خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


قد تبدو عناصر الصراع في العراق من الناحية الظاهرية تميل إلى الاستقرار، غير أنها في حقيقة الأمر لا تزال تنطوي على كثير من بؤر العنف وعدم الاستقرار التي تستمد مولداتها من جوهر الصراع نفسه المتمثلة في عدم إنجاز الأطراف المنخرطة في هذا الصراع لأهدافها السياسية النهائية.

فإخفاق الولايات المتحدة في مشروعها وعدم تمكن القوى الوطنية المقاومة للاحتلال من بلورة بديلها السياسي المكافئ حتى الآن، وتصاعد حدة التنافس الإقليمي لملء الفراغ، كل ذلك يؤكد بما لا يقبل الشك استمرارية الصراع الذي يمتد تأثيره خارج حدود العراق ويتخذ أشكالا وصيغا أخرى تتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

ويغري الوهن الحالي للعراق وضخامة ثرواته دول الجوار وفي مقدمتها إيران وتركيا للتدخل في شؤونه ويشجعهم على ذلك عاملان، الأول: انحسار وتراجع الدور الأميركي في العراق، وثانيا: غياب دور عربي فاعل طيلة السنين السابقة.

"
لا شك أن خيارات العرب في العراق باتت محدودة مقارنة بالنفوذ الإيراني الواسع والدور التركي المتنامي
"
ولا شك أن خيارات العرب بالعراق باتت محدودة مقارنة بالنفوذ الإيراني الواسع والدور التركي المتنامي، فمنذ انهيار النظام الرسمي العربي وتعطيل معاهدة الدفاع العربي المشترك عندما احتلت وابتلعت دولة عربية في أبريل/نيسان 2003 من الولايات المتحدة الأميركية دون قرار دولي شرعي، لم تمارس الدول العربية في العراق سوى دور ثانوي اتسم بالاكتفاء بالمراقبة.

واليوم أيقن العرب أن خسارة العراق كحجر زاوية قد خلخل الضغط في معادلة القوة المعقدة في المنطقة برمتها ومن شأن استمراره كشف الجناح الشرقي للعرب أمام القوى الإقليمية المتنافسة لمد نفوذها أبعد من العراق، ما يجعل من حالة التغافل واللامبالاة جراء ما يجري في العراق أشبه بالانتحار البطيء الذي ستطرق تداعياته تدريجيا أبواب الكثير من العواصم العربية، فليس من المصادفة أن يتعاقب رئيس كل من إيران وتركيا في ظل الصمت العربي ليعرض كل منهما خدمات بلاده لملء الفراغ في العراق عند رحيل قوات الاحتلال الأميركي.

ولكن هل هناك فرصة لدور عربي محوري في العراق في ظل متغيرات محلية وإقليمية ودولية مشجعة؟ الجواب نعم بالإمكان تحسين شروط الدور العربي فيما لو تم الانتباه إلى الحقائق التالية:

أولا: دأبت كل من إيران ولاحقا تركيا على اعتماد إستراتيجية ناجحة في الساحة العراقية من خلال المناورة داخل العملية السياسية وخارجها، فكلاهما يدعم أطرافا داخل العملية السياسية ولكن في الوقت نفسه يتبنى ويدعم أطرافا خارج العملية السياسية سواء بالدعم العسكري أو التوسط بين فصائل من المقاومة والإدارة الأميركية. 

ومن باب أولى على العرب أن يغادروا حالة الخوف والعجز والخجل ويبادروا إلى تحفيز ركائز الحركة الوطنية العراقية السياسية والعسكرية للتبلور وتوفير الظروف المناسبة لها كي تعقد لقاءاتها ومؤتمراتها علنيا كحركة تحرر وطني، الأمر الذي سيهيئ للعرب موطئ قدم قويا داخل الساحة العراقية.

"
يتفق الجميع على إخفاق القوات الحكومية العراقية الحالية وعدم تجاوز نسبة جاهزيتها لأداء مهامها القتالية أكثر من 10%
"

ثانيا: يشكل الملف الأمني ووجود جيش مهني المفتاح الرئيس الذي يفتح الطريق أمام بقية الملفات المعلقة السياسية والاقتصادية، حيث يتفق الجميع على إخفاق القوات الحكومية العراقية الحالية وعدم تجاوز نسبة جاهزيتها لأداء مهامها القتالية أكثر من 10%، فهي أقرب إلى قوات مكافحة شغب منها إلى جيش ذي عقيدة عسكرية وطنية جامعة.

ولدى العرب ورقة لن يستقيم العراق بدونها تتمثل في قيادات وكبار ضباط الجيش العراقي الوطني المجربة، التي تحظى باحترام وقبول معظم قطاعات الشعب العراقي، وهي قادرة في وقت قياسي ربما لا يخطر ببال أحد على تنقية القوات الحالية وبمهنية عالية، وتحويلها إلى صمام أمان للوحدة الوطنية فوق الميول السياسية والعرقية والطائفية.

ثالثا: من الضروري إعادة الحسابات وترتيبها والتعامل على أساس الحقائق وليس إفرازاتها أو النتائج، فالاحتلال الأميركي هزم عسكريا في العراق وطمر مشروعه السياسي من خلال إخفاق حكوماته المتعاقبة في التقدم خطوة واحدة على المسارات الأمنية أو الخدمية أو الاقتصادية.

"
الاحتلال الأميركي هزم عسكريا في العراق وطمر مشروعه السياسي من خلال إخفاق حكوماته المتعاقبة في التقدم خطوة واحدة على المسارات الأمنية أو الخدمية أو الاقتصادية
"
والشعب العراقي اليوم أكثر وضوحا في تعبيره عن رفض مشروع الاحتلال وطبقته السياسية، ومن العبث عدم الانسجام مع تطلعات الشعب العراقي أو القوى التي تعبر عنها، وعلى العرب عند التعاطي مع الشأن العراقي التوقف عند خطوط حمراء غير قابلة للمساومة أو التصرف وفي مقدمتها وحدة العراق والحفاظ على هويته العربية، لأن ذلك وحده كفيل بإعادة العراق إلى وظيفته التاريخية الجيو-إستراتيجية والمتمثلة بالعمل سدا ومانعا جغرافيا وديموغرافيا لصد الاندفاعات الإقليمية التوسعية بكل أشكالها نحو العمق العربي.

رابعا: هناك بؤر ومحركات مستديمة للعنف وعدم الاستقرار في العراق ودون وضع حل جذري لها يبقى الحديث عن استقرار العراق والمنطقة في إطار التمنيات ومعالجة النتائج وترك المسببات، تتمثل البؤرة الأولى في استمرار حالة الاحتلال والتواجد الأجنبي على أرض العراق بغض النظر عن المسميات والأشكال الوهمية التي يتخذها، البؤرة الثانية تتمثل في وجود عملية سياسية فاشلة تقوم على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية وتخدم أحزاب وقوى وجهات ذات نزعة انفصالية.

خامسا: تعد إيران اليوم بنفوذها في العراق اللاعب الرئيس بعد الولايات المتحدة، وقد تمكنت بدهاء شديد وبراغماتية عالية من احتواء مأزق الاحتلال وتسخير طاقاته ليقدم لها العراق على طبق من ذهب دون أن تنزف قطرة دم واحدة أو قطرة بترول.

وبإمكان العرب استغلال المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية الإيجابية المتمثلة بالفشل المتكرر وتخبط حكومات الاحتلال المتعاقبة ورفض الشعب العراقي لها، وكذلك اشتعال الجبهة في أفغانستان ورغبة الإدارة الأميركية بتقليص خسائرها وتحقيق انسحابات تؤمن لها الحد الأدنى من ماء الوجه والمصالح في العراق.

على المستوى الإقليمي فإن إيران منشغلة بمواجهة الغرب بشأن ملفها النووي وكذلك معالجة التصدع الداخلي المتفاقم على المستوى الشعبي والسياسي والديني، في حين تحتاج الاندفاعة التركية إلى التصويت قبل التفكير في احتوائها أو التنسيق معها لأنها لا تدور بعيدا عن الفلك الأميركي، وقد تسفر عن تقاسم للنفوذ مع إيران على حساب مصالح الشعب العراقي.

"
الوضع في العراق مفتوح على كل الاحتمالات وشظايا النيران المشتعلة التي يكتوي بها الشعب العراقي اليوم لن تلبث أن تتجاوز حدوده عاجلا أم آجلا ما لم تتضافر جميع الجهود
"

لم يعد ملف العراق شأنا محليا عراقيا بقدر ما هو شأن عربي وإقليمي، فالوضع في العراق مفتوح على كل الاحتمالات وشظايا النيران المشتعلة التي يكتوي بها الشعب العراقي اليوم لن تلبث أن تتجاوز حدوده عاجلا أم آجلا ما لم تتضافر جميع الجهود.

ويبدو أن الدول العربية لا تزال تعتمد أسلوب العزف المنفرد في القضية العراقية وتدعم هذا الطرف داخل العملية السياسية أو ذاك لاعتبارات إما مذهبية أو نتيجة إملاءات خارجية، في حين هناك حاجة لمغادرة هذا النمط والمباشرة بالعمل الجمعي وصياغة مشروع عربي واضح، وقد يشكل دعامته الأولى وحجر الزاوية فيه أولا التقارب السعودي-السوري الذي يصب مباشرة في مصلحة العراق ثم الانطلاق لاحقا على المستوى الإقليمي والدولي، لاسيما أن هناك قرارا دوليا بالرقم 1770 بتاريخ 10 أغسطس/آب 2007 أحيلت بموجبه نتيجة الفشل الحكومي المتكرر ملفات المصالحة الوطنية وإعادة النظر بالدستور إلى مجلس الأمن الدولي، ما يعطي فرصة مضافة للتحرك العربي لمعالجة القضايا الخلافية التي يدور حولها الصراع.

فقضية العراق من الخطورة بحيث يجب ألا تترك بيد جامعة الدول العربية التي تعاني من الهرم والشيخوخة، ويعد اللجوء إليها نوعا من العبث والملهاة التي لا تنسجم وحجم المأساة الإنسانية التي يعاني منها الشعب العراقي، إضافة إلى أن موقفها يتسم كثيرا بالبيروقراطية والعجز أحيانا في معالجة قضايا الأمة الملحة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك