إبراهيم حمامي

إبراهيم حمامي

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني


الاغتيال السياسي
التصفية الجسدية
هل مات عرفات أم قتل؟

بعد مرور خمس سنوات على رحيل ياسر عرفات، مازال الغموض يكتنف مرحلة حياته الأخيرة أي مرحلة مرضه ووفاته، ومع السنوات الخمس يبقى الانتظار والاتهام والتكهن سيد الموقف على أمل فتح تحقيق جدي يرفضه ويماطل فيه حتى اللحظة من كانوا يحيطون بعرفات في رحلته الأخيرة رغم وعودهم المتكررة بالتحقيق والكشف عن الملابسات، اللهم إلا تحقيق يتيم أصدره رئيس وزراء السلطة في حينه أحمد قريع ولم يتعد صفحة واحدة، أبقت الغموض كما هو بإعلان أن المرض غير معروف للأطباء!

ليس المقام مقام النبش في ماضي الرجل، ونصب المحاكم للخوض في سلبياته وإيجابياته، أو محاولة لتقييم مرحلة امتدت لعقود، فقد أفضى الرجل لما قدّم، وحسابه وحسابنا على من خلقه وخلقنا، وقد عارض الكثيرون -ومنهم كاتب هذه السطور- النهج الذي قاده عرفات، من تفرد بالسلطة والمال والقرار وترقية للفاسدين والتغاضي عن أخطاء الكثيرين والمغامرة والمقامرة بمصير وقضية الشعب الفلسطيني، خاصة بعد أوسلو والاعتراف لـ"إسرائيل" بـ"حق" الوجود على ثلثي تراب فلسطين التاريخية، لكن لا يمكن في الوقت ذاته لأي منا أن يجعل الخلاف في الرأي والاعتراض على الأسلوب والمنهج سببا للاصطياد في الماء العكر لتسجيل موقف هنا أو هناك، كما أن عدم القبول بنهج أوسلو وإفرازاته لا يعفينا من المسؤولية والأمانة، ولا يجعلنا نصمت صمت القبور إزاء جريمة بدأت تتضح معالمها، ولا يجعلنا نقر بما تعرض له عرفات في أيام مرضه الأخير من تلاعب بمصيره وتنازع على مرضه، بل على جسده بعد وفاته.

رغم كل هذا الاعتراض والاختلاف إلا أن هناك إجماعا فلسطينياً على كشف غموض أيامه الأخيرة، ومن تورط -إن وجد- بشكل مباشر أو غير مباشر في اغتياله، خاصة بعد ما اصطلح على تسميته بقنبلة القدومي القيادي الفتحاوي المؤسس والتي أشار فيها بأصابع الاتهام لأسماء بعينها.

القضية والجريمة لا تتعلق بشخص أو أشخاص مهما علا شأنهم أو درجة الخلاف معهم، لكنها قضية شعب بأكمله، وجريمة تمسه في الصميم، فمكانة عرفات وقضية فلسطين ومركزيتها، ليست أقل أهمية أو خطورة من أي قضية أخرى أو حادثة إغتيال في هذا البلد أو ذاك، لتُطوى أدراج المكاتب ويُنسى أمرها.

الاغتيال السياسي

"
الفصل الأخير من الاغتيال السياسي لعرفات جاء بأيدٍ فلسطينية، عن طريق تحجيم صلاحياته، وبمساعدة رفاق الأمس الذين انقلبوا عليه، وهي المرحلة التي يعرفها الشعب الفلسطيني، بتفاصيلها وشخوصها
"
لقد برهن ياسر عرفات على قدرة استثنائية في الخروج من أصعب الأزمات، وتعرض لمواقف اعتبرت في حينها شهادات وفاة سياسية له، وحوادث نجا منها بأعجوبة، من الأردن إلى لبنان، ثم تونس وقصف مقره في حمام الشط، وسقوط طائرته في الصحراء الليبية، وموقفه إبان حرب الخليج الأولى، وغيرها.

إلا أن أشد تلك المحاولات كانت فرض الحصار عليه في مقره برام الله والذي بدأه شارون بتاريخ 3 ديسمبر/ كانون الأول 2001 حين أعلنت "إسرائيل" عن احتفاظها بحقها في منعه من مغادرة رام الله للتوجه إلى الخارج، ونشرت دبابات على بعد 200 متر من مقره العام لتنفيذ المنع، وتم تشديد الحصار في 29 مارس/ آذار 2002 فيما عرف بعملية السور الواقي.

ثم جاء الفصل الأخير أي الاغتيال السياسي وبأيدٍ فلسطينية، عن طريق تحجيم صلاحياته، وبمساعدة رفاق الأمس الذين انقلبوا عليه، وهي المرحلة التي يعرفها الشعب الفلسطيني، بتفاصيلها وشخوصها، والتي تميزت بفرض أمور سياسية علي عرفات لم يكن ليقبل بها، أهمها تعيين عبّاس في منصب رئيس الوزراء الذي فُصّل على مقاسه بالاسم، ومحاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها محمد دحلان صيف عام 2004، وحرمانه من مصدر قوته أي المال بعد أن جيء بسلام فياض كوزير للمالية.

التصفية الجسدية
لأسباب كثيرة يطول شرحها، كان لابد من الانتقال للمرحلة التالية، وهي تصفية عرفات جسدياً، طالما أن محاولات إنهائه تماماً من الساحة الفلسطينية باءت بالفشل.

لكن قبل التصفية كان لابد من التمهيد لمرحلة ما بعد عرفات، والاستعداد لها، ودعم الورثة المستعدين للانقضاض على السلطة، ولهذه الغاية بدأ الحديث عن سيناريوهات ما بعد عرفات قبل مرضه بأشهر، ولعل الوثيقة التي وضعتها الخارجية الإسرائيلية وأعلنت عنها إذاعة جيش الاحتلال بتاريخ 14/07/2004، كانت الأبرز بين تلك الاستعدادات حيث وضعت الوثيقة ثلاثة احتمالات لموت عرفات هي "قتله في عملية عسكرية إسرائيلية، أو وفاته فجأة بشكل طبيعي، أو وفاته بعد مرض طويل".

وتوقعت الوثيقة سيناريوهات "كارثية" في حال موت عرفات، إذ تحدثت عن احتمال "انهيار السلطة الفلسطينية" بعد وفاته، و"حدوث فوضى عارمة في الأراضي الفلسطينية، قد تؤدي إلى تدخل دولي"، وإلى صراع على السلطة بين القوى الفلسطينية، ومحاولات من حماس لاستلام السلطة، في حين أوصت بدعم "القيادة الفلسطينية الشابة" من حركة "فتح" أمثال العميد جبريل الرجوب والعقيد محمد دحلان "لكبح تعاظم قوة حماس".

"
نصحت وثيقة الخارجية الإسرائيلية بالسماح للزعيم الفلسطيني "أن يتوجه -في حال مرضه- إلى الخارج لتلقي العلاج، وذلك بغية استبعاد فرضية تحميل إسرائيل مسؤولية وفاة عرفات "
نصحت الوثيقة بالسماح للزعيم الفلسطيني "أن يتوجه -في حال مرضه- إلى الخارج لتلقي العلاج، وذلك بغية استبعاد فرضية تحميل إسرائيل مسؤولية وفاة عرفات، ولم يصدر عن الخارجية الإسرائيلية أي تعليق حول ما جاء في الوثيقة.

قد يعترض البعض لاستشهادنا بتقرير "إسرائيلي"، لكن الوقائع التي تلت نشر ذلك التقرير، وعدم تعليق أو نفي أي ممن وردت أسماؤهم في التقرير، يجعله دليلا على تورط البعض الفلسطيني في تصفية عرفات.

ما يهم هنا ليس التحليل السياسي فقط، لكن أيضاً التطور الصحي للراحل عرفات، والذي يثبت فرضية التورط والتآمر، ولا يخرج سبب وفاته عن فرضيات ست هي:

الفرضية الأولى: وفاة طبيعية بسبب الشيخوخة والمرض، ولنا عودة لهذه الفرضية. وتبقى هذه الاحتمالية واردة، فالأعمار بيد الله، وعرفات لم يكن بالشاب الصغير، وظروف حياته في السنوات الأخيرة لم تكن بالمثالية، وحالته الصحية كانت في منحنى تدهوري واضح.

الفرضية الثانية: التهابات جرثومية, وهي النظرية التي أطلقها الطبيب اللبناني الذي رافق عرفات منذ عام 1994، وهو الطبيب الاستشاري السابق والاختصاصي في جراحة الدماغ د. حسين منصور، حيث شرح نظريته في لقاء مع صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 24/11/2005.

الفرضية الثالثة: تسمم بواسطة الإشعاع, وكان أكثر من أسهب في شرحها المقدم منير الزعبي مرافق عرفات ونائب رئيس حرسه في لقاء متلفز بتاريخ 04/06/2005.

الفرضية الرابعة: سرطان الدم, وهي الفرضية التي أشبعت تحليلاً وفحصاً ونفياً بوضوح لا مجال للشك فيه، رغم أن معظم الأعراض السريرية كانت تنطبق مع هذه الاحتمالية، إلا وأنه وكما سبق أسقطت التحليلات المخبرية هذا التشخيص.

الفرضية الخامسة: نقص المناعة, رغم حساسية هذا التشخيص إلا أنه لابد من الوقوف عنده، لأنه تم الحديث عنه منذ بدايات المرض وكثر الجدل حوله، وبالرغم من أن عددا من أعراض المرض الذي تسبب بموت عرفات قبل نحو عشرة أشهر تشبه أعراض مرض نقص المناعة، إلا في تقرير المرض والموت المفصل الذي كتبه فريق الأطباء الفرنسي، يخلو من ذِكر أي فحص، يثبت أو ينفي وجود الفيروس في دمه.

"
التسميم, هو الفرضية التي يكاد يجمع عليها الشعب الفلسطيني بكافة فئاته، والتي تشكل الفرضية الرئيسية بأن ياسر عرفات قضى غدراً واغتيالاً، وتعززها التهديدات "الإسرائيلية" العلنية والصريحة في الأشهر التي سبقت وفاته
"
الفرضية السادسة: التسميم, وهي الفرضية التي يكاد يجمع عليها الشعب الفلسطيني بكافة فئاته، والتي تشكل الفرضية الرئيسية بأن ياسر عرفات قضى غدراً واغتيالاً، وتعززها التهديدات "الإسرائيلية" العلنية والصريحة في الأشهر التي سبقت وفاته، وليس من المستغرب بالتالي أن تروج نظرية المؤامرة في صفوف الفلسطينيين من أن "إسرائيل" هي من سمم عرفات، وبتواطؤ ممن كانوا معه وحوله.

هذه الفرضية تعززها عوامل منها:
1- الأعراض التي ظهرت على عرفات من طفوح جلدية وبقع حمراء وفضية.

2- التكسر والنقص غير المبرر علمياً للصفائح الدموية، دون الإضرار بباقي مكونات الدم.

3- ارتفاع درجة حرارة الجسم بشكل كبير ومتقطع.

4- السيرة المرضية وتطور المرض تثبت وجود نوع غامض من السموم في جسد عرفات.

5- عدم الوصول لسبب حقيقي للوفاة.

هل مات عرفات أم قتل؟
حالة التخبط والتضليل التي رافقت مرض عرفات، والطريقة والأسلوب الذي تم تسفيره به، ومن بعد ذلك دفنه، والتصريحات في حينها واتهامات "المستورثين"، وتوزيع المناصب، وإنهاء كل ما يمت له بصلة، ورفض التحقيق، هي أمور تصب في اتجاه واحد.

مما سبق من فرضيات يتضح أنه وباستثناء الفرضية الأولى فإن عرفات قد قتل دون شك، واغتيل بوسيلة أو بأخرى، لكن هذه ليست كل القصة!

حتى الفرضية الأولى تعني اغتياله، حتى وإن مات بسبب المرض والشيخوخة فقد قتل، حتى وإن كانت أسباب الوفاة طبيعية فقد تمت تصفيته، كيف؟

الأحداث الموثقة تكشف ما يلي:

- رغم مرض عرفات الشديد لم يستدع طبيبه الخاص إلا بعد 15 يوما وقبل تسفيره إلى باريس بيوم واحد.

- رغم النصائح المتكررة للأطباء بضرورة نقله إلى مستشفى رام الله ( ثلاثة فرق طبية من تونس ومصر إضافة للفريق الطبي الفلسطيني)، فقد تم تجاهل نصيحتهم دون مبرر.

- لم يتناول عرفات المضادات الحيوية إلا بعد 15 يوما، وبعد تأخر حالته، رغم ارتفاع درجة حرارته ووجود احتمال الالتهاب الجرثومي.

- العيّنات التي أُرسلت لمقر م. ت. ف في الأردن ضلت طريقها!

- العيّنات التي أُرسلت لتونس لا يعرف تاريخ أخذها وإرسالها، إضافة إلى أنها أخذت بعد البدء بالمضادات الحيوية مما يؤثر على نتيجتها.

- لم يتم التحري عن أنواع معينة من السموم.

- تم رفض أخذ عينة من الكبد دون سبب واضح.

- لا يوجد ذكر لفحص نقص المناعة H.I.V.

- يرفض معظم الأطباء في مستشفى رام الله الحديث حول ما جرى.

وبالتالي فإن فرضية الوفاة الطبيعية تسقط وتتحول إلى اغتيال سياسي عن طريق منع الدواء والعلاج وتأخيره وبشكل مقصود ومتعمد، مما عجل في تدهور حالته ووفاته، مع الإيمان بأن الأعمار بيد الله.

لم يعد هناك شك بعد كل تلك الحقائق أن ياسر عرفات قُتل، وبتواطؤ مباشر أو غير مباشر من قبل من كانوا حوله، وفي أفضل الظروف هم مشاركون بالجريمة بمنع العلاج وتأخيره وتعطيله، والتكتم عن الحقيقة، والكذب المفضوح، والتلفيق والتضارب في الروايات، وتعطيل لجان التحقيق بعد تشكيلها، وعقد الصفقات المشبوهة، والانقلاب على عرفات الذي طالما تغنوا برمزيته وزعامته.

وهذا يقود للسؤال الأكثر أهمية: كيف قُتل؟ ومن ساهم في قتله؟ ومن تستر على الجريمة وتكتم عليها؟

"
لابد من فتح تحقيق جدي ورسمي للوصول إلى الحقيقة، تحقيق ولجنة مستقلة لا يُشكلها المتهمون ولا يُشرفون عليها، وحتى إنهاء التحقيق في قضية مرض وموت عرفات، سيبقى الملف مفتوحاً، وسيثار في مثل هذه الأيام من كل عام
"
من أجل الوصول لإجابة واضحة لابد من فتح تحقيق جدي ورسمي للوصول إلى الحقيقة، تحقيق ولجنة مستقلة لا يُشكلها المتهمون ولا يُشرفون عليها، وحتى إنهاء التحقيق في قضية مرض وموت عرفات، سيبقى الملف مفتوحاً، وسيثار في مثل هذه الأيام من كل عام.

الرهان على النسيان لإبقاء الأمر طي الكتمان لن يفلح، وتجاهل الموضوع سيثير المزيد من الشكوك، وأصابع الاتهام ستطال الكثيرين الجدد، سواء اتفقنا مع عرفات أو اختلفنا، كنا معه أو عليه، فإن علينا أن نطالب بإنصاف التاريخ والحق والعدل، ومعاقبة الجاني أو الجناة، وأن لا نكتفي بكتابة البكائيات والمرثيات، وهو ما لمسناه في ذكرى رحيله من كل عام، حيث كثر الكلام والتأبين دون الدخول في لب القضية الجريمة.

ولنتذكر جميعاً نظرات الخوف والتوسل في عيون عرفات المغدور وهو يُدفع داخل الطائرة، كمن يستنجد بشعبه ممن حوله، هذه النظرات الحائرة التائهة التي كانت آخر عهد الناس به، وآخر عهده بالناس... فهل من متعظ؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك