عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


ليس الكرة وحدها
مسؤولية الأنظمة
النظامان متورطان
أجهزة المخابرات أداة
التضحية من أجل الحرية

لست بصدد التأفف مما جرى من مخاز كروية عربية بين مصر والجزائر، ولا بصدد البكاء على القومية العربية وما آلت إليه جهالات الأمة، وإنما بصدد أنظمة عربية لا تستطيع أن تستمر في الحكم إلا بجهل الناس وسذاجتهم، وبتفوق انفعاليتهم على كل ما هو عقلاني. فما جرى بين الجزائر ومصر ليس أمرا غريبا على الساحة العربية، فقد سبق لجماهير أردنية أن هتفت لشارون (سير سير يا شارون، إنت بغزة واحنا هون) ضد الفلسطينيين داخل الملعب بسبب مباراة كرة قدم، وسبق أيضا أن توترت الأوضاع بين الجزائر ومصر قبل عشرين عاما بسبب الكرة.

"
الكراهية والحقدية لم تعد تقتصر على الشعوب العربية، وإنما امتدت لتشمل القُطر الواحد، ولتمزق وحدة القطر الشعبية
"
ليس الكرة وحدها
كرة القدم ليست هي الوحيدة التي تثير البغضاء والكراهية بين الشعوب العربية، وليست هي السبب في تمزيق الأمة، أو هي المظهر الوحيد للغباء أو التغابي، أو التغبية لسلوك شعوب عربية تتبادل الأحقاد والكراهية دون أن تعلم لماذا، أو بالأحرى لأن رجل السياسة لا يهنأ له بال إلا إذا بقيت الأمة ممزقة. الكراهية متبادلة بين الفلسطينيين والأردنيين، بين المغاربة والجزائريين، بين السودانيين والمصريين، بين العراقيين والكويتيين، بين الكويتيين والفلسطينيين، بين اللبنانيين والسوريين، بين القطريين والنجديين، إلخ.

حتى أن الكراهية والحقدية لم تعد تقتصر على الشعوب العربية، وإنما امتدت لتشمل القطر الواحد، ولتمزق وحدة القطر الشعبية. مصر تعاني من التوتر بين الأقباط والمسلمين، بين الصعيدي والبحيري؛ والسودان بين الشمال والجنوب، بين المسلم وغير المسلم، بين العربي وغير العربي؛ اليمن بين الحوثي وغير الحوثي، بين الشمال والجنوب؛ الأردن بين إربد والكرك، بين فلسطيني وأردني؛ فلسطين بين غزة والضفة، حمساوي وفتحاوي؛ سوريا بين حلب والشام؛ لبنان بين الشمال والجنوب، بين السني والشيعي، بين مسيحي الشمال ومسيحي الوسط؛ العراق بين كل واحد والآخر، إلخ.

يذكر كبار السن من أمتنا العربية كيف كانت مراكش تخرج في تظاهرات إذا أصاب ابن البصرة مكروه، وكيف كانت وهران تتضامن فورا مع عمّان، والقاهرة الهادرة عندما تتأذى دمشق؛ وبغداد الثائرة عند كرامة القيروان. ونحن نذكر كيف أن الموانئ العربية تعطلت في بداية الستينيات عندما رفض عمال ميناء نيويورك تنزيل حمولة شحن مصرية لأسباب سياسية، فاضطرت أميركا إلى الانصياع لأن كل سفنها في الموانئ العربية تعطلت حركتها. ونحن نذكر تماما وقفة الأمة مع مصر في حرب السويس، ووقفة العرب مع الجزائر في ثورتها ضد الفرنساويين. أنا أذكر تماما كيف كنا نتسابق ونحن في المدرسة الابتدائية على تقديم التبرعات النقدية للجزائر، وكلنا كنا نتشوق للقتال من أجل الحرية. وأذكر كيف كان الفلسطيني يحمل صندوق التبرعات فيمتلئ مالا من شارع واحد فقط في بيروت أو الاسكندرية أو الدار البيضاء، كان الناس يتبرعون بسخاء.

أغلب تلك الصور الجميلة التي كانت تبشر بوحدة عربية حصينة ومنيعة انقلبت الآن، لتستعد الشعوب والحكومات لخوض حروب عربية عربية من أجل مباراة كرة قدم.

"
لم يكن من الممكن للظروف الموضوعية التي تحكم الأنظمة العربية إلا أن تفرز سياسات عربية معادية للأمة العربية ومن ضمنها سياسات التجهيل والإصرار على التخلف بخاصة التخلف الاجتماعي، وبث الكراهية والبغضاء بين الناس على المستويين القُطري والقومي
"
مسؤولية الأنظمة
الأنظمة العربية جميعها عبارة عن أنظمة استبدادية شهوانية قمعية، وهي تحكم بالحديد والنار، ولا تستطيع الاستمرار في الحكم إلا أبقت الشعوب جاهلة انفعالية لا تستخدم عقولها. ونحن نعرف من التاريخ كيف يتبع المستبد دائما سياسات الكذب والتضليل، وسياسات فرق تسد من أجل أن يبقى متربعا على كرسي الحكم. هذه الأنظمة كانت تتحدث في الخمسينيات والستينيات عن الوحدة العربية في وسائل إعلامها، وكانت توهم الجماهير بأنها تسعى حثيثا نحو بناء أمة موحدة قوية كريمة، وطالما كانت تتحدث عن التقدم في مختلف مجالات الحياة. لكن من الواضح أنها كانت فقط تتساوق مع المزاج العام لجماهير الأمة، وكانت في نفس الوقت تنفذ سياسات تمزق ولا توحد، تفرق ولا توحد. وهذه حقيقة لم تكن لتخفى على الذين كانت لديهم القدرة على التحليل وربط العلاقات الجدلية المنطقية، وكان من السهل تفسيرها بناء على ماهية الأنظمة العربية والتي يمكن تصنيفها كالتالي:

1- هناك أنظمة عربية صنعها الاستعمار البريطاني، أو الغربي، عموما واقتطع لها جزءا من هذا الوطن الكبير لتبقى أداة بيده. هذه هي الأنظمة القبيلية العائلية التي لا يمكن أن تكون مع الأمة إلا بقضايا ثانوية وشكلية لأنها موجودة لخدمة الاستعمار وليس لخدمة الأمة، وإذا تناقضت مصلحة الاستعمار (ومعه إسرائيل) مع مصلحة الأمة، فالأولوية لمصلحة الاستعمار؛

2- هناك أنظمة عربية لا تستطيع صرف رواتب موظفيها نهاية الشهر إلا إذا حصلت على المعونات الشهرية من الدول الاستعمارية الغربية، أو إلا إذا قدمت لها الدول العربية الثرية بإذن من الاستعمار بعض المال، وذلك مثل الأردن والسلطة الفلسطينية واليمن ومصر إلى حد ما، وموريتانيا؛

3- هناك أنظمة عربية لا تستطيع الاستمرار بدون حماية عسكرية من الاستعمار الغربي، ومستقبلها مرهون بإرادة هذا الاستعمار ومعه إسرائيل؛

4- باقي الدول العربية التي لا تندرج تحت أي من التصنيفات أعلاه عبارة عن أنظمة استبدادية لا تصلح للوحدة والتقدم، وهي تتحول تدريجيا إلى أنظمة قبلية وراثية.

لم يكن من الممكن لهذه الظروف الموضوعية التي تحكم الأنظمة العربية إلا أن تفرز سياسات عربية معادية للأمة العربية ومن ضمنها سياسات التجهيل والإصرار على التخلف بخاصة التخلف الاجتماعي، وبث الكراهية والبغضاء بين الناس على المستويين القُطري والقومي. ولهذا ليس من المستغرب أن الأنظمة السياسية لها ضلع مباشر في اقتتال الشعبين الجزائري والمصري. النظامان المصري والجزائري فاسدان يهدران طاقات الأمة وثرواتها، ويستفردان في الحكمين، ويقصيان أصحاب الآراء المخالفة والمعارضة، ويعتقلان المعارضين ويعذبان ويقطعان الأوصال. الشعب المصري يئن من الجوع والفقر وسوء الأحوال الصحية والتعليمية، ومقابر أمواته تغص بالأحياء؛ أما الشعب الجزائري الذي من المفروض أن يكون من الشعوب الثرية ما زال يعاني من البطالة ومن سياسة التجهيل والفرنسة. النظامان مستبدان، ومجالس الشعب لا تقوم بأدوارها وأغلب أعضائها يتلقون الرشى والهبات والامتيازات الخاصة من رأس النظام، وهي عبارة عن عاهات تثقل كاهلى الشعبين المصري والجزائري. فهل من مصلحة للنظامين بإثارة الفتنة؟

"
كل نظام معني بتهييج الجماهير لسببين وهما: يحقق كل نظام من خلال هذا التهييج شعبية لأنه يظهر على أنه مع جماهيره ويدافع عما ينفعلون له، وبالتالي يحقق مكاسب ولو على حساب الأمة؛ والثاني هو إلهاء الشعب بالمزيد عن الفساد الذي يُمارس والذي ينهب حقوق هؤلاء المنفعلين الذين يظنون أنهم يصنعون خيرا
"
النظامان متورطان
(لو) كان هناك منطق، لبادر قادة النظامين، على الأقل على مستوى وزيري الخاجية إلى تطويق هذا الغباء الذي حملته الجماهير إلى الملاعب. كان من السهل جدا على رئيس مصر أن يظهر على الشاشة ليقول لشعبه إن الجزائر بلد الأحرار، وهي التي وقفت مع مصر في حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973، وهي التي أمدت مصر بما احتاجته من سلاح وغذاء بعد حرب عام 1967، وإن شعب الجزائر هم أهلنا وأحبتنا، ومن ثم يقدم اعتذاره نيابة عن الشعب المصري. وكان من الممكن أن يظهر الرئيس الجزائري على الشاشة ليقول لشعبه إن مصر هي التي احتضنت الثورة الجزائرية، وإن الاعتداء الذي تم على فريق الجزائر لا يمثل إلا جهالة بعض الطائشين الذين يمكن أن يوجدوا في أي مجتمع. أو كان من الممكن أن يعتذر لمصر عما جرى في الخرطوم من اعتداء على المشجعين المصريين.

لكن ما يثبت تورط النظامين هو عملية استدعاء السفراء. إذا كان بعض الطائشين هم الذين اعتدوا، فلماذا استدعاء السفراء؟

واضح أن كل نظام معني بتهييج الجماهير لسببين وهما: يحقق كل نظام من خلال هذا التهييج شعبية لأنه يظهر على أنه مع جماهيره ويدافع عما ينفعلون له، وبالتالي يحقق مكاسب ولو على حساب الأمة؛ والثاني هو إلهاء الشعب بالمزيد عن الفساد الذي يُمارس والذي ينهب حقوق هؤلاء المنفعلين الذين يظنون أنهم يصنعون خيرا.

"
أجهزة المخابرات العربية معنية فقط بأمن الأنظمة العربية ولو على حساب أمن الأمة العربية، وأمن الشعب الذي تتجسس عليه.
"
أجهزة المخابرات أداة
هل سألك أحد يوما عن أكثر الناس إساءة للناس في الوطن العربي؟ بالنسبة لي هم رجال المخابرات ذلك لأن أجهزة المخابرات العربية معنية فقط بأمن الأنظمة العربية ولو على حساب أمن الأمة العربية، وأمن الشعب الذي تتجسس عليه. أجهزة المخابرات العربية هي العسس، هي عيون الحاكم وآذانه ومختلف أحاسيسه، وهي التي تسهر على راحة النظام واستمراره. لو سألتهم لقالوا لك إنهم يحافظون على أمن الشعب، لكنهم والله لكاذبون. هم يحافظون على أمن النظام المستبد المتخلف الذي ينهب الثروات ويهدد أمن المواطن، ويوزع بعض النعم على أعوانه، وعلى رأسهم مجندو المخابرات.

تجند الأنظمة العربية أعدادا ضخمة من ضعاف النفوس الذين لا تهمهم سوى مصالحهم الخاصة ليراقبوا الناس، وليتتبعوا أخبارهم ونشاطاتهم وعلاقاتهم، وليكتبوا التقارير حتى لو كانت ضد أمهاتهم وآبائهم، وهؤلاء هم الذين يشيعون الخوف والشك بين الناس، وهم الذين يعملون دائما على نزع الثقة بين الناس ونشر الرذيلة والمفاسد، وهم أيضا الذين يبثون الشائعات بمختلف أشكالها بهدف تضليل الناس، أو بهدف حشد دعم للنظام. هم يتلاعبون بعواطف الناس وبأحاسيسهم ومشاعرهم الوطنية والدينية من أجل تحقيق أغراض سياسية تخدم النظام.

هل صحيح أن أجهزة المخابرات المصرية التي تنتشر في كل ركن وزاوية في مصر لم تكن تعلم عن نية بعض عشاق كرة القدم المصرية الاعتداء على الفريق الجزائري؟ وهل صحيح أن المخابرات الجزائرية التي ساهمت، إلى حد كبير، بحشد أعداد كبيرة من الجزائريين للسفر إلى الخرطوم لا تعلم عن نوايا بعض المشجعين الاعتداء على المشجعين المصريين؟ من معرفتي في أجهزة المخابرات العربية، لا تخرج مثل هذه الأعمال عن أجهزة المخابرات. توعز الأجهزة لاثنين أو ثلاثة من أفرادها لصناعة حدث أرعن، ومن ثم تتبع الجماهير بخاصة أن عددا لا بأس به من الموجودين هم من أجهزة الأمن على كافة أشكالها وأنواعها. إذا كان جهاز المخابرات العربي يهتم بماذا تطبخ أم فاطمة هذا اليوم، أو على أي مقهى يجلس أبو علي، أو على أي شخص ألقى أبو خيبان التحية هذا الصباح، أو على أي جنب استرخى أبو حبطان الليلة الماضية، فألا تهتم بما يمكن أن تقوم به جماهير من الناس؟

"
دعوت مرارا وتكرارا المثقفين العرب للتجمع لنصبح قوة في مواجهة الأنظمة وأجهزة المخابرات، ولكي نتحرر فنبدأ مسيرتنا نحو النهوض
"
التضحية من أجل الحرية
إذا كنا سنهجو الأنظمة العربية وأجهزتها الأمنية فإننا لن ننتهي إذ فيها كل ما يستحق الهجاء. لكن المهم يكمن فيما نحن فاعلون. هل لدينا الاستعداد لنثأر لهذه الأمة ولكرامتنا وعزتنا، أم سنبقى هكذا نساق سوقا نحو الفتن والمصائب والهزائم ولا تتحرك فينا نخوة أو شجاعة أو شهامة؟ إذا كانت إسرائيل قوية بمثل هذه الأنظمة العربية، فهذه الأنظمة قوية بضعف جماهير الأمة العربية. واضح أننا لا نقوم بواجبنا بخاصة نحن الذين نمتلك ولو جزءا من الوعي ومعرفة الحقيقة.

أمم كثيرة ثارت ضد الظلم والاستعباد، وحققت إنجازات نحو الحرية والتحرير، أما نحن العرب فلا تكاد نعال الظلم ترتفع عن رقابنا، مع ذلك لا نحرك ساكنا. شعوب الأرض تنهض وتحقق إنجازات في مجالات الحرية والتعليم، والتغيير الاجتماعي والتطوير الثقافي، لكننا نحن العرب نرتع إما في الفقر والتخلف، أو في التمادي في الاستهلاك وكأن البطون أعز ما نملك.

لقد دعوت مرارا وتكرارا المثقفين العرب للتجمع لنصبح قوة في مواجهة الأنظمة وأجهزة المخابرات، ولكي نتحرر فنبدأ مسيرتنا نحو النهوض. يجب أن نفعل ذلك، ولا مجال أمامنا سوى التضحية من أجل الحرية، ومن لا يريد أن يضحي لا يريد أن يتحرر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك