وحيد مفضل

وحيد مفضل

باحث وكاتب علمي مصري


نظام "جي بي أس"
نظام "جلوناس"
الدوافع الكامنة والمكاسب الآجلة
الدول العربية المستقبلة

العلم والمعرفة صفتهما النقل والانتشار، والتقدم العلمي والتقني لا يتأتى بطبيعة الحال إلا من خلال شيوع أدوات المعرفة والبناء على الأسس العلمية المكتشفة سابقا. هذه هي سمة العلم وهذه هي طبيعة المنجزات التقنية الحادثة، أما الاستئثار بأحد المنجزات العلمية أو احتكار الخدمة المقدمة من خلالها فيدخل ضمن دائرة ممارسة الاحتكار وحجب المعرفة، وبديهي أن هذا ينطوي عليه إشكاليات متعددة، مثل الحيلولة دون تعميم الاستفادة المتحققة وتداعي الأعباء والتكلفة لاسيما على الفئة المستضعفة، وغير ذلك.

من هذا المنطلق وفي محاولة حثيثة وجادة لتجنب إشكاليات عديدة من هذا النوع، يدور حاليا ومنذ فترة صراع فريد وسباق محتدم بين عدد من الأمم، ليس بينها بالطبع أمتنا العربية العريقة، من أجل كسر احتكار الولايات المتحدة الأميركية لأحد أهم الأنظمة العالمية المتاحة حاليا، ونعني به نظام الملاحة بواسطة الأقمار الصناعية، المعروف باسم "نظام تحديد المواقع العالمي".

فعلى الرغم من إتاحة الإدارة الأميركية هذا النظام -العسكري الأصل- للاستخدام المدني بشكل عالمي ومجاني منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن الاتحاد الأوروبي بوصفه من القوى الناهضة وبما له من طموح مستقبلي، وهو نفس شأن الصين ومن قبلهما روسيا، بدوا جميعا غير مطمئنين لانفراد أميركا بهذه الخدمة، إذ يمكن للبنتاغون وبشكل عملي قطعها عن أي طرف أو منحى في الأرض في أي وقت ولأي سبب.

من هنا شرع كل منها في الإعداد لنظام مكافئ لنظام الملاحة الأميركي، يحقق له استقلالية القرار ويمكنه من حماية أمنه القومي ومصالحه الإستراتيجية، فكان أن أطلقت روسيا بالفعل نظاما ملاحيا خاصا بها باسم "جلوناس"، كما يعد الاتحاد الأوروبي العدة حاليا لإطلاق نظام واعد باسم "غاليليو"، وكذلك الصين بنظامها المرتقب "كومباس".

لكن المتابع لتفصيلات الموضوع يدرك جيدا أن أمر إطلاق نظم جديدة لتحديد المواقع وبخاصة نظام غاليليو الأوروبي، له أبعاد وآفاق أخرى عديدة، غير مجرد حماية الأمن القومي والإستراتيجي، ويدرك أن من شأن هذا إحداث ما يشبه الثورة، ليس فقط في دقة تحديد موقع الراصد بل في جميع التطبيقات المدنية المرتبطة بهذه الخاصية.

ولعل هذا تحديدا والموضوع برمته يستدعي منا بعض الاهتمام وبعض التوقف، إن لم يكن باعتبارنا أحد المستفيدين من النظم الجديدة، فليكن من باب العلم بالشيء، وهو أضعف الإيمان، كما نظن.

نظام "جي بي أس"
ظلت طرق الملاحة وسبل الترحال ولردح كبير من الزمن تتصف بالبساطة والبدائية، إذ كانت تعتمد في أغلب الأحيان على التنجيم والمعرفة الشخصية بمواقع النجوم والكواكب، لكن بمرور الزمن تطور الأمر وساهمت المعارف العلمية في اختراع آلات وأدوات ملاحية كثيرة مثل البوصلة والإسطرلاب والسدسية، مما كان له أبلغ الأثر في معرفة الاتجاهات واختصار المسافات وتحقيق كشوف جغرافية عظيمة بخاصة فيما وراء البحار.

"
حظي نظام تحديد المواقع العالمي المعروف اختصارا باسم "جي بي أس" بشعبية واسعة وانتشار عالمي ذائع، لأنه النظام الوحيد المتاح حاليا الذي تغطي خدماته جميع المواقع في كامل أنحاء الأرض، بشكل مجاني وعلى مدار الساعة
"
لكن التطور الأبرز في الملاحة، والطفرة الحقيقية لم تحدث على أي حال إلا في أوائل الستينيات من القرن الماضي، حينما تم بنجاح إطلاق الأقمار الصناعية للفضاء الخارجي، مما ترتب عليه ظهور تطبيقات مدنية وعسكرية كثيرة، ومنها الملاحة الفضائية، التي تعتمد على توجيه السفن والطائرات وبقية المركبات، من الفضاء الخارجي عبر التقاط إشارات الأقمار الصناعية، ومن ثم تحديد إحداثيات الموقع الجغرافية بثلاثة أبعاد.

وقد كانت الولايات المتحدة الأميركية رائدة منذ البداية في هذا المجال، إذ قامت بإطلاق أكثر من نظام ملاحي متخصص، حظي معظمها بالقبول والنجاح، بداية من نظام "ترانزيت"، ثم نظام "نافستار" الذي حل محل "ترانزيت" بداية من عام 1996، والذي تم تطويره لاحقا إلى نظام تحديد المواقع العالمي Global Positioning System المعروف اختصارا باسم GPS "جي بي أس". وقد حظي الأخير وكما هو معلوم بشعبية واسعة وانتشار عالمي ذائع، وهذا لأكثر من سبب، أهمها أنه النظام الوحيد المتاح حاليا الذي تغطي خدماته جميع المواقع في كامل أنحاء الأرض، بشكل مجاني وعلى مدار الساعة، وبمستوى من الدقة قد يصل لثلاثة أمتار أو أقل.

لكن في مقابل هذا لا يمكن إغفال أن نظام "جي بي أس" قد تم تطويره في الأصل بواسطة وزارة الدفاع الأميركية لخدمة أغراض أميركا العسكرية وتحسين قدراتها الحربية، وبخاصة في مجال توجيه الصواريخ وإصابة الأهداف بسرعة ودقة، وهو ما تحقق فعليا في حروبها الأخيرة، ناهيك عن المكاسب الاقتصادية الضخمة وتحقيق الشركات الأميركية المتخصصة أرباحا طائلة نتيجة احتكارها تصنيع وبيع الأجهزة والخدمات العاملة على هذا النظام، وهذا منذ إتاحته للاستخدام المدني منذ عقدين أو أكثر.

نظام "جلوناس" المنافس
كان من الطبيعي في ظل أجواء المنافسة المحمومة والحرب الباردة المشتعلة بين القطبين العالميين آنذاك، ألا تترك موسكو الساحة الفضائية خالية أمام أقمار الملاحة الأميركية، وأن تعمل جاهدة على مواكبة التقدم التقني والعسكري للغريم التقليدي الأميركي في هذا المجال، ومن هنا عمدت موسكو ومنذ وقت مبكر إلى تأسيس نظام ملاحة فضائي مكافئ لنظام "جي بي أس"، أطلق عليه اسم "جلوناس".

وبالفعل فقد أُطلق أول أقمار هذا النظام في عام 1982، لكن الاستعدادات وعملية التمويل قد جوبهت بعد ذلك بصعوبات وتوقفات كثيرة، لاسيما في الفترة التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي، وتحديدا فيما بين عامي 1996 و2000. بيد أن عملية إطلاق أقمار "جلوناس" قد شهدت دفعة قوية منذ 2001، وذلك بإطلاق سلسلة من الأقمار الجديدة الأخف وزنا والأكثر تقدما وكفاءة من الناحية التقنية.

ومع ذلك لم تكتمل حتى الآن منظومة عمل "جلوناس"، إذ لم يصل عدد أقماره بعد إلى العدد المثالي اللازم لوصول إشارات النظام وخدماته لجميع أنحاء الأرض مثلما هو حادث مع نظام "جي بي أس"، وفي كل الأحوال فإنه لا يتوقع لهذا النظام أن يحقق النجاحات التي حققها النظام الأميركي، وهذا بسبب ارتفاع هامش الخطأ في دقة تحديد المواقع المدنية بواسطته إلى ما يقرب من 20 مترا، وهو ما لا يعد مرضيا في ظل حاجة التطبيقات الجديدة لدقة أعلى وأداء أفضل.

"
يمثل نظام جاليليو للملاحة إضافة هامة بالنسبة لأنظمة تحديد المواقع، وذلك من حيث الدقة وآفاق الاستخدام، إذ ينتظر أن يدار بواسطة 30 قمرا صناعيا، تغطي كافة أنحاء الأرض وتعمل على تقديم خدمة تحديد المواقع على مدار الساعة
"
أوروبا ومنذ بدء اتحادها وبزوغها كقوة ناهضة، بدت غير راغبة في الاعتماد كليا على نظام خارجي لتحديد المواقع، لما يمثله هذا من تهديد مباشر لمصالحها المستقبلية واستقلالية القرار فيها، ومن هنا شرعت منذ العام 2000 وبمشاركة جزئية من بعض القوى الناشئة الأخرى، وهي تحديدا الصين والهند والبرازيل، في الإعداد لإطلاق نظام ملاحي مستقل يحقق لها ذاتها ويعينها على تحقيق طموحات المستقبل.

النظام الجديد المعروف باسم "غاليليو"، والمشابه إلى حد كبير للنظامين الأميركي والروسي، واعد للغاية ويمثل إضافة هامة بالنسبة لأنظمة تحديد المواقع، من حيث الدقة وآفاق الاستخدام، إذ ينتظر أن يدار بواسطة 30 قمرا صناعيا، تغطي كافة أنحاء الأرض وتعمل على تقديم خدمة تحديد المواقع على مدار الساعة وبنسبة خطأ لا تزيد على متر واحد.

ولقد كان مقررا لهذا النظام الانطلاق وبدء العمل به في العام المنقضي، إلا أن صعوبات تقنية وخلافات بينية تتعلق بالتمويل وطريقة إدارة المشروع، قد حالت دون إطلاقه وأجلت ذلك أكثر من مرة، حيث تحدد العام 2013 كموعد جديد لبدء العمل به.

الصين هي الأخرى لم يرض لها طموحها أن تظل أسيرة أنظمة تحديد المواقع الخارجية، بخاصة في ظل تزايد خلافاتها مع الجانب الأوروبي بشأن "جاليليو"، فكان أن شرعت بالفعل في تأسيس نظام ملاحة مستقل، أطلق عليه اسم "كومباس". وعلى الرغم من الغموض الذي يحيط بقدرات هذا النظام، فإن الثابت أن مراحله الأولى ستخصص لخدمة أغراض الملاحة الإقليمية في الصين والمناطق المجاورة فقط، وهذا على أساس توسيع نطاق عمله فيما بعد بحيث يصبح عالميا بحلول العام 2020.

الدوافع الكامنة والمكاسب الآجلة
بالنظر إلى حقائق الأمور لا يمكن الجزم حقا بأن تجربة استنساخ نظام "جي بي أس" من قبل كل من روسيا والاتحاد الأوروبي والصين، يجمعها وحدة الهدف أو وحدة المصير، بل على العكس من ذلك، فإن لكل طرف من هذه الأطراف دوافعه الكامنة وأجندته الخاصة.

بالنسبة لروسيا فالأمر واضح منذ البداية، وينطلق من مبدأ الحفاظ على ريادتها في مجال ارتياد الفضاء الخارجي، والسعي لأحداث نوع من التوازن مع ما حققته أميركا من نجاحات عسكرية وتقنية واقتصادية في هذا المجال. أما أوروبا فتنظر لجاليليو على أنه مشروع مدني وتجاري بالدرجة الأولى، وإن كان هذا لم يمنع من تشكك البعض في وجود أهداف عسكرية واستخباراتية مخفية، ومن إمكانية أن يلعب "جاليليو" دورا حيويا في عمل القوات المسلحة الأوروبية مستقبلا.

وفيما يخص الصين، فمعلوم أنها أيضا من القوى الناشئة، ولها من الطموح المستقبلي ما يدعوها إلى الاستقلال بذاتها وإنشاء نظام ملاحة خاص بها، يعينها على تحقيق خططها المستقبلية ويعفيها من تأثير المتغيرات الخارجية، التي قد تنتج عن تسلط الولايات المتحدة، أو تقلبات الاتحاد الأوروبي السياسية، أو انعزالية روسيا.

لكن أيا كانت أجندة كل طرف وأهدافه المعلنة أو المخفية، فإن الثابت أن تعدد إطلاق هذه الأنظمة سيكون في صالح العالم عامة والدول النامية خاصة، وهذا لأكثر من سبب أولها الحيلولة دون احتكار دولة أو قوى واحدة لنظام عالمي خدمي وإستراتيجي بمثل هذه الأهمية، وثانيها ضمان استمرارية الخدمة وتعدد مقدميها، وثالثها تحسن مستوى الخدمة المقدمة وتنوع تطبيقاتها نتيجة المنافسة المضطردة المتوقعة.

"
أيا كانت أجندة كل طرف وأهدافه المعلنة أو المخفية من ابتكار نظام للملاحة، فإن الثابت أن تعدد إطلاق هذه الأنظمة سيكون في صالح العالم عامة والدول النامية خاصة
"

الثابت أيضا أن نظام "جاليليو" بما يتوافر له من دعم هائل، وبما يتحلي به من عناصر قوة ونقاط تميز هو المرشح لتسيد ساحة أنظمة الملاحة الفضائية خلال الفترة القادمة، خصوصا في ظل توافر أنباء عن إمكانية توقف الخدمة المقدمة من نظام "جي بي أس"، بسبب انتهاء العمر الافتراضي لبعض أقمار هذا النظام، واحتمال تأخر إطلاق أقمار بديلة!

وسواء صحت هذه المخاوف أم لا، فمن الواضح أن تطبيقات نظام "جاليليو" سيكون لها آفاق استخدام كثيرة وغير معهودة، إذ من المنتظر أن تسهم دقة الساعة الذرية المزود بها هذا النظام في إدارة أفضل لشبكات توزيع الكهرباء والإنترنت، وفي تنظيم أفضل لحركة المرور وعمليات النقل بخاصة في المناطق المزدحمة، وسرعة تنفيذ أعمال الإغاثة والإنقاذ، وحماية الأملاك العامة والخاصة من السرقة، وغيرها مما يشكل بالفعل نقلة هامة في تطبيقات أنظمة تحديد المواقع.

من المنتظر أن تحقق أوروبا أيضا وعلى المدى البعيد مكاسب اقتصادية طائلة من وراء إطلاق وتسيير "جاليليو"، حيث تتوقع وكالة الفضاء الأوروبية على سبيل المثال، أن يوفر هذا النظام أكثر من 150 ألف فرصة عمل للأوروبيين، وأن يبلغ حجم السوق العالمية العاملة فيه أكثر من 250 مليار يورو بحلول العام 2020.

الدول العربية المستقبلة
قد يبدو مثيرا للسخرية التساؤل الآن عن احتمالات اقتحام العالم العربي لعالم نظم تحديد المواقع أو ساحة الملاحة الفضائية؟ ومع ذلك فإن حيوية الأمر وأهمية نتائجه المستقبلية، تستدعي منا إثارة النقاش ومحاولة الرد على هذا.

بالنظر إلى إمكانيات الدول العربية والموارد البشرية والمادية المتاحة فيها، وبالنظر إلى ريادة العرب السابقة في مجال الفلك والملاحة، ونجاح بعض العلماء المسلمين القدامى في ابتكار وتطوير أدوات فلكية كثيرة منها الإسطرلاب والمزولة والسدسية، لا تبدو هناك أي مشكلة أو عائق في إمكان إطلاق العالم العربي يوما ما نظاما ملاحيا خاصا به، لاسيما وأن تقنيات صناعة الأقمار الصناعية أصبحت في متناول الجميع وزهيدة التكلفة.

ولعل إعادة الحياة لبرنامج الفضاء المصري، وإطلاق السعودية مؤخرا لأكثر من قمر صناعي للبحث العلمي والاتصالات، وهو نفس حال الجزائر، وأخيرا الإمارات، يمثل بادرة جيدة ودلالة على وجود بنية أساسية وفنية يمكن أن يستند إليها العرب في تحقيق هذا الأمل فعليا.

"
للأسف ليس من الوارد تغير الحال بالنسبة للعرب لإطلاق نظام ملاحي طالما بقى مبدأ الحجب والمنع سائدا في المطلق على مبدأ الإتاحة، وطالما ظل الانغلاق الفكري وتغلل الفكر الأمني
"
لكن بالنظر إلى أنماط التصرفات السائدة وسبل إدارة الأمور والمقدرات المتاحة في أكثر من بلد عربي يبدو هذا الحلم بعيد المنال، بل ويقترب من الاستحالة. ويكفي في هذا أن نعلم أن تطبيقات نظام  "جي بي أس" في الهواتف المحمولة ظلت محظورة في مصر العريقة لفترة طويلة، وأن مجرد امتلاك جهاز "جي بي أس" كان يتطلب الحصول على أكثر من تصريح أمني، وهذا حتى أشهر قليلة مضت. الأمر نفسه لازال ساريا في سوريا، التي تبقى هي الدولة الوحيدة في العالم إضافة لكوريا الشمالية، التي لازلت تعمل بهذا الحظر!

وللأسف ليس من الوارد تغير الحال طالما بقي مبدأ الحجب والمنع سائدا في المطلق على مبدأ الإتاحة، وطالما ظل الانغلاق الفكري وتغلل الفكر الأمني ومبدأ الوصاية طاغيا على نهج وتفكير وقرارات كثير من المحتكرين للسياسات والمسؤولين الأمنيين في بلادنا العربية المنكوبة.

ومع ذلك فلا ينبغي أبدا أن نفقد الأمل، إذ ليس من المستبعد أن نصحو يوما على خبر إصابة هؤلاء بإسطرلاب فكري، يكون من شأنه إعادة توجيه الأمور لنصابها، ومن ثم إتاحة تقنيات "الجي بي أس" ومنجزات العلم المدهشة للعامة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك