حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية



النشأة والتطور
الاعتبارات الجيوسياسية
العرب ومأزق أرض الصومال
الآفاق والسيناريوهات

قديما اعتبرها المصريون القدماء أرض الآلهة والعطور وحديثا احتلها البريطانيون لموقعها الإستراتيجي في القرن الأفريقي حيث تتحكم في أمن الممرات البحرية عبر خليج عدن، وفي الطريق إلى الهند جوهرة التاج البريطاني. إنها أرض الصومال أو "صوماليلاند" التي أعلنت استقلالها من طرف واحد في 18 مايو/ آيار 1991 أي في أعقاب انهيار نظام حكم محمد سياد بري في الصومال.

وتمارس أرض الصومال منذ ذلك الحين مهام وسلطات الدولة المستقلة، بالرغم من غياب الاعتراف القانوني بها، فلها علم ونشيد وطني وتأشيرة دخول ومؤسسات للحكم والإدارة. وتحاول النخبة الحاكمة بذل كل ما في وسعها للحصول على المشروعية الدولية.

فهي تارة تخاطب الغرب بلغة الديمقراطية وحقوق الإنسان وتارة أخرى تذكر الولايات المتحدة بأهميتها الإستراتيجية في إطار الحملة الأميركية لمحاربة الإرهاب، بل وتعرض عليها استضافة قاعدة عسكرية للأسطول الأميركي في ميناء بربرة.

ولعل ما يثير الدهشة والاستغراب في هذا السياق هو غياب الموقف العربي بشقيه الرسمي والشعبي، وتجاهل ما يحدث في الإقليم الذي بدأ يولي وجهه شطر أطراف إقليمية ودولية غير عربية ليحقق هدفه المبتغى بالحصول على الاعتراف الدولي.

فما هي أهمية هذا الإقليم من الناحية الجيوسياسية ؟ وما هي خطورة توجهه نحو أطراف أفريقية ودولية غير عربية؟ وما هي ملامح وآفاق التطور السياسي على ضوء التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها؟

النشأة والتطور
تكتسب "أرض الصومال" أهمية إستراتيجية بالغة حيث ورثت نفس الحدود الجغرافية التي رسمت لها زمن الاحتلال البريطاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتقدر المساحة الإجمالية للإقليم بنحو (137600 كم2 ) كما أن له سواحل بحرية على امتداد نحو(850 كم ). وطبقا لتقديرات عام 2008 يبلغ عدد سكان أرض الصومال خمسة ملايين نسمة ينقسمون حسب الأصول العشائرية إلى ثلاث عشائر أساسية هي: الإسحاق والداروود والدر. وتعد هرغيسا حاضرة الإقليم وأكبر مدنه، في حين تعد بربرة الميناء التجاري الأول.

"
يشير كثير من الكتاب والمراقبين إلى تجربة أرض الصومال بعد إعلان انفصالها وما حققته من سلام واستقرار باعتبارها نموذجا يحتذى وقصة نجاح حقيقية في تبني حلول ذاتية للمشكلات الوطنية على أساس  المصالحة والتوفيق
"
ويشير كثير من الكتاب والمراقبين إلى تجربة أرض الصومال بعد إعلان انفصالها وما حققته من سلام واستقرار باعتبارها نموذجا يحتذى وقصة نجاح حقيقية في تبني حلول ذاتية للمشكلات الوطنية. ولعل النقطة الحاسمة في التطور السياسي للإقليم في مرحلة ما بعد 1991 هي لجوء مقاتلي الحركة الوطنية الصومالية والتي تسيطر عليها عشائر الإسحاق إلى تبني سياسة المصالحة والتوفيق.

ففي مؤتمر المصالحة الأول الذي عقد في مدينة بربرة خلال الفترة من 15 إلى 27 فبراير/ شباط 1991 كان الهدف الأسمى للمجتمعين هو إعادة بناء الثقة بين عشائر الإسحاق والعشائر الشمالية الأخرى التي ارتبطت بنظام سياد بري. وقد مهد هذا المؤتمر الأول الطريق أمام المصالحة الكبرى التي أقرها مؤتمر"بوراو" خلال الفترة من 27 أبريل/ نيسان إلى 18 مايو/ آيار 1991، إذ اتفق زعماء العشائر الشمالية ومقاتلو الحركة الوطنية الصومالية بعد مداولات استمرت شهرين على ضرورة بناء مؤسسات الإقليم وتنميته من خلال فك الارتباط مع باقي أجزاء الوطن الصومالي، وهو ما يعني من الناحية العملية إعلان الاستقلال من طرف واحد.

وعلى أي حال فقد أضحت الحركة الوطنية الصومالية بزعامة عبد الرحمن أحمد على تور بمثابة جهاز الدولة الوليدة حيث منحت سلطة الإدارة الانتقالية لمدة عامين. غير أن الرئيس الانتقالي عبد الرحمن تور أظهر عجزا واضحا في قيادة الإقليم لعدة أمور لعل من أبرزها: عدم إيمان بعض قادة حزبه بفكرة الانفصال أو الخوف من تبعات إعلان الاستقلال. بالإضافة إلي ظهور الانقسامات في صفوف الحركة الوطنية الصومالية والتي اتخذت في بعض المواقف طابعا صراعيا عنيفا. عندئذ تدخلت عشائر الشمال الأخرى غير الإسحاق وأسهمت في التوصل إلى حل تفاوضي بالنسبة للمشكلات موضوع الصراع. بيد أن تشكيل مجلس زعماء العشائر "غورتي" أصبح أحد الملامح الفارقة للتطور السياسي لإقليم أرض الصومال في مرحلة ما بعد 1991.

ومن الأمور الجديرة بالاعتبار هنا انعقاد مؤتمر "بوروما" للمصالحة الوطنية والذي استمر زهاء خمسة أشهر بمشاركة خمسمائة من السياسيين وزعماء العشائر ورجال الأعمال والقادة الدينيين وممثلي جماعات المجتمع المدني. وقد أسفر المؤتمر عن انتقال سلمي للسلطة في مايو/ آيار 1993. فقد تشكلت إدارة مدنية برئاسة محمد إبراهيم عقال، وهو من الإسحاق المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، كما شغل منصب رئيس وزراء الصومال قبل انقلاب سياد بري عام 1969.

وقد استطاع مؤتمر "بوروما" أن يصل إلى صيغة توفيقية للحكم في الإقليم تأخذ بعين الاعتبار قضايا اقتسام السلطة والمطالب العشائرية ومقتضيات الديمقراطية بمفهومها الغربي. ويلاحظ أن أول دستور مكتوب للإقليم عام 2001 قد أقر هذه الصيغة الهجين لنظام الحكم. وبعد وفاة الرئيس المؤسس محمد إبراهيم عقال في مايو/ آيار 2002 أجريت انتخابات رئاسية تعددية في أبريل/ نيسان 2003 فاز بها طاهر رايلي كاهن بفارق ضئيل بلغ نحو ثمانين صوتا من إجمالي نحو نصف مليون ناخب.

ولا تزال أرض الصومال تواجه مشكلة تأجيل الانتخابات الرئاسية التي حان موعدها منذ أبريل/ نيسان العام الماضي. ويحرص مجلس زعماء العشائر الشيوخ على التأجيل حرصا على استكمال كافة الإجراءات التي تضمن نزاهة وشفافية الانتخابات القادمة.

الاعتبارات الجيوسياسية
استطاعت أرض الصومال منذ إعلان استقلالها من جانب واحد عام 1991 أن تطرح صورة مغايرة لنمطية القوالب الجامدة المتعلقة بالفشل أو المرض الصومالي. إنها إحدى قصص النجاح القليلة في شرق أفريقيا. فقد استطاعت من خلال تجربتها في المصالحة الوطنية أن تعتمد على مواردها الذاتية دون تدخل خارجي. ويكفى أن نشير إلي دور الجالية الصومالية في الشتات والتي تسهم من خلال تحويلاتها المالية بنحو (500) مليون دولار سنويا، وهو ما يشكل أكبر مصدر للحصول على العملة الصعبة في أرض الصومال.

وبرؤية مقارنة فإن جميع مؤتمرات المصالحة الوطنية في جنوب الصومال جاءت برعاية أطراف خارجية وبدعم وتمويل من جهات دولية مانحة وهو ما يجعل تأثير هذه الأطراف طاغيا ومؤثرا على مسار ومآلات المصالحة الوطنية. أما أرض الصومال فقد اهتمت ومنذ البداية بمفهوم المصالحة وبناء الثقة. ويمكن أن نشير إلي عدد من الاعتبارات ذات الأهمية الإستراتيجية التي تؤثر على طبيعة ومستقبل التطور السياسي لهذا الإقليم:

"
أهمية الموقع الإستراتيجي لأرض الصومال على خليج عدن وارتباطه بمنظومة أمن البحر الأحمر جعل البعض يغض الطرف عن مسألة المشروعية الدولية ويتعاون مع سلطات الإقليم
"
أولا: أهمية الموقع الاستراتيجي على خليج عدن وارتباطه بمنظومة أمن البحر الأحمر جعل البعض يغض الطرف عن مسألة المشروعية الدولية ويتعاون مع سلطات الإقليم. وهنا يمكن أن نشير إلى طبيعة التفاعلات الإثيوبية واليمنية والأميركية مع أرض الصومال بغرض ضمان أمن الممرات البحرية قبالة السواحل الصومالية.

ثانيا: يوفر ميناء بربرة منفذا بحريا ذا أهمية إستراتيجية، وعليه فقد اقترحت بعض الدراسات التي أشرفت عليها وزارة الدفاع الأميركية ضرورة الاعتراف بأرض الصومال دولة مستقلة وذلك للتخلص من أزمة جنوب الصومال المستعصية. أي أن الإغراء الجيوسياسي قد يتفوق على الاعتبارات السياسية الضيقة التي تطرحها الدول الكبرى في ممانعتها الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة.

ثالثا: يساعد اكتشاف النفط في أرض الصومال على دعم توجهها الانفصالي، ويساعد في عملية بناء مؤسساتها الوطنية دون الحاجة إلي استجداء الأطراف الخارجية. وبالفعل بدأت إدارة الإقليم بجعل الاستثمار في قطاعها النفطي أحد الأولويات الكبرى.

ومن اللافت للنظر أن الرئيس طاهر رايلي كاهن قد زار واشنطن كما قامت مساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية السابقة بزيارة أرض الصومال العام الماضي. وعليه يرى البعض أنه في ضوء تفاقم مشكلة القرصنة الدولية في المحيط الهندي واستعصاء أزمة الصومال على التسوية، قد يكون المخرج هو التعامل المباشر مع أرض الصومال باعتبارها أحد أعضاء الأسرة الدولية.

العرب ومأزق أرض الصومال
يبدو أن الخطاب الرسمي العربي أسير صياغة تقليدية متكررة منذ عام1991 والتي لا تخلو منها أجندة أي قمة عربية. إذ يتم الاكتفاء بالموقف القولي والمساندة المعنوية للصومال في محنته. إن فشل النظام العربي في إعادة ترتيب أولوياته جعله يفرط بشكل غير مبرر في مقتضيات أمنه القومي ولاسيما في مناطق الأطراف والتماس مع دول الجوار الجغرافي.

ولا أدل على ذلك الفشل والتخبط العربي من الموقف إزاء أرض الصومال. إذ تمسك الجميع بذريعة عدم مساندة الانفصال والوقوف إلى جانب وحدة الصومال. ومما زاد الطين بلة أن المجتمع المدني العربي بمؤسساته وهيئاته المختلفة غض الطرف هو الآخر عما يحدث في أرض الصومال التي طالبت العرب غير مرة بمد يد العون لها في مجالات التعليم والصحة ومحاربة الفقر وما إلى ذلك.

وربما تفيد عملية المقاربة في الموقف العربي إزاء أحداث غزة الأخيرة، بغض الطرف عن اختلاف السياق والموضوع في توضيح ما نرمي إليه. إنها تطرح إشكالية السياسي والإنساني في قضية المساعدات والعون الأهلي، فهل يمكن القول بأن مد يد العون العربي لشعب أرض الصومال يعني بالضرورة اعترافا باستقلال الإقليم!

"
الخطاب الرسمي العربي إزاء أرض الصومال يكتفي بالموقف القولي والمساندة المعنوية للصومال عموما في محنته, ويتذرع بعدم مساندة الانفصال, والمجتمع المدني العربي يغض الطرف عن تخفيف معاناة أهل أرض الصومال
"
لقد حضر الرئيس طاهر رايلي وقادة المعارضة احتفالا أقيم بالعاصمة هرغيسا بمناسبة افتتاح محطة إذاعية تابعة لصوت أميركا في الإقليم. وقد جاء ذلك في إطار فعالية ثقافية بعنوان "حرية الصحافة والديمقراطية". وفي مناسبة أخرى تدخلت إسرائيل عبر سفيرها في أديس أبابا للمساعدة في إجراء عملية جراحية في القلب لأحد أطفال أرض الصومال في إسرائيل. ولعل ذلك كله يدفع بالإقليم لكي يتخلى عن توجهاته العروبية والقومية ويرتمي في أحضان أطراف غير عربية متربصة.

ومن جهة أخرى فإن إثيوبيا تقيم علاقات دبلوماسية واقتصادية بأرض الصومال حيث تستخدم ميناء بربرة في حركتها التجارية كما تقوم شركة الطيران الإثيوبية منذ عام 2001 برحلات منتظمة بين أديس أبابا وهرغيسا. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل افتتحت إثيوبيا مكتبا دبلوماسيا لها في هرجيسا رفعته عام 2006 إلى درجة السفارة. ويبدو أن المصلحة الإثيوبية تتمثل في مساندة كل من أرض الصومال وبونت لاند والحيلولة دون وجود دولة صومالية موحدة وقوية.

وعلى الرغم من أن جيبوتي شأنها شان إثيوبيا تقبل جوازات سفر أرض الصومال، ولديها علاقات أشبه بالدبلوماسية مع حكومة هرجيسا، فإن ثمة توترا يشوب العلاقة بين الطرفين نتيجة دور جيبوتي في مؤتمرات المصالحة الصومالية ودعم حكومة شيخ شريف.

وعليه فإن الجميع يتحرك في شرق أفريقيا إلا نحن العرب فنرفع لواء الصمت ونحسبه لنا وجاء.

الآفاق والسيناريوهات
إننا أمام نموذجين مختلفين من حيث التطور السياسي في مرحلة ما بعد عام 1991 في الصومال. فقد برزت أرض الصومال بتجربتها المتميزة في الحوار الوطني وبناء السلم الأهلي لتغطى على نموذج الصراع والفوضى وحرب الكل ضد الكل الذي شهدته باقي الأراضي الصومالية. وعليه فقد رأى الكثيرون إمكانية تطبيق تجربة أرض الصومال في المواقف الصراعية الأفريقية بما فيها الصومال نفسه.

وأيا كان الأمر، فإن هذه الصورة المتفائلة لمستقبل أرض الصومال تعترضها تحديات جسام لعل من أبرزها ضعف وهشاشة مؤسسات الإقليم وفقدانها الدعم والمساعدة الدولية نظرا لغياب الاعتراف الدولي.

وتطرح أزمة الانتخابات الرئاسية الحالية وتأجيلها المستمر مدى خطورة هذا التحدي. ومن جهة ثانية فإن الصراع الحدودي مع إقليم بونت لاند الذي يتمتع بحكم ذاتي قد يدفع بالطرفين إلى صراع مفتوح، وهو ما يهدد استقرار وأمن أرض الصومال ويعيد الأوضاع إلي نقطة الصفر مرة أخرى. ومن جهة ثالثة فإن عدم الاعتراف الدولي يحرم سلطات أرض الصومال من الحصول علي دعم المؤسسات السياسية والاقتصادية الدولية. إنها باختصار شديد تعيد تجربة أقاليم مثل أبخازيا وأوسيتيا ولكن في إطار واقعنا العربي والأفريقي.

وعلى ضوء ذلك يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات مستقبلية تحكم عملية التطور السياسي في إقليم أرض الصومال:

"
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات مستقبلية تحكم عملية التطور السياسي في إقليم أرض الصومال: الأول الحصول على الاعتراف الدولي, والثاني عودة الحرب والصراع المفتوح في الإقليم, والثالث بقاء الأوضاع على ما هي عليه
"
السيناريو الأول: الحصول على الاعتراف الدولي. إذ قد تدفع بعض الأطراف الدولية الفاعلة مثل الولايات المتحدة باتجاه القبول باستقلال الإقليم نظرا لأهميته الجيوسياسية . عندئذ قد يعيد الاتحاد الأفريقي النظر في سياسته الخاصة بالاعتراف من خلال القول بأن أرض الصومال تمثل تكريسا للحدود الاستعمارية. غير أن هذا الاحتمال صعب التحقيق لأنه سوف يمثل سابقة خطيرة في التفاعلات الدولية الأفريقية.

السيناريو الثاني: عودة الحرب والصراع المفتوح في الإقليم. ويمكن أن يتحقق ذلك في حالة تطور الخلاف الحدودي بين أرض الصومال وإقليم بونت لاند المجاور. ومن الملاحظ أن التوجه العام في بونت لاند الذي تقطنه أغلبية من الدارود هو المحافظة على وحدة الصومال بأي شكل من الأشكال.

السيناريو الثالث: بقاء الأوضاع على ما هي عليه. ويبدو ذلك أمرا محتملا في ظل غياب الإرادة الدولية لتسوية أزمة الصومال المستعصية، وميل كثير من الأطراف الدولية للتعامل مع أرض الصومال باعتبارها كيانا مستقلا من الناحية الواقعية.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك كله يتعلق بأهل الصومال الكبير. فهل يمكنهم من خلال موروثهم الحضاري والتاريخي أن يجندوا إمكاناتهم وقدراتهم الذاتية في التخطيط لبناء مستقبلهم، وجعل نموذج وحدتهم جاذبا لكافة الأطراف. هذا هو التحدي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك