلك التنفّج بتاريخهم النضالي، فيذكرونك في كل آن بأنهم هم الذين أطلقوا شرارة النضال والكفاح المسلح، وأنهم أنفقوا من أعمارهم ما أنفقوا فيهما، ربما قبل أن تولد أنت. فلا يجوز لك أن تزايد عليهم فيه!

سبحان الله! هل الأعمال إلا بخواتيمها؟ وهل يكون النضالُ السابقُ حُجَّةً على التفريط اللاحق أم حجةً له؟! وهل كان النضال السابقُ مجردَ مقدمات غرضُها اختلاق شرعية تسوغ سياساتِ الإذعان والاستسلام وتصفية القضية في آخر المطاف؟ وهل الإيمان قبل الرِدة عذرٌ للمرتد؟ وهل يتذرع الصائمُ في يوم رمضانَ بأنه صام معظمَ النهار ليفطرَ قبيل انتهائه؟ أم المنطق هنا هو "أننا جربنا قبلكم ما تدعون إليه، ثم ثبت لنا عدمُ جدواه. وقد كان من سوء حظنا أننا اتعظنا بأنفسنا، والأجدرُ بكم أن تتعظوا بنا، فتبدؤوا من حيث انتهينا. فإنّ الشقيَّ من اتعظ بنفسه، والسعيد من اتعظ بغيره!".

ولقد سمعنا مثل ذلك من يساريين سابقين، أدركتهم لحظةُ التنوير الأميركي مؤخّراً، فابتدعوا قولهم الساخرَ "من لم يكن يسارياً في شبابه، فهو إنسان لا قلبَ له. ومن لم يَصِرْ رأسمالياً في كهولته، فلا عقل له!" ثم يطلقون ضحكةً مجلجلةً، لا تخفي غياب القلب والعقل معا!.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك