فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري


حتى الشرعية لم تسلم من العبث والابتذال، بعدما صار بوسع أعوان السلاطين أن يستصدروا من المؤسسات السلطانية ما شاءوا من مراسيم وقوانين تسوغ العسف والقمع، ثم الاحتجاج بها في مواجهة الجميع بزعم أنها الشرعية التي لا تحتمل ردا ولا نقدا.

(1)

هذا المنطوق من وحي الحوار الدائر في مصر منذ عدة أسابيع حول ملف المستقبل الذي يكتنفه الغموض المقصود. وهو الحوار الذي توقف خلال الأيام العشرة الأخيرة، بسبب اللوثة الكروية التي ضربت المجتمع المصري وعطلت عقول الناس في حين عقدت ألسنتهم عن الخوض في أي شيء باستثناء المباراة الموعودة، وبعدما انتهى على خير مؤقتا الفاصل الكروي على النحو الذي نعرف، جاز لنا أن «نعود» مستردين وعينا المخطوف. وللتذكرة فإن بعض الذي صدر عن فريق «الموالاة» أثناء الجدل حول خيارات المستقبل كان هزلا مستغربا يتعذر أخذه على محمل الجد. والبعض الآخر كان ادعاءات تستحق التفنيد والرد.

وما أدهشني في كلام الفريق الأول ليس فقط تهافت الآراء التي عبروا عنها، وإنما أيضا أن أصحاب تلك الآراء أناس محترمون، مسؤولون كبار وأساتذة جامعيون بعضهم تخصص في العلوم السياسية ودرَّسها للطلاب، الأمر الذي بدا شاهدا على أن الالتحاق بمركبة السلطة لا يحدث فقط انقلابا في أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية وتطلعاتهم الطبقية، ولكن ذلك الانقلاب يشمل أيضا طرائق تفكيرهم وحالتهم العقلية والفكرية. كأن وهج السلطة لا يخطف الأبصار فحسب، ولكنه يبهر العقول أيضا ويفقدها توازنها.

"
من المستغرب أن تتهم المعارضة الوطنية بأن لديها أجندات ومآرب أخرى، لأن ذلك بمثابة حق طبيعي لها، طالما أنها اختارت ألا تكون استنساخا للحزب الحاكم. إذ لا غضاضة في وجود تلك الأجندات والمآرب، طالما أنها تتحرك على أرضية المشروع الوطني
"
من قبيل الآراء المتهافتة التي رددتها أصوات فريق الموالاة أن اقتراح البدائل للمستقبل هو من قبيل فرض الوصاية على المجتمع، وأن القائلين بتلك البدائل لهم أجندات ومآرب أخرى تستهدف ضرب الاستقرار. وهو كلام مضحك ليس فقط لأنه يطالب أصحاب الرأى الآخر بألا يقدموا أية تصورات أو بدائل للمستقبل، ولكن أيضا لأن الذين يرفضون الوصاية يدافعون عن وضع سياسي أحكم قبضته، على المجتمع المصري طوال العقود الثلاثة الأخيرة، حتى وصفه المستشار طارق البشرى بأنه «مجتمع مخنوق»، وهو من فصَّل في مطلب الجماعة الوطنية الداعي إلى رفع تلك الوصاية الكئيبة، في كتابه الذي سبقت الإشارة إليه «مصر بين العصيان والتفكك». واعتبر ذلك إحدى ركائز الإصلاح السياسي المنشود، إذ قال صراحة إن المطلوب تنحية السلطة الوصائية المفروضة من وزارة العدل بشأن القضاء، ووزارة التعليم العالى بشأن الجامعات، ووزارة الأوقاف بشأن الأوقاف، ووزارة العمل بشأن النقابات العمالية، ووزارة الشؤون الاجتماعية بشأن الجمعيات، ووزارة الزراعة بشأن التعاونيات الزراعية، ووزارة الصناعة بشأن التعاونيات الإنتاجية، ووزارة الإسكان بشأن التعاونيات الإسكانية، ووزارة التموين والتجارة الداخلية بشأن التعاونيات الاستهلاكية. ومن عندي أضيف ووزارة الداخلية بشأن كل الأنشطة السابقة.

من ناحية أخرى فإنني استغرب أن تتهم المعارضة الوطنية بأن لديها أجندات ومآرب أخرى، لأن ذلك بمثابة حق طبيعي لها، طالما أنها اختارت ألا تكون استنساخا للحزب الحاكم. إذ لا غضاضة في وجود تلك الأجندات والمآرب، طالما أنها تتحرك على أرضية المشروع الوطني، وتبتغى تحقيق مرادها بالأسلوب السلمي والديمقراطي. ولأن ذلك هو الحاصل فإن اتهامها والتنديد بها يغدو نوعا من الإرهاب الفكري المفضوح.

(2)

إذا قلبنا صفحة الهزل في خطاب عناصر الموالاة، فسنجد أن الشق الجاد في ذلك الخطاب ركز على أمرين أولهما التحذير من إدخال تعديلات على الدستور، وثانيهما ضرورة احترام الشرعية. وفيما يخص الدستور فإن كتابات الموالين تعاملت معه باعتباره قرآنا لا يأتيه الباطل من أي باب، وحفلت الصحف القومية بوجه أخص بمرافعات الدفاع عنه والتشبث بكل ما ورد فيه، بما أعطى انطباعا بأن دعاة الإصلاح الحقيقي يريدون إحداث انقلاب دستوري، وليس مجرد تعديلات تسد الثغرات وتصوب العوج، وتعيد للدستور هيبته واحترامه.

الأهم من ذلك والأنكى أن الذين صدعوا رؤوسنا بمرافعاتهم تلك، التزموا الصمت إزاء عمليات العبث بالدستور التي تعاقبت خلال العقود الثلاثة الأخيرة حتى ابتذلته وأهانته. بل وحولته إلى عقبة في سبيل التحول الديمقراطي. وهذه الجملة الأخيرة كانت عنوانا لمقال نشرته صحيفة «الشروق» في 10/11 الحالي، للدكتور مصطفي كامل السيد أستاذ العلوم السياسية.

"
التعديلات الدستورية كانت بمثابة تلاعب بالدستور نال من مكانته وهز الثقة فيه, فقد بدا واضحا أن الدستور لم يعد ممثلا لإجماع الأمة بقدر ما أصبح معبرا عن أهواء محتكري السلطة
"
في نص المقال شهادة ذكر فيها الكاتب أن قيادات الحزب الحاكم تعاملت مع الدستور بأسلوب أبعد ما يكون عن احترامه والالتزام بأحكامه. بل إن تلك القيادات نزعت عن الدستور طبيعته السامية فأنزلته من مقامه الرفيع باعتباره أبو القوانين، بحيث أصبح مجرد وثيقة تعكس رغبات الحاكم الفرد ولا تحظى بالإجماع الوطني.

تجلى ذلك في التعديلات التي أدخلها الرئيس مبارك على الدستور القائم في سنتي 2005 و2007، وفاقت في عددها التعديلات التي أدخلت على أي وثيقة دستورية عرفتها مصر في تطورها الدستوري منذ عام 1866، ذلك أن تعديل 2005 بعدما قرر مبدأ الانتخابات التنافسية على رئاسة الجمهورية، فوسعها بعد أن كانت استفتاء على شخص واحد، فإنه ضيقها لاحقا حين وضع شروطا للترشح تغلق الباب في وجه أي مرشح لا يعتمده الحزب الوطني. وجاءت التعديلات الكارثية التي تمت في سنة 2007 وشملت 34 مادة مرة واحدة، أجهضت الأمل في إمكانية الإصلاح السياسي. سواء بالشروط بالغة التعسف التي وضعت أمام المترشحين للرئاسة، أو بإلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات أو بتوسيع صلاحيات المحاكم العسكرية وتقنين محاكمتها للمدنيين.

هذه التعديلات كانت بمثابة تلاعب بالدستور نال من مكانته وهز الثقة فيه. إذ لم يؤيدها سوى ممثلو الحزب الوطني في مجلس الشعب الذي أقرها ومررها. وإزاء معارضة بقية القوى الوطنية والجماعات الأهلية لها، فقد بدا واضحا أن الدستور لم يعد ممثلا لإجماع الأمة بقدر ما أصبح معبرا عن أهواء محتكري السلطة. وتلك خلاصة أثارت العديد من علامات الاستفهام حول مدى شرعيته.

(3)

للمستشار سمير حافظ مقالة مهمة نشرتها له جريدة الدستور (في 3/7/2008) تحت عنوان: لماذا لا يحترم القانون في مصر؟ قال فيه إن ثمة تشريعات لها شكل القانون «أو الدستور» لكنها ليست قانونا. وأضاف أن التشريعات التي توضع لتمرير مصالح نفر من سادة المجتمع على حساب الجماعة تظل نصوصا لها شكل القانون لكنها ليست قانونا ــ والتشريعات التي توضع لقهر المجتمع وتمكين أشخاص بأعينهم من التسلط على العباد تظل نصوصا لها شكل القانون دون معنى القانون. وفي ظل هذا الانحراف بالتشريع فإن هذه النصوص لن تلقى احتراما من أحد، لأنها لن تحمى حقا وإنما تهدر كل الحقوق، فيشيع في المجتمع حق القوة لا قوة الحق.

"
لا يختلف أحد على أن التعديلات الدستورية وضعها «ترزية» القوانين, خصوصا تعديل المادة 76 المتعلقة بشروط الترشح للرئاسة الذي اعتبره الفقيه الدستوري يحيى الجمل «عوارا دستوريا»
"
خلص المستشار سمير حافظ من تحليله إلى أن التشريعات بالمفهوم السابق الإشارة إليه سادت في المجتمع المصري في هذا «الزمن الرديء». وهو لم يعترف بها كقوانين لأنها افتقدت شرط تحقيق مصالح الجماعة التي بدونها يفقد القانون روحه وصفته. وقد أثبت في مقاله ما أجمع عليه أهل القانون في تعريفه له، من أنه مجموعة القواعد العامة المجردة، التي تنظم علاقة ما على نحو يعكس قيم المجتمع بقصد تحقيق أهدافه. وهو ما يعني أنه ما لم تتوافر صفتا العموم والتجرد في التشريع فإنه لا يعد قانونا بالمفهوم الفني والسياسي أيضا.

هذه الخلفية تستدعى السؤال التالي: هل التعديلات التي أدخلت على الدستور الذي انبرت أصوات الموالاة للدفاع عنه توفر لها شرط العموم والتجرد أم لا؟ - الإجابة بـ لا قطعا، لأن أحدا من الباحثين لا يختلف على أن تلك التعديلات وضعها «ترزية» القوانين لتفصيلها على أشخاص بعينهم وأوضاع بذاتها، خصوصا تعديل المادة 76 المتعلقة بشروط الترشح للرئاسة الذي اعتبره الفقيه الدستوري يحيى الجمل «عوارا دستوريا» ونتيجة لذلك، فإنها أصبحت تجرح الدستور وتطعن في شرعية التعديلات التي أدخلت عليه.

(4)

فقهاء القانون في الغرب ينسبون مبدأ «الشرعية» كأساس للدولة الحديثة إلى فكر الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، الذي نبه إليه في كتابه «روح القوانين» الصادر في عام 1748م، إذ ميز فيه بين أشكال ثلاثة للحكومات: الجمهورية التي يقوم فيها الشعب على شؤون الحكم بواسطة ممثليه. والملكية حيث الحكم لفرد واحد يقوم عليه طبقا لقوانين قائمة. والاستبداد أو حكم الفرد الذي لا يلتزم في ممارسته للسلطة بالقانون، وإنما إرادته وهواه هما القانون. ولم يخطر على بال مونتسكيو أن أساليب الحكم يمكن أن تتطور بحيث تقوم حكومات هى: جمهورية تصطنع تمثيلا مغشوشا لإرادة الشعب، يمارس حكم الفرد من خلاله. الأمر الذي لا يزور إرادة الشعب فحسب، لكنه يزور الديمقراطية والشرعية أيضا.

السؤال المهم الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: كيف يمكن حماية الشرعية من العبث والابتذال؟ في الرد على ذلك هناك مدرستان. فالباحثون المسلمون يعتبرون الشريعة بمصدرها الإلهي غير القابل للعبث تجسيدا لذلك الضمان. وللدكتور محمد طه بدوي أستاذ القانون الدستوري الراحل بحث مستفيض في هذا الباب رد فيه على ما أورده المستشرق الإنجليزي توماس أرنولد بشأن نظرية الإسلام السياسية، في كتابه حول الخلافة. (البحث نشر في كتاب مناهج المستشرقين، الذي أصدره في عام 1985 مكتب التربية الخليجي).

"
هناك مدرستان في حماية الشرعية من العبث والابتذال, المدرسة الإسلامية التي تعتبر الشريعة بمصدرها الإلهي تجسيدا لذلك الضمان, ثم نموذج الديمقراطيات الحديثة التي ترى الحل في قوة المجتمع المدني بمؤسساته وجماعاته الأهلية
"
وفي بحثه انتقد الدكتور بدوي مفهوم الشرعية في النظام القانوني الغربي، الذي يعني الالتزام بالنظام القانوني الوضعي للدولة التزاما شكليا. فلا يجاوز ذلك إلى الالتزام بما وراءه من قيم أساسية وأهداف عليا. في مقابل ذلك فإن شرعية السلطة في الدولة الإسلامية مرهونة في قيامها وفي استمرارها بالتزامها بالعمل على إعمال النظام القانوني الإسلامي في جملته دونما تمييز بين أحكامه المنظمة لسلوك المسلم كمواطن وحاكم، وبين تلك القيم الأساسية والأهداف العليا التي وردت في الكتاب والسنة، وضرب مثلا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المأمور به شرعا والمتضمن لحق مقاومة الجور والظلم. وهو ما لا تجيزه القوانين الوضعية في أي بلد، وقد تجرمه. ولكنه في المفهوم الإسلامي له شرعيته التي ليس لأحد أن يتحلل منها أو يجرمها.

نموذج الديمقراطيات الحديثة يقدم حلا آخر لتحصين الشرعية والحيلولة دون العبث بها، يتمثل ذلك الحل في قوة المجتمع المدني بمؤسساته وجماعاته الأهلية، التي تنشأ ويقوى عودها في أجواء الحرية والديمقراطية، ذلك أن تلك المؤسسات والجماعات الأهلية بما تمارسه من تمثيل في السلطة ورقابة على أدائها تظل قادرة على القيام بمسؤولية الدفاع عن المصالح العليا للمجتمع ومن ثم الحيلولة دون الانحراف بالشرعية أو العبث بها.

في مواجهة النموذجين نجد أنفسنا في موقف لا نحسد عليه، إذ لدى بعض مثقفينا تحفظات على النموذج الإسلامي ناشئة عن سوء الظن أو سوء الفهم، ولدى أنظمتنا تحفظات أكبر على التطبيق الديمقراطي الذي يكفل الحرية والديمقراطية، يمكن المجتمع من أن ينهض بمسؤولية الدفاع عن مصالحه العليا وتقويم عوج السلطة ومحاسبتها على انحرافاتها. لسنا في مقام المفاضلة بين هذا النموذج أو ذاك، وأكثر ما يهمنا في الوقت الراهن هو توفير شرعية حقيقية تحظى بالإجماع والاهتمام، ولذلك فإن خيارنا الوحيد أن نتشبث بالدعوة إلى التركيز على قضية الحريات العامة، التي بدون توفيرها سيظل باب العبث بكل شيء مفتوحا على مصراعيه.

وتلك لعمري معركة طويلة الأمد وباهظة التكلفة. وبدون كسبها سنخسر الحاضر والمستقبل معا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك